قراءات ودراسات

ليث فائز الأيوبي: شاعر المفردات المختارة

رحاب حسين الصائغ*

قد لا اهتدي لضمير الشاعر في مجموعته الشعرية (فضيحة الاسكندر المقدوني) وانا اسير بحذر كبير بين مفرداته، شعره يغص بما يشبه زماننا المقتول، وشعره كالصلاة في حضرة الكلمات، التشابك الكثيف في لغته الشعرية، يحول القارئ للتجوال في عالم الجمال اللغوي، تصوراته تدخلك قناعات ضرورية لمفاهيم التقرب من العالم، وكشف الحاصل من الرفض والقبول وما يمر به الانسان من تجارب قاسية لا تدعه حتى لفهم الحقيقة اين، صحيح ان لكل فرد مفاهيم مختلفة، لكن ما يحدث في العراق، مجمله يصل بالانسان حد الصراخ، من ابعد نقطة الى اعمق نقطة، اختار الشاعر التنوع والتتبع والتشييع من خبرته الحياتية، في كتابة قصائده، امتزاج مفتوح صبَّهُ بقالب ذكي، نلحظ الماضي والحاضر تموسق بما يخدم الجمال، ممتلكا مسارا متفردا في خطابه الشعري…

اعتمد ذهنه في دمج رائع قدمه بحدة تحمل الحيادية، لفكر واعي لمجريات هذا العصر المنكسر، خالقاً من اللانهائي من الادراك الحسي وعادات مجتمعه، وما يتغلغل من المفاهيم الآتية من الاسطورة والمعتقد، وربطه بالحدث لتطهير حالة الالم المعاشة، كونه شاعر حداثوي مرت عليه عضال مفتونة بسرعة التقلبات الزمنية، ميزاجية العالم ف نظره ضحلة، وفجواتها صغيرة داخل الزمكانية، كتب قصائده بتهذيب يلفت النظر عند كل متتبع لها، وحررها من سخافة التمسك بالرتابة والترهل.
الشاعر ليث فائز الايوبي، ومجموعته الشعرية ( فضيحة الاسكندر المقدوني) نالت قصائده اعجابي، حين مروري بها أحدثت لدي استغراب وتساؤلات جميلة , ليث ليس كأي شاعر أقرأ له، لما جمعت من خشوع مهيب في اختياره للمفردة، واتساع بالمعرفة التي جعلت قارئه متحمس لتتبع الباقي من القصيدة، شيء جميل ان يمسك شاعر بالقارئ من رقبته، ويشده بلطف ودهشة، لا بل  أكثر من دهشة، مستوعبا ارتعاشات الغرور والجهل الآتية من هذا العصر، لم يدعك تفلت من يده إلاَّ وانت مشارك في خوض هذه التقنيات الجميلة في قصائد ليث فائز الايوبي، ونجد قوة النص ممارس نشاطه علينا، والتأثير الاتي من النص  اساسي في فعل القراءة، أشاعت تصوراته جو الصراع على قصائده وكونها المفتوح المدجج بالقناعات، الايوبي مخترع متمكن من صناعته الشعرية، فهو ليس عبثا اختار عنوان مجموعته ( فضيحة الاسكندر المقدوني) فضيحة تصاحب الاسكندر المقدوني الشخصية التاريخية وما يغلفها من انتصارات تصل حد الاسطير، اذن الشاعر ليث لاعب بارع في كشف النقاب عن كل حيل التاريخ بطريقته، أمسك مرآة للمتلقي كي يشاهد الزيف الذي يواكب الاسطورة، ولم تسلم الحضارة من نصه في الخطاب الشعري، هدهد بهدوء حقائق مليئة بالخرافة وعدم الاخلاق، واوجد تفاسير يعنيها حين ربط الحقيقة والزيف، نلاحظ ذلك بشكل واضح في مجمل القصائد.
قصيدته الاولى( مصائر مسلية) يسخر من اصحاب النفوذ الذين بيدهم مصائر العباد، خاصة وانهم يعتقدون بانهم قد يصل بهم الامر}   انهم آلهة { أو قد لا يصيبهم الموت ابداً، حيث يقول:
غيوم ملثمة … امطرت
وهي تمرق بالعربات ..
نوافذنا بالرصاص
لتسقط من عربات الخضار
على الارض
اعمارنا كالطماطم مسحوقة !
دم الشمس
ينساب منحدرا
في عروق النهار
ليوخز ايدي تماثيلنا
وهي تخفي من العار .. عوراتها
كي تقود تظاهرة …
لأستعادة اسماء ساحاتها
من ملفات اجهزة الامن !
لم يكتف بهذا القدر من المسح الضوئي للصورة الموجودة والمتغاضي عنها لدى شعب لم يعد قادرا على التعامل السليم مع السلطة، حتى انه لم يعد قادر على التعامل بشكل انساني مع نفسه، الايوبي له نظرة ثاقبة في استخدام الكشاف الضوئي في كثير من الجوانب، ترصد الموناليزا وجعل لها شاربان وتعمل طباخة، مع انها من علية القوم، جوهر فكرته اللعبة الشعرية هي البودقة التي تخرق منها السبيكة جاهزة للعمل، وجاء بهذه الصورة الجميلة الرائعة، حيث يقول:
اجثو لأمسح عن شفتي موناليزا
صرامة شاربها
وهي تطهو الطماطم للعائدين من السينما ..
حاملين ملاعقهم فوق اكتافهم
تاركين دوي انفجاراتهم
في صحون القطط !
الخوف السائد في زمن السلطة الناسية واجبها تجاه رعيتها، حيث كان الجميع يقدم ولاء الطاعة للصورة او اللوحة، أو الشخصية ذات الشارب الصارم، حول الشاعر ليث، تلك اللوحة الى الافكار، وجعل منها اضحوكة يبكى عليها لما اوحى لنا بتضليله لصورة الموناليزا بهذا الشكل، كشفا لواقع أخر متخيل مفخخ بالرمز، لننظر هنا (طهي الطماطم  للعائدين من السينما..) ويقصد الدماء والحرب، كل عراقي كان يشاهد صور من المعركة كل يوم الساعة الثانية ظهرا بعد الاخبار، وهو وقت الغداء في معظم البيوت، والساعة الثامنة مساءاً بعد الاخبار وهو وقت العشاء، ما يبث في صور من المعركة، مشاهد الدم الجثث المشوهة نتيجة القتال، وطبعا لا يوجد بيت يخلو من ان احد اولادهم او احفادهم او جيرانهم او اقاربهم، إلاَّ  هو جندي في ساحة المعركة هذه المعلنة صورها، وايضا غلب على موائد جميع العائلات العراقية نوعين من الطعام ( الرز الابيض والمرق الاحمر) واصبح متعارف على هذه المفارقة ( صور من العركة/ والمرق والرز)  مصطلح (صور من المرقة)، تفادي لكلمة معركة ولتجميل صورة الغذاء، المتزامن وقته مع عرض مؤلم لا يدع اي ام لها ابن في الجبهة يمر مع عرض صور من المعركة إلاَّ ان تذرف الدموع ولا تستطيع الاكل لما يبث وتشاهده من الصور، هنا الشاعر ليث ايضا دمج لوحة الموناليزا بصورة الطباخ الذي له شاربان والجميع يعرف لوحة الموناليزا ولم يعرف الموناليزا شخصيا ابدا، وهي شخصية كثرت حولها القصص والاساطير، ونجده يقول:
الدموع تسيل على وجنات التماثيل
في المتحف الوطني
ولاتستطيع ازالتها  بالمناديل
خوفا عليها من الشبهات !   
ثم يستمر في التاكيد على ان الامر ليس كما هو معروف تاريخياً بل ان هناك معاناة عاشها شعب كامل، مسلط على كل سكناته كاتم صوت مفعل دائما، ما ان بدت اي حركة من ابنائه حتى اصبح في عالم الصمت، ونجد ذلك في قوله، والشاعر اصدق شاهد على الوضع المسكوت عنه:
في الظلام .. بقيت كحارس مقبرة
في الحديقة.. احرس اضرحة للدمى!
كي ازيل المخاوف عن دميتي
لتنام على ساعدي وهي تهذي
وأطفأت نار الشموع
بقيت.. كنحل الخلية
احرس احلامها من ذباب الكوابيس
ليث الايوبي صور لنا مشاهد رائعة، ومتمكنة في تدوين تاريخ العراق لزمن ما، وقصيدة ( تأنيب شخصي لاراحة الاحياء) تحمل التشويق اللغوي في تفكيك بحد ذاته يقدم لنا تصورات لا تقف عند حد من النسق الجاري للجمالية المعروفة في الشعر، يدخل القارئ مشاعات البحث عن واقع معاش لفرد معذب، لوجود قناعات تصارع محاور الشعر، تذكرنا بالبياتي وقصائده، قصائد الشاعر ليث تشتعل بلفة التجدد، في قوله واضحا:
متى يستريح ابي
وهو يهجع في قبره.. عاريا
بعد تبديد ثروته
في شراء الثياب!

متى يستريح أبي
وهو يجهش في قبره باكيا
بعد تبديد هيبته.. بالمزاح

متى يستريح ابي؟
وهو يرقد في قبره نادما
بعد تبديد عتمة ايامه
في شراء الشموع!
يدفع بالقارئ الى فضاء الصورة التي ترسخ الظواهر المؤلمة بين الكائن والعاطفة، افكاره تندرج حول الصراع المدجج بمذهب الالم، كقوله:
من بين فخذي كلبة مسعورة
تثب الجراء الى المياه
لكي تعكر صفوها
وتلوذ في صحن الحليب
على موائد باعة الاكفان
لاقتياد الريح خلف نباحها…
وبناء حامية
تزج بها العواصف والصواعق والدخان
الحداثة في توحيد الصورة، أكبر من الصورة التي يطلقها في قصائده، مركزاً على تقنيات الشعر الحديث والمعاصر، استخدامه للغة المعاصرة/ والرمز الكلاسيكي، خلق حيوية واضحة في التركيز الفعلي للنص، خيال الشاعر ليث فائز نشط في مشاركة القارئ بادماجه وجعل تاثره ممكن في وجود حركة الاسترخاء الكامل، مع انه تجد الاستفزاز في جمع معاني المفردات الشعرية، العراقي فقط من يفهم لماذا كتب بهذه اللغة، كقوله:

..الشمس
فوق صفيح ارصفة الغيوم  
..ترملت
أغمي عليها كالحصان
ولم تعد تقوى
على الم الوقوف على قوائمها
لتأكل ما تبقى
في سهول المسرحية
من حشائش .
وتتبع القصائد يؤدي الى نفس الاسئلة، ليس من الصعب الاجابة عليها، ولكن هي كالمحراث في قلب مشبع بالالم والاضطهاد، حيث يقول، في قصيدة
(ذكريات  حجرية) :
أنامل مرمية كالغبار على الارض.. جاثمة
بعد تعذيب صاحبها. وانتزاع اعترافته
لشخير الحمير على التل
يكتب الشاعر ليث فائز الايوبي، عن فاجعة أثر فاجعة، بقدر ما تحمل قصائده من جمالية تشبه تشابك النباتات على اسيجة لحقول برية، ملتفة على بعضعها بشكل متناغم، تتحدى اي قوة اختراقها، صورها تعبر بابداع متمكن، تتلاحق تباعا حول محور البوح النابض، بالثبات العاكس لواقع مبطن بالخداع، ذائقته الشعرية لم تات من التفاعل بل من ادراك وعمق له ابعاد مدركة، حيث يقول في قصيدة ( رهائن):
على مضض …
يستعيد المسنون اطقم اسنانهم
بعد قبض رواتبهم
في المتاحف.. من دائنيهم!
على مضض ينزوون لتنظيف

مقتنيات منازلهم من قداستها
ريثما تسترد الدراهم هيبتها
ينزوون لتربية الرمل
وهو يزمجر ممتعضا بين راحاتهم !
كما عود القارئ على التعامل التعبيري في خلق الخدعة، مراياه الفكرية لها رؤية متعددة، لها ابدية التواصل الشامخ، في قصيدة ( فقاعات حمورابي) المرايا ملبدة بالغيوم
واطفالنا يستعدون ما فقدوا من دمى
في جيوب سراويل قادة أحزابنا
تحت اعين حراسهم
وتماثيلهم
تشرب الخمر في متحف الشمع
قصيدة اخرى في المجموعة تفضح واقع مهترء لهيآت افّاقة، نحسها كان طرف في الوضع الصعب للفرد العراقي، يتدفق منهم حديث النواميس بضيق، يؤسس اطر الواقع المر، وما حملت الاعوام القاسية ومجرياتها في العراق، يقول الشاعر ليث فائز الايوبي، في ( ضغائن طاعنة بالحب):      
كنت ارمق مندهشا
ظهرها في الظلام
كوعل جريح اضاع غنيمته
كنت ارمق في منتهى الحزن
قامتها وهي تجثو
لإفراغ امعائها داخل حوض
من غلها
وضغينة امنيتي بجينين
يغطي بالحانه
حين اكبر
شيخوختي

قصيدة ( موسيقار الملكة) خارجة من قمم الاساطير بكل صياغتها لها دهشة عقيمة، واستحالة لرؤى خلقها بكل امنياتهن الابداعية، كما في قوله:
كان يعزف طيلة الليل
امام غرفة الملكة
ويطلق البالونات الملونة
باتجاه السماء
تاركا سلالم الموسيقى
رابضة امام شرفتها
لعلها تجن وترسل اليه كلابها!
استطرد الشاعر جراحات اعمق، بذكريات استوعبت العزف على شخصية الفرد الغادر والمغدور، للكتابة لذة وحضور عاشها الشاعر بكل فنونها، وبتطور يحمل القدرة على الدمج والتخيل الفلسفي في اطار حداثوي رائع، دون الوقوع في الاشباع من المفردة، نجد ذلك في قوله بقصيدة( عارضة الازياء) :
صدرها المثير جدا
كان سابقا في نظر تلاميذها السذج
يكفي لإرضاع فوج من جنود المشاة
بعد نفاذ مؤونتهم
اما اليوم ..
فلم يعد اكثر من كيس بطاطا
محشور تحت انقاض
فستانها الفضفاض !  
يتحول الشاعر الايوبي ، حيث لا تراه ثابتا في مكان معين فجاةً تجده بجانبك حاملا بوحه المكثف، هو لا يود التودد لك ولكن يود ان تفهم ما يراه بعين غير عينك، حيث يقول في قصيدة ( فضيحة الاسكندر المقدوني) والتشبيه غير قاصر على الاعلان عن المقصود، حيث يقول:
واين ذهبت صناديق الذخيرة ؟
هل حقا ..
بيعت في مزايدة متفق عليها سلفا
لنجار فطن
استطاع تحويلها الى اقفاص محكمة
.  .  .
في مقطع آخر يقول:
وهم يحصون ما مضى من ايام الاسبوع
باصابع مقضومة من الندم!
ومن سوف يقنع الامهات يا ترى ان الجنة
لم تعد تحت اقدامهن
يحرص الشاعر ان يتجول بكم هائل من المفردات ويحولها لقول صارم، ينحتها بذكاء جاء من قلب الالم حيث يقول في قصيدة ( مصرع الازهار امام ثكنات الدمى ) :
بابا نوئيل
يحمل انبوبة الغاز
كالامهات على راسه
وهو يخطو باعياد رأس السنة

عائدا….
بمواويله المحزنة

انه يرمز الى بعض البشر المغرمين بالوعود الخاوية، لكنه يقوم بعملية الهدنة بين الحقيقة وبينه، رابطا العنف والتهذيب بتناسق شيق وجديد في البوح، حيث يقول في قصيدة ( هتافات):
في تظاهرة حاشدة
ربتوا بحنان على ظهرها
ريثما
تتحرك في جوفها
الانهر الراكدة.
دونما فائدة
أما قصيدة ( ياوطني) فالتعاطف جلي في مشاعر ليث فائز الايوبي، انه استجلى الكتابة عن الجذر ”  الوطن ” وعاش حالة خاصة من الشعر مختلفة عن كل ما في المجموعة، تهادن مع المفردة، وصعدها بتواضع كبير شابه الاحاسيس العميقة تجاه هذا الموجود الثابت والرائع، الذي لم يقدر لا مساحة الرمز والاسطورة، لأنه هو الرمز وهو الاسطورة حاضرا وحضارةً،
كتب بصدق داخلي ومَعني بكل حدوده، حيث يقول:
لن استبدل ماء جبيني  
.. لو منحوني الكون
شواطئ
.. وان خيرت
فهذا طيني
.. ابقى لي
من ذهب طارئ
.. ظلم العالم
لن يثنيني
اعلم
كم ستلوح مرافئ
في وطني العزة تغنيني
عن ذل الاغراب   
وفي مقطع آخر يقول :
ابحث عن سقف يؤويني
ورغيف وسرير دافيء
لا عن وطن لا يعنيني
في الغربة يدعوني لاجيء !
بعد هذه القصيدة لم اجد غير التوقف عندها، حيث يخرج صدى الصوت الى باحات الانصات.
وخاتمة الموضوع تقول ان الشاعر ليث فائز الايوبي، كان حذرا ًوجاداً في اختياراته للمفردة ثم استخلاص المعنى منها، الذي اوجده في مجموعته( فضيحة الاسكندر المقدوني)، فالى آخر المجموعة يتعالى صوت  الشجاعة في تبدد شبح الخوف، الذي سحق قبح التصحر وما يلحقه من اقنعة الخبث، عرَّ انسلاخات هرمية، توهمت انها اسست لها أمكنة، وحرث الواقع حرثا رماديا، وبرزت قصائد لها في المد المتبصر ذا مسح ضوئي دقيق، كامن في برهانه اللغوي، علل ظواهر بابداعه الفكري، بنظرة واسعة لهدم المتاهات الموهومة، الشاعر ليس تلميذ احد، بل صعد منصة الشعر بثقة وعرَّفً نفسه بكل تواضع ومباشرةً، اعتمد الكلمة وظلالها السحرية، وشخصها بصفاة يعرفها العالم، طوبى لشاعر المفردات المختارة.

ناقدة من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق