ثقافة المقال

العقل العربي الإسلامي: هل استقال أم تمت إقالته؟!(٢).

بقلم : حسين جبار

كنا قد أشرنا في مقالنا الأول إلى النقاط التي سجلها طرابيشي على مشروع الجابري، وكذلك أشرنا إلى الفرض الذي ينطلق منه طرابيشي في فهمه لسيرورة انغلاق الحضارة العربية الإسلامية على نفسها.

في البدء كان الرسول.

هناك فرض آخر لطرابيشي لا يقل أهمية عن سابقه، بل يزيد عليه خطورة، وهو أنه قد حدث في وقت مبكر من عمر الحضارة العربية الإسلامية، إنتقال أو انزياح من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. من أجل ذلك يذهب طرابيشي نحو القرآن ليرى تفاصيل الصورة التي رسمها للنبي محمد(ص). وبعد استقراء موسع يقوم بها طرابيشي لآيات القرآن يخرج منه بنقاط منها:

١- اللافاعلية النبوية. حيث ((أن الرسول هو بكل ما في الكلمة من معنى رسول، وككل رسول فإنه ليس له من مهمة غير تبليغ الرسالة، من دون أن يكون له حق التصرف أو حتى التأويل. (…) وبصفته رسولاً فليس له من جهة نفسه أن يكون شارعاً، كما ليس له من جهة مرسله إلا أن يكون مشرَّعا له))[١]. فالرسول ((هو على الدوام إما مأمور بـ أو منهي عن)). ولا يتردد طرابيشي باستخدام تعبير ((اللافاعلية النبوية)) بل ((العطالة الذاتية للوظيفة النبوية)). وذلك ((في كل ما يتعلق بمسائل الاهتداء والضلال، النجاة والهلاك، وتقصر ذلك كله على الوظيفة الإلهية لتحصر الوظيفة الرسولية بالبلاغ وحده))[٢]. بل وهو مأمور كذلك بأن يقول أنه مأمور:”قل إنما أمرت…”، “قل إني أمرت…”. فالجدلية القرآنية المركزية هي ((جدلية الفاعلية الإلهية والمفعولية الرسولية))[٣].

٢- النصاب البشري للرسول. ((فالرسول بشر لا يميزه عن سائر البشر إلا كونه يوحى إليه. وكما يكون قبل أن يوحى إليه بشراً كذلك يبقى بعد أن يوحى إليه بشراً. (…) فما دام في نصاب البشرية يبقى الخيار مفتوحا له كما لنسائه وكما لسائر البشر. ولكن مع نزول الوحي يغلق باب الخيار أمامه وأمام الآخرين (…) [هذا التمييز] بين البشر الذي يتكلم من عنده والبشر الذي يتكلم من عند الله (…) هو أس الأسس في لاهوت الوحي في الإسلام))[٤].

٣- وعي أهل العصر النبوي بهذه الجدلية نقصد ((جدلية الرسول المأمور من الله وحياً والرسول الآمر من ذات نفسه بشرياً، (…) وتعاملهم مع الرسول على أساسها))[٥].

٤- مأمورية الرسول بمشاورة أصحابه.

أما الآيات التي تأمر الناس بإطاعة الرسول فهي، برأي طرابيشي دوما، ((لا تأمرهم بإطاعته إلا بقدر ما تقرنها بطاعة الله … وحتى عندما يأمر الرسول الناس بإطاعته فإنه بأمره هذا مأمور … وحتى عندما يطيع الناس الرسولَ، فإنهم لا يطيعونه إلا بإذن من الله … وعلى أي حال فإن أمر الناس بإطاعة الرسول لا تعني تخويله سلطة شرعية … بل تعني إطاعته في ما يدعوهم إليه من الإيمان بما أنزل إليه ربه، أي التصديق بالرسالة التي حُمِّلها للناس))[٦]. ثم يميز طرابيشي بين الأمر بإطاعة الرسول الموجه للمشركين، أو اللامؤمنين، والأمر بإطاعة الرسول الموجه للمؤمنين. فالمقصود بإطاعة الرسول بالنسبة للمشركين هو ((تصديقه في رسالته المرسل بها)). بينما بالنسبة للمؤمنين هو إطاعته ((في الأمور العملية، أو الدنيوية بتعبير أدق، من قبيل الحرب أو قسمة الغنائم))[٧]. والغائب الأكبر في القرآن هو -ويا للمفارقة!-((تعبير سنة الرسول الذي سيحضر بالمقابل في كتب السيرة والتفسير والفقه والحديث حضوراً طاغيا))[٨].

من القرآن إلى الحديث.

كنا أثبتنا في البدء الفرض الأساسي الذي يبدء منه طرابيشي وينتهي عنده، ذلك الفرض المختص بالأمم ذات المحورية الكتابية. والحال أنه في الأمة الإسلامية فإننا أمام حالة خاصة كما يرى طرابيشي. فالمحورية هنا لم تستمر قرآنية فقط بل، وربما أساساً، أصبحت محورية حديثية(سنية). هذه السنة التي ستعمد لاحقا باعتباها حاكمة على القرآن!

وهذا التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث إنما انطلقت شرارته مع توسع الفتوحات الإسلامية ودخول الداخلين إليه: ((فالإسلام الذي خرج في طور أول إلى الفتوحات حاملاً الرسالة القرآنية ارتد بعد الفتوحات، وفي طوره الثاني، نحو نفسه محملا بما سيتم تكريسه تحت اسم السنة النبوية))[٩]. وقد كان لهذا التحول أسبابه:

١- دخول البلدان المفتوحة إلى الإسلام: ((فالإسلام الذي حمل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدمتهم الفرس، كان إسلام قرآن لا يد لهم فيه، وما أنزل أصلا برسمهم. وبالمقابل، إن الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحهم كان إسلام سنة كانت لهم اليد الطولى في إنتاجه)).

٢- محدودية الأحكام القرآنية مما يجعلها غير قادرة لأن ((تفي بمتطلبات التشريع القانوني جميعها في مواجهة المستجدات من النوازل)).

٣- إلتقاء مصالح الأتوقراطية العربية ومصالح النخب والشرائع المثقفة في تسييد السنة. فمن خلال تعميدها كمصدر إلهي مثل القرآن تماما ((تنتفي الحدود، أو تكاد، بين النخب المحكومة والنخب الحاكمة لتتحول العلاقة بين الطرفين إلى شراكة، إن لم يكن بالإسم فعلى صعيد الأمر الواقع)).

ولكن بالرغم من أن هذا التكتيك قد خدم الإمبراطورية الإسلامية، بجعلها قادرة على التولد ذاتيا، إلا أن نسبة التشريع إلى مصدر إلهي قد قضى على الإسلام بأن ((يكون إسلاما لا تأريخياً))[١٠].

بين المركز والهامش.

قد يصح أن نعبر عن حركة الحضارة ذات المحورية الكتابية بأنها إما حركة انفتاحية تتوسع طرداً من نقطة تمركزها وإما حركة إنكماشية ارتدادية باتجاه المركز. وقد تحركت الحضارة الإسلامية بالإتجاهين. ففي الطور الأول، طور الإنفتاح، يكون هناك هامش من الحرية يمكن للعقل أن يتحرك فيه، وإن ارتطم رأس العقل بسقف النص. في هذا الهامش كان يتحرك مالك بن أنس. فقد استطاع أن يجتهد ((مع كل ما يقتضيه الإجتهاد من اشتغال نسبي للعقل حتى ولو كان النص بما هو كذلك هو القيد الإبستمولوجي الذي يقيد نفسه به قبليا))[١١]. فطرابيشي يرى بأنه ((إذا كان لزعامة مدرسة الرأي أن تنسب إلى أحد فإنما إلى مالك بن أنس، وإن ليس حصراً ففي الدرجة الأولى))[١٢].

وهذا على عكس الرأي الشائع الذي يعطي زعامة مدرسة أهل الرأي لأبي حنيفة، ويعطي لمالك زعامة مدرسة أهل الحديث. فمالك لم يكن ((عبداً لنص فقط -وهذا أمر محتوم في حضارة متمركزة على[كذا، والأصح حول] نصها- بل كان أيضاً مؤسِّساً لنص، وإن كان النصاب الإبستمولوجي لهذا النص أن يكون بمثابة نصٍ ثانٍ على نص أول. … ذلك أن مالكاً عاش وقال أقواله. …في حقبة كانت فيها الحضارة الإسلامية لا تزال في مرحلة من تفتح الدوائر حول مركزها))[١٣].

ولكن هذه الحال لن تستمر والانعتاق النسبي لمالك من قبضة السند يجب أن يعالج ارتدادياً فالثغرات ((لهي مما لا يطاق في حضارة دائرية متمركزة على نفسها))[١٤]. هكذا تم بذل جهد جهيد من قبل جامعي الحديث ومصنفي السنن من أجل وصل مراسيل مالك. ويذهب طرابيشي قدماً ليقلب نظرية السند رأساً على عقب. ((فإتقان آلية الإسناد في القرن الثالث الهجري فصاعداً لم تكن وظيفته الحقيقية ضمان عدم الكذب على الرسول…بل على النقيض إتاحة الفرصة للمزيد من الكذب على الرسول وللتمادي في الوضع على لسانه تحت حماية سلسلة المضامين))[١٥]. ولكن مفارقة مالك بن انس هي أنه هو نفسه قد ساهم في إغلاق الهامش الذي كان يتحرك فيه. فهو كان ((من السباقين إلى تكريس سنة الماضين وتأسيسها في سلفية ملزمة لكل من أتى أو يمكن أن يأتي بعدهم))[١٦].

تكريس السنة.

يلعب الشافعي، في خارطة القراءة الطرابيشية، الدور الأخطر وهو تكريس السنة. فهو ((مؤسس نظرية المعرفة في الإسلام)) والإنقلاب التأليهي [=تأليه السنة] الذي قام به في الإسلام ((لا يجد ما يناظره في تأريخ الأديان سوى الإنقلاب الذي شهدته المسيحية في القرن الرابع الميلادي عندما جرى…تنصيب المسيح إلهاً ابناً مشاركاً في الجوهر للإله الأب)). بل إن دوره الإنقلابي في مجال أصول الشريعة ليس بأقل ((من ذاك الذي اضطلع به معاوية في مجال تأريخ السياسة بتأسيسه الخلافة الأموية أو أبو العباس بتأسيسه الخلافة العباسية))[١٧]. ذلك أن “مشروع” الشافعي يقوم على تكريس السنة شريكةً في المصدر كما في الجوهر للقرآن. فهي “كتاب غير متلو” والقرآن هو “كتاب متلو”. ومن أجل هذا الهدف لن يتردد الشافعي في محاولة نفي الشرط البشري للرسول ((فعنده أن الرسول هو في حالة وحي دائم، وكلما نطق وكيفما نطق فإنما ينطق عن وحي)) ولن يتردد كذلك، كما قيل على لسانه، في جعل السنة حاكمة على القرآن.[١٨]. وفي تأسيس حجية خبر الواحد. وتشغيل آلية الناسخ والمنسوخ. التي يرى طرابيشي أنها ((عفريت التلاعب بالنص القرآني. إذ ليس القائل الإلهي لهذا النص هو من يحدد ما هو الناسخ وما هو المنسوخ من الآيات، بل هو المؤوِّل البشري لهذا النص))[١٩]. وخطورة هذه الإلية تكمن في كونها لم تقتصر على نسخ القرآن بالقرآن بل تعدت إلى نسخ القرآن بالسنة، بعد أن تم رفع نصابها إلى مستوى القرآن نفسه. ويصل الأمر إلى مرحلة بهلوانية بالقول بإمكانية نسخ السنة بالسنة!

أما عن وسطية الشافعي (بين العقل والنقل) فإن طرابيشي يردها ولا يرى لها من نصيب من الواقعية سوى ما كان قد قرره أحمد أمين بخصوصها. ذلك أن ((طائر الشافعي مقصوص الجناح، وعلى نحو غير قابل لمعاودة النبت)) فجناح العقل ((قد استؤصل من جذوره)) بينما جناح النقل ((قد غُذِّي وأعطي من شروط النماء ما يعود يكفيه للطيران بمفرده)). والأمور لن تعود بعد الشافعي كما كانت قبله ((ففريق أهل الرأي سينسحب من المعترك بصورة نهائية…وفريق أهل السنة سيحتل الساح بتمامه، وسيبلغ من طغيانه أنه لن تعود به حاجة حتى للإنضواء في التسمية تحت لواء أصل الأصول الذي هو القرآن: فهو سيعرف مذ ذاك فصاعداً باسم “أهل السنة والجماعة”، أو بمزيد من الحصرية “أهل الحديث”))[٢٠]. وباختصار فإن انقلاب الشافعي تمثل في كونه ((قد حبا أي “ثقة” يعنُّ له أن يختلق حديثا بسلطة تشريعية تضاهي تلك التي للنص المقدس…وجمد سلطة التشريع في هذه الحضارة وعلق تطورها إلى الأبد: فما اختلقه “الثقة” -ربما لتلبية حاجات عصره من تطوير التشريع- صار ملزماً لما بعد عصره، ولما بعد بعد عصره عصره إلى أبد الآبدين))[٢١].

ولكلامنا تتمة في مقال تالً.

[١]. جورج طرابيشي: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث النشأة المستأنفة، دار الساقي بالإشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى ٢٠١٠، ص٨٤.

[٢]. نفسه، ص٤٠-٤١.

[٣]. نفسه، ص٤٩.

[٤]. نفسه، ص٥٣-٥٤.

[٥]. نفسه، ص٥٩.

[٦]. نفسه، ص٧٠.

[٧]. نفسه، ص٧١.

[٨]. نفسه، ص٨٥.

[٩]. نفسه، ص١٠١.

[١٠].نفسه، ص١٠٣-١٠٧.

[١١]. نفسه، ص١٢٤.

[١٢]. نفسه، ص١٢٥.

[١٣]. نفسه، ص١٤٠.

[١٤]. نفسه، ص١٤٩.

[١٥]. نفسه، ص١٤٣.

[١٦]. نفسه، ص١٧١.

[١٧]. نفسه، ص١٩٥.

[١٨]. نفسه، ص١٩٣-١٩٤.

[١٩]. نفسه، ص٢٠٨.

[٢٠]. نفسه، ص٢٦٤.

[٢١]. نفسه، ص٢٧٢.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق