قراءات ودراسات

الأديبة لبنى ياسين وتلك الطقوس المتوحشة

طلعت سقيرق

لابد في البداية من التوقف عند ما أورده الأديب الكبير وكاتب الدراما التلفزيونية الأول أسامة أنور عكاشة حين قال عن أديبتنا السورية المعروفة لبنى ياسين “القاصة لبنى ياسين أدهشتني في أول مجموعة قصصية لها، والدهشة هي الانطباع الوحيد الذي يؤكد الجدارة .. فالأدب الجيد هو الذي يدهش ويثير ، ذلك المزيح الساحر من التجاوب بالعقل مع ما يلمس أوتار القلب ، وهذا ما لمسته في قصص لبنى ياسين … لبنى ياسين …توفوا أمام هذا الاسم راصدين متابعين ، لأنه لكاتبة واعدة ، ومبشرة سنقرأ لها كثيرا .. ونندهش ..”وقالت الأديبة الكبيرة فتحية العسال ” القاصة السورية لبنى محمود ياسين في مجموعتها القصصية تؤكد أنّها كاتبة وأديبة صاحبة قلم له أسلوب بارع ، وأهم ما يميز هذه الكاتبة هو انحيازها إلى طبقة البسطاء .. لذلك تأخذ من رحيق الإنسان البسيط الطيب وتغزل فنا “..

ويقول الكاتب محفوظ عبد الرحمن :” التجربة الأولى دائما مأزق ، فهي تعرفنا إلى الناس ، لكنها في الوقت ذاته تورطنا بصورة دائمة ، ومن الصعب معرفة الكاتب من تجربته الأولى ، إلا إذا كان مبدعا حقا مثل لبنى محمود ياسين في مجموعتها القصصية “.. فأين وصلت هذه الكاتبة في أعمالها القصصية والروائية ؟؟..

مجموعة “طقوس متوحشة ” تعتبر مرحلة متقدمة في أعمال الكاتبة لبنى ياسين التي نشرت عددا من المجموعات القصصية إلى جانب المقالات التي كتبتها خلال عملها الصحفي المستمر ، وهناك قيد النشر مجموعتان قصصيتان ورواية،ستصدر كلها في بلدها سورية للتواصل مع قراء وطنها بعد أن نشرت كل أعمالها خارج سورية .. وتشكل المجموعتان القصصيتان والرواية خطوة هامة يمكن من خلالها أن يتعرف القارئ على أسلوب وفن أديبة تريد كما قالت لي مرارا أن يتعرف عليها أبناء وطنها بعد أن عرفها القارئ العربي في كل مكان من مصر إلى السعودية إلى لبنان والإمارات وسواها ..

ثلاث عشرة قصة تضمها مجموعة ” طقوس متوحشة ” وكلها داخلة في همّ الإنسان والأنثى وأزمة البحث عن مخرج يتيح لنا أن نكتب سطور حياتنا في جو مريح تتوفر فيه كل مقومات العيش الكريم .. والشخصية في هذا تتوزع على خارطة الوطن العربي ككل ، لتحكي همّ كل إنسان عربي .. والسؤال الذي تطرحه الأديبة لبنى ياسين يقول : لماذا يشعر الإنسان العربي على طول الخط انه مأزوم ، أليس من حقه أن يصل إلى بر الأمان ؟؟..

في قصة “الآخر” ارتداد نحو الأنا المتصفة بشرخ إنساني كبير ، حيث الانطواء والخشية والرعب أمام الآخرين ، والعنجهية والكبر والقسوة في مواجهة الوجه البادي في المرآة/الذات ، ومن خلال هذا الشرخ تتمزق الشخصية وتصاب على طول الخط بالانهيار .. بينما تروي قصة ” الوهم الحقيقي ” وفي لقاء مع ” الآخر ” شخصية الفتاة المترددة الخائفة والتي لا تملك قرار الحسم في أي شيء ، حتى أنها في هروبها الدائم من صديقة تكون صداقتها برسائل متبادلة دون لقاء تعيش أسيرة وهم ، وهو الوهم أو التردد الذي يطالعنا في علاقتها من خلال برامج المحادثة مع عامر المشلول والذي يلقى منها التشجيع لخطبة من يحب ، لكنها ترفضه وتنهي كل شيء حين تعرف أنها المحبوبة .. ولعلّ قصة ” أصابع جدي ” من القصص المؤثرة وشديدة الأبعاد في فهم آلية صعبة تخص تعامل الأقارب ، مرضى النفوس مع الأطفال ، فالجد يعبث بشكل فاضح ومخيف بجسد الطفلة حفيدته كلما ذهبت إلى بيته،  ليترك في حياتها جرحا نفسيا لا يمكن تجاوزه حيث يؤثر على كل حياتها .. ولنا أن نتصور حال الفتاة التي تصحو وتنام على كابوس لا ينتهي وهي تتخيل أصابع الجدّ تضغط على عنقها .. لنا أن نرى بشيء من التعمق أنّ الكاتبة في كل قصة تطرح لفتا وتنبيها ، من خلال فنية عالية ، وقص ّ جذاب مشغول بإتقان ..

في قصة “تنتهي بالقاف” ألم الرجل الذي ترك العراق إلى أمريكا وهناك تزوج وكانت الصحوة حين رأى أو استشرف كيف ستكون ابنته في المستقبل منفصلة بل بعيدة عن العراق وعاداتها وأخلاقها فأصر أن العراق باق والاحتلال الأمريكي راحل ..وفي ” حديث الأغنياء ” دخول في مقولة ” الفقر ليس عيبا ” وكيف تكون هذه الجملة تسلية عند الأغنياء ، بينما يعاني الفقير ما يعاني من فقره وحاجته .. وتطرح قصة ” طقوس متوحشة ” هاجس البطلة المسحوقة التي تشتري سكينا متصورة أن تقتل الزوج الذي تكرهه ويبقى ذلك مجرد كوابيس لا تنتقل إلى حيز الواقع .. والمغترب أيضا في ” قذارة مزوجة” يشمئز من الجارة التي تبيع جسدها ثم تعرض عليه ابنتها لكن بعد عرسها ، ورغم اشمئزازه حين تأتيه العروس بعد أيام لتبيعه جسدها يرحب بها بحرارة .. و” لست أنثى ” قصة غريبة لفتاة تشعر في كل تصرفاتها وحركاتها وسكناتها أنها شاب ولا ترضى إلا أن تكون هذا الشاب .. وحين يأتي الخطاب تلبس بدلتها وربطة العنق لتفاجئ أهلها والضيوف بمظهر الشاب الذي تدخل به عليهم..ثم قصة الملك الذي يهمه الكبار من الضباط ويجد نفسه منتصرا بوقوف بيدق أو جندي مدافعا عنه في قصة ” مجرد بيدق “.. أما ” ملكة الثلج” فهي الجمود والبرود متمثلة في فتاة تتزوج ولا يهمها من الدنيا غير مصالحها تبيع كلية أبيها موهمة الأب بأنه يتبرع لحفيده بهذه الكلية ، ويذهب ثمن الكلية لشراء سيارة حمراء .. وتقنع الأم بالتبرع لحفيدها أيضا لكن هذه الأم تعلم عن طريق الصدفة كيف كان الأب ضحية طمع ابنته ومات جراء ذلك !!.. وترينا قصة “ومازال ذاك الوهج في قلبي” كيف تكون العادات سكينا يذبح مشاعر أنثى أحبت ابن خالتها وفرض عليها أن تتزوج ابن عمها “.. والقصة الأخيرة ” تداعيات ذاكرة” وفي تداخل مع قصيدة نزار قباني وهي الأغنية الشهيرة ” رسالة من تحت الماء ” حب في الذاكرة فقط حيث لا يصل الشاب إلى شيء ، فهو يرى إنسانة جميلة تعجبه ، يمر الوقت ، وحين يقرر مفاتحتها يتبعها ليجد أنّ زوجها وابتنها الصغيرة في انتظارها لنجد الخاتمة ” وستعرف بعد رحيل العمر أنك كنت تطارد خيط دخان “..

قصص مشغولة بإتقان وحرفية عالية .. ولأن لبنى ياسين شاعرة أيضا فهي تكتب جملتها برشاقة وإيحاء وغليان .. ويذكر هنا أن الكاتبة تعدد وتلون في الأسلوب والتقنية ، وتنتقل من البطل المتحدث بصيغة الأنا إلى البطل المتحدث عنه بصيغة الهو .. وهي تختار موضوعاتها كما لاحظنا لتكون ذات أفكار جديدة طازجة مهمة.. ولم أجد عند الكاتبة لبنى ياسين أي تقليد أو تكرار ، فكل كتاباتها متصفة بالجدة والبحث عن ما هو مهم .. وميزة لبنى ياسين التي تظهر لنا  في كل قصة تتمثل في إخلاصها الشديد لعملها وهو أمر يلحظ في قصصها ومجموعاتها بشكل عام .. ولا يمكن أن نتجاوز خصوصية و فرادة السرد عند الكاتبة ، فهناك دائما أسلوبية تدلك على هذه الكاتبة وتشير إلى حضورها الخاص القويّ كونها شكلت أسلوبا يخصها وحدها ..

ولا بدّ أن أذكر هنا أن القاصة الروائية لبنى ياسين من الكاتبات العربيات اللواتي يملكن مشروعا متكاملا لأدبهن ، فهي لا تكتب بشكل عشوائي ، بل تطور أعمالها لتضيف جديدا إلى مشروعها بشكل مستمر .. وعندما سألت الأديبة لبنى ياسين عن سرّ وصول اسمها بهذا الشكل الواسع إلى القراء العرب من خلال قصصها ومقالاتها قالت :”القارئ عادة يهتم بما يجذبه، فمحبو السرد يبحثون عن القصة، والرواية، ومحبو الشعر يبحثون عنه، وربما ما شد القارئ في القصة عندي اهتمامي بالحالات الإنسانية، والصراع الداخلي، وتوصيف المشاعر بشكل  يصبح القارئ قادراً على الشعور بها،  بينما مقالاتي الساخرة تحظى بجمهور واسع لأنها تترجم وتدغدغ مشاعرهم المكبوتة غالباً لأكثر من سبب، وتلامس واقعهم بشكل كبير، وهو ما تؤكده كثرة رسائلهم التي تردني من كل مكان رداً على هذا المقال أو ذاك.فعلى سبيل المثال، “شارب زوجتي” وهو مقال قصصي ساخر، خرجت ملكيته من يدي، وإن وضعت اسمه على جوجل لهالك عدد المواقع التي نشر بها سواء باسمي أو دون أسم ، أو حتى باسم آخر لا يمت لي بصلة.كما أن قصة ” تجيء ويغضي القمر”، أرسل لي الكثيرون رسائل تعازي ومواساة، وكانوا يصابون بالدهشة ويعتذرون عندما أرد بأن والدتي -حفظها الله- على قيد الحياة وتنعم بالصحة والعافية، وجزم أكثر من قرأ ” وأزهر الياسمين” أنها سيرة ذاتية، وأيضا انتشرت في المواقع بطريقة غريبة، وبأسماء مختلفة، والأطرف عندما أرسلت لي إحدى القارئات أنها كانت قد قرأت القصة في مكان آخر، وباسم كاتبة أخرى واحتفظت بها، وتذكرتها يوم أن رأتها ثانية باسمي .. “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق