قراءات ودراسات

جابر سركيس: الأستاذ الذى يعلم الصغار حب الوطن

فى مجموعته القصصية ((فرح))

بقلم / محمد عبد الظاهر المطارقى

لايزال كاتب الأطفال الحقيقى يتلمس السعادة كطفل مبتهج، يستشعرها بقلبه، لتقفز ملامحها إلى وجهه.. إن ثمة أسبابا لاشك تدعو لذلك.. وأولى هذه الأسباب المفرحة أن تجد أعماله الإبداعية طريقها إلى النور، وأن تخرج فى وسيط جيد يليق به وبكتابته.. وأن يحتوى هذا الوعاء على لوحات فنية تضيف إلى نصوصه وتمنحها آفاقا أرحب.. وأن تصل كتاباته النابضة إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور المستهدف.. دع عنك المردود المادى فهو فى أحسن الأحوال متواضع لايسد أوده، بل هو بالكاد يسد قيمة ما تم إنفاقه من مصاريف الورق والكتابة والطباعة. وهذا ما يعانيه كتاب الأطفال عامة فى أغلب مجتمعاتنا العربية.
أن تجد نصوصك يتم نشرها فى سلسلة مهمة ككتاب ” قطر الندى” فهذا يدعو للغبطة ، فالكتاب كما هو معروف يباع بالمجان !.. نعم ، فماذا يساوى “جنيه واحد فقط” لينفقه الطفل أو من يتولى أمره فى مقابل منتج ورقى يمتاز بالروعة والجمال ؟. لابد أن نعترف أن السلسلة على مدار عدد طويل من السنوات قدمت إلى ساحة الطفل كتيبة لابأس بها من المبدعين (كتابا ورسامين) ولاتزال . كما أن الكتاب يتم توزيعه على كافة المكتبات التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة فى كل ربوع مصر.. فضلا عن المكتبات المدرسية فى أغلب الأحيان.. وحبذا لو تم توزيعه خارج مصر .
وكتاب ” قطر الندى” يكاد يكون النافذة الوحيدة التى تصدرها هيئة قصور الثقافة و التى يطل من خلالها كتاب ورسامى الأطفال.. مع التأكيد على أن هناك حالات تربص، والكيد لهذه السلسلة الناجحة من أجل إجهاضها والقضاء عليها، وقد حاول كاتب الأطفال أحمد زحام (رئيس تحريرها الحالى) أن يبذل قصارى جهده من أجل إنجاح السلسلة والعمل على استمرارها باعتباره كاتبا للأطفال، وأحد المهتمين بقضايا وهموم الطفل، فضلا عن كونه مسئولا عن رئاستها فى الفترة الحالية، والرجل يناشد الكتاب بكل وسيلة أن يقفوا إلى جانبه ويطلقوا صيحات الاحتجاج، ويعلنوا عن موقفهم بقوة ،ليس فقط من أجل استمرار إصدار سلسلة كتاب ” قطر الندى”.. ولكن لأن هناك بالفعل نوافذ أخرى سقطت من مؤسسات عريقة مثل “دار الهلال” كسلسلتي “كتب الهلال للأولاد والبنات”.. و”روايات الهلال التاريخية”.

ومن ثم، فإن إصدار كتاب جديد للطفل ، يعد بمثابة حدث مهم يجب الوقوف عنده والاحتفاء به.. ولاسيما اذا كان المؤلف له إسهاماته الواضحة، سواء على صعيد الكتابة الإبداعية ـ برغم إهماله فى حق نفسه بعدم سعيه لنشر هذه الإبداعات ـ .. أو على مستوى الفعل باعتباره أحد المسئولين فى حقل الثقافة ، المحركين للفعاليات والأنشطة الفنية والثقافية فى محافظة الغربية.
*
هو أحد أبناء جيل الثمانينات، والابن الشرعى لمدينة المحلة الكبرى..والتى أنجبت قافلة من أهم وأبرز كتاب الطفل فى مصر والعالم العربى، وهى تعد ـ بحق ـ معقل أدب الطفل ، فهى بجانب روادها من المبدعين كالمنسى قنديل، جار النبى الحلو، فريد أبوسعدة، المرسى البدوى محمد رجب، محمد أبوقمر، محمد أمين، ربيع عقب الباب، فتحى فضل، قدمت أيضا فريد معوض، محمد الدش، جمال عساكر، محمد عبد الحافظ ناصف، فراج مطاوع، ، عبد الجواد الحمزاوى.. لطفى مطاوع، عبد الباسط البطل، محمود عبد الله، مجدى الفقى، محمود صادق، متولى الشافعى، د.حسام العقاد، .. وسام جار النبى الحلو، مرفت العزونى، عماد الشافعى، ياسر عزيز.. وصاحب هذه السطور..فضلا عن صاحبنا الكاتب والأديب المبدع “جابر سركيس”، والذى نحن بصدد الحديث عن مجموعته القصصية (فرح) الصادرة عن هيئة قصور الثقافة ضمن سلسلة كتاب قطر الندى العدد رقم 324 .

*
يتشوق القلب لملاقاة أصدقاء كانوا قديما يغزلون أحلامهم الملونة فى شوارع مدينتى.. حيث البيت الكبير الذى يجمع شمل الأدباء والمبدعين والذى يسمى “قصر الثقافة”.. كان ثمة رغبة عارمة لاستكمال الحوار.. وكان يحلو لنا أن نتبادل أطراف الأدب والشعر فى شوارعها العريقة.. وحواريها المتداخلة.. وكانت الوجوه المضيئة بوهج الإبداع تتلاقى داخل البيوت العامرة بالخيرات لنتعاطى الأدب والشعر مع العشاء الشهى وأكواب الشاى المغلى..هكذا كانت بيوتنا الطيبة تنفتح على مصراعيها لكل الأصدقاء والمحبين.. العاشقين لطعم الخيال المدهش.. فتشدو الأصوات الشجية بقصائد وقصص تحملنا الى عالم أكثر رحابة تتحقق فيه كل أحلامنا الممكنة والمستحيلة.. لاتزال تلك الأصوات الرقراقة تلاصق مسامع القلب برغم انفلات السنيين، ومفارقة العديد منهم لعالم الأحياء.. وإن كانوا هم أنفسهم لا يزالون أحياء بكتاباتهم الراقية، وسيرتهم العطرة.. هاهو صديقى القديم/الجديد جابر سركيس بنبرات صوته المميزة العاشق لفريد الأطرش..المفتون إلى حد الوله بالزعيم عبد الناصر إلى الحد الذى يجعله يلهب حماسك الوطنى وهو يحدثك عن الفقراء والمهمشين، والعمال، ويحلم بعالم تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، والكرامة الانسانية، هو ناصرى حتى النخاع، يتجلى ذلك فى أحاديثه اليومية، ومواقفه من القضايا السياسية والاجتماعية، والثقافية. بل يبرز ذلك بوضوح فى أغلب أعماله التى كتبها منذ قصته الأولى البشاورة والتى نشرت بمجلة الرافعى فى منتصف الثمانينات.. ومرورا بمجموعته القصصية “البيت”.. وحتى مجموعته “فرح” التى صدرت حديثا ضمن إصدارات كتاب قطر الندى..

*
فى أولى قصص المجموعة نجد قصة ” الأستاذ” والذى تتجسد فيه كل ملامح الزعيم الوطنى ، فهو المثقف الواعى الذى يمتلك القدرة على الخطابة ، وهو الرافض للوجود الأجنبى، ويطالب بجلائه.. هو الأستاذ الذى يسافر الى الخارج ليعرض قضايا بلاده ويطالب الشعوب والدول بمساندتنا والوقوف الى جانب الحق والعدل وهو الاستقلال من أغلال الاحتلال.
والراوى “طفل” ، كأغلب قصص المجموعة.. يذاكر بين الحقول المترامية.. ومياه النهر الجارية.. والعصافير التى تهبط تلتقط رزقا لها وتطير.
فالراوى لا يكتفى بالتعبير عن حبه للأستاذ الذى يمثل الزعامة الوطنية فى أجل وأكمل صورها.. بل هو يرسم لنا الطبيعة الخلابة التى تحيط به ليعطى انطباعا للقارىء بالراحة ، لاسيما فالراوى دائما يذكر الطفل القارىء أنه يخصه هو بالحديث، باعتباره صديقه المفضل.. وحين يلتقى الراوى الصغير بالأستاذ، يجده كما تخيله :”رأيت شخصا قادما من بعيد، طويل القامة، يسير بثبات وهدوء.يقلب وجهه فى السماء، وينظر الى الأرض والنهر، كان كلما اقترب أحس كأننى أعرفه جيدا، أوصافه نفسها، ملامحه، قامته الطويلة، جسده النحيف”.
إنه الأستاذ الذى يدافع عن قضايا بلاده فى المحافل الدولية والمؤتمرات العالمية، ولايكتفى بذلك بل هو يسعى للالتقاء بالفلاحين يصافحهم ويشد على أيديهم، كما يهتم بمصافحة الصغار، والجلوس معهم والاستماع اليهم وإلى أحلامهم.. ويحاول أن يبث فيهم روح الانتماء لوطننا الغالى.
” يومها جلس معى طويلا على ضفة النهر، يحدثنى وهو ينظر الى النهر وإلى الحقول والسماء، يقول : لقد سافرت إلى كثير من دول العالم، لم أر أجمل من سماء بلدى، ونهر بلدى، ولم أقابل ناسا يحبون بلادهم ويعملون من أجلها مثل ناس بلدى”.
وهكذا يمضى الأستاذ ، وتمضى معه الأيام ليتحقق حلم الراوى وأحلام كل الصغار الذين التقاهم الأستاذ الوطنى يوما ما، وبث فيهم روح الطموح و النجاح.
” وكبرت يا أصدقائى، وصرت مهندسا للرى، أعمل فى أكبر مشروع للرى فى بلادى، والمدهش حقا أن كل من قابله الأستاذ من أصدقائى الآن، ضباط فى الجيش، فى استعداد دائم للدفاع عن الوطن. وأطباء يخففون ألم المرضى، وكتاب يكتبون أجمل القصص والحكايات لكم”.
انه جابر سركيس نفسه، “الأستاذ” والذى يلتقى بالصغار فى قصر الثقافة يحدثهم ويقص عليهم القصص ليلهب حماسهم، ويربى فيه روح الانتماء لوطن يعشقه سركيس حتى الثمالة.
وفى قصة ” أحلى الحكايات” يتحدث الراوى الصغير الى أصدقاءه الصغار من القراء. يحكى لهم عن جده، هذا الجد الطيب الذى أسعدنى الحظ ( أنا شخصيا ) أن ألتقيه وأجالسه وأستمع الى صوته الشجى وإلى حكاياته الرائعة.. هاهو جابر سركيس يستعيد سيرته مرة أخرى، لنجده شخصية ثرية تختزن الكثير من الحكايات الشعبية ، يرويها بشغف شديد. ليسعد بها حفيده. والحفيد لايكتفى بمجرد الاستماع، والاستمتاع، ولكنه يسعى جاهدا لحفظ هذا التراث الحكائى المعرض للاندثار والنسيان بفعل عوامل الزمن، ليتلقفه من فم جده ويقوم بتسجيلها فى كراسته، بل ويضيف إليها أجمل الحكايات والقصائد التى يقرأها ليحكيها لأصدقائه، بل وللأجيال القادمة كما يوصيه الجد و يؤكد عليه.
ويكبر الطفل/الراوى ويقرأ فى الكتب أجمل الحكايات وأروعها، لكن حكايات جده الأثيرة لاتزال تحتل مكانة كبيرة فى قلبه، وهى التى ساهمت فى تكوينه الأدبى وتزكية خياله حتى أصبح كاتبا يكتب للأطفال أجمل القصص والحكايات.
وفى قصة “شجرة تشبه شجرة جدى” يصنع الكاتب عالم من الطبيعة المحفوفة بالبهجة من خلال الراوى الصغير الذى يحب جده، ويتذكره دوما كلما رأى الشجرة التى قام بغرسها يوما ما حتى صارت شجرة كبيرة لها أغصان كثيرة وعليها عصافير تزقزق، وتطير وتزقزق.
الحفيد يحلم بأن يقوم بغرس شجرة، تماما كالتى قام بغرسها جده، ويقوم الصغير بغرس شجيرة صغيرة، ويقوم برعايتها حتى تكبر ، وتصبح مأوى للعصافير التى تزقزق، انظروا الى أى مدى يرتبط هذا الحفيد بجده، ويحاول أن يجعل الخيط الذى يجمع بينه وبين الجد موصولا سواء بالحكى، كما فى القصة السابقة، أو بالفعل ، كما فى قصة شجرة تشبه شجرة جدى.

وفى قصتى “مهند والممحاة”، وصباح مهند الجميل” نلتقى بشخصية مهند الصغير وشقيقه الأكبر أحمد.. فى أجواء طفولية محببة، تشترك فيها أدوات المدرسة كالقلم الرصاص، والممحاة، يضفى عليها الكاتب مشاعر إنسانية. فمهند يحاكى شقيقه أحمد، ويقوم بتقليده، ولكن بطريقته ، فهو لا يزال صغيرا، لايستطيع كتابة الأحرف ، إنه يخط بقلمه خطوطا طولية وعرضية ومتشابكة. وحين تنظر فردوس الى كراسة مهند تخبره بأنه لم يكتب حتى كلمة واحدة. وهنا تقفز الاستيكة لتقوم بمحو ما خطه مهند… ويحاول مهند ، ويقلد شقيقه أحمد الذى كتب كلمة مهند.. وينجح مهند فى كتابة اسمه ويسعد شقيقه أحمد ، وشقيقته فردوس،
وقصة “صباح مهند الجميل” نجد كيف يعبر الصغير عن محبته لأبيه وأمه.. فيقدمها الكاتب دون زعيق، بل يتم عرضها فى طفولية وبراءة. حين يرفع مهند يديه بالدعاء، بعد أن فرع من صلاته بأن يشفى أبيه وأن يحفظه ويحفظ أمه بل إنه فعل ذلك وبصوت مسموع فى المسجد القريب من البيت بعد صلاة العصر. فهذا الطفل البار لن يقدم على البوح بهذه المحبة والدعاء لوالديه من قلبه وهو فى هذه المرحلة المبكرة إلا إذا كانت الأسرة تقدم إليه الرعاية الكافية والحنان الزائد الذى يتولد عنه تلك الروح المحبة.
ويختم كاتبنا مجموعته القصصية بقصة “فرح” التى تشبه الحلم الملون الجميل المحبب للطفل. انها طريقة بارعة فى التعلم، حين يشرك الأستاذ محمد كل الصغار بالفصل، ويكتب على السبورة السوداء كلمات بيضاء.
هاهو الأستاذ محمد يكتب ويرسم ويلون.. والصغار يهتفون وفى وجوههم فرح.. فنجد البيت الواسع، ذو النوافذ الواسعة، وشرفاته البيضاء.. وحديقة واسعة، وأولاد وبنات سعداء مبتهجون يلعبون ويمرحون.. إنها أجواء طفولية ، محببة، وعالم يخلو من التلوث، والصخب والضجيج، عالم يمتاز بأشجاره وطيوره.. وأطفال يفيضون بالسعادة.. إنها الحلم الذى يراود الكاتب نفسه ، ويسعى لتحقيقه على الورق، فلعله يوما ما يتحقق على أرض الواقع.
المجموعة كتبت بلغة بسيطة، فيها من روح الكاتب، وقريبة إلى حد التطابق من شخصيته وأحلامه.
المجموعة تمتاز بلوحاتها الطفولية المبهجة والتى تنطق بالفرح كما يعلن الغلاف ، إنه الفنان المتألق دوما محسن عبد الحفيظ ، والذى منح الكتاب أجواء غاية فى الحسن والبهاء.

*محمد عبد الظاهر المطارقى
مصر ـ المحلة الكبرى
ابريل2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق