قراءات ودراسات

الفترة الحفصية من 627 إلى 943هـــ؛ 1229 إلى 1526م

نظامها الحكومي:

بعْدَ سُقوط المُوَحّدين، ظهرتْ ثلاثُ إماراتٍ مغْربية، حاولتْ الاستيلاءَ على الشّمال الإفرِيقي، هي: دولةُ بني حفْص في الشرْق، ودوْلة بنِي مَرِين في الغرْب، و دوْلةُ بني زيّان في المغرب الأوْسَط.

وقد وقعت الجزائر في قبضة “الحفصيين” و “بني مرين” مُدّة منَ الزّمَن…

يرجع نسب الحفصيين إلى أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتي (نسبة إلى قبيلة هنتاتة من المصامدة بالمغرب الأقصى).

اتخذ الحفصيون لقب “السّلطان” شارَةً لهُمْ، وَ قدْ تلخّصتْ ِسياستُهُمْ في تلك الوَصية التي تركها الأمير”أبو زكريا يحْيى الأوّل” حين عقد لولده أبي يحيى على ولاية بجاية، و التي سمَّاهَا ابْنُ خلدون الوَصية المباركة:

« إعلمْ سدّدَكَ اللهُ و أرْشدَك، و هَدَاك لِمَا يُرْضِيه و أسْعَدَك، و جَعَلكَ مَحْمودَ السِّيرَة، مَأمُونَ السّرِيرَة: إنَّ أول ما يجب على منِ استرعاه الله في خلقه، و جعله مسؤولاً عن رعيته، في جُلِّ أمْرِهِمْ و دِقّهِ، أن يقدم رضى الله عز وجلّ في كل أمر يحاوله، و أنْ يَكِلَ أمرهُ و حوله وقوته لله، و يكون عمله و سعيه و ذبّهُ عنِ المسلمين، و حربه و جهاده للمؤمنين، بعد التوكل عليه، و البراءة من الحول و القوة إليه، و متى فاجأك أمر مقلق، أو ورد عليك نبأٌ مرهق، فرَيِّضْ لُبّكَ، وسكِّنْ جأشكَ، و ارْعَ عوَاقبَ أمرٍ تأتيه، و حاوِلْهُ قبْلَ أنْ ترُدّ عليه و تُفْشيه…

و اعلمْ أنّ من تواضع لله رفعه الله، و عليك بتفقد أحْوال رَعيّتك و البحْث عنْ عُمّالهم والسؤال عن سير قضاتهم فيهم، و لا تَنَمْ عنْ مصالحهم، و لا تُسامحْ أحداً فيهم، و مهما دُعيتَ لكشفِ ملمّةٍ فاكْشِفْها عنْهُمْ، و لا تُرَاعِ فيهم كبيراً و لا صغيراً إذا عدل عن الحقّ و لا تُراعِ في فاجرٍ و لا متصرّفٍ إلاًّ و لا ذِمّة، و لا تقتصرْ على شخصٍ واحدٍ في رفع مسائل الرعية و المتظلمين، و لا تقفْ عند مرادهِ في أحوالهم…

و اعلمْ أنَّ دماء المسلمين و أموالهم حرام على كل مؤمن بالله و اليوم الآخر، إلاّ في حق أوجبه الكتاب و السنة و عَضّدَتْهُ أقاويل الشرعية و الحجة، أو في مُفسد عائثٍ في طرقات المسلمين و أموالِهِمْ، جَارٍ على غيّهِ في فسادِ صَلاحهم و أحْوالهم، فليس إلاّ السيْف؛ فإنّ أثرَه عفاء، و وَقْعَه لِداءِ الأدْمِغة الفاسدة دوَاء، و لا تُقِلْ عثرَة حسودٍ على النّعم، عاجز عن السّعي، فإنّ إِقالتهُ تحْمله على القوْل، و القولُ يحْملهُ على الفعل، و وَبَالُ عمَلِهِ عائدٌ عليكَ، فاحْسِمْ داءَهُ قبْل انْتشاره، و تدارَكْ أمرهُ قبْلَ إظهاره، و اجعلْ الموت نصبَ عينيكَ، و لا تغتر بالدنيا و إِنْ كانتْ في يديْكَ، لا تنقلبْ إلى رَبّك إلاّ بما قدّمته من عملٍ صالح و متجرٍ في مرْضاته رَابح…»80

حدثتْ بالجزائر خلال حُكم الحفْصِيين، أحْداث و وقائع، أشهرُها و أخطرها حوادث أبي القاسم بن أبي زيد و حركة الدْوَاوْدَة من قبيلة رياح، التي جعلت السلطان المُسْتنْصر الأوّل، يخرج بنفسه من تونس، سنة 664هـ / 1265م على رَأس جيش عظيم، للقضاء على َموَاطن الثورة بالجزائر، و كان له ما أراد… « و قبض السلطان على رؤوس الفتنة، فضُرِبتْ أعْنَاقُهم و نُقِلَتْ إلى بسكرة، فنُصِبَتْ بها. »81 وفي سنة 728هـ / 1327م حدثتْ فتنٌ أخرى داخل الأسْرة الحفصية نفسها … حيْث تنازع أفرادها على الحكم؛ ممّا جعل الملك الحفصي يَسْتنجدُ بالسّلطان المرِيني “أبي سعيد” وتَفاهَمَ معَهُ على أنْ « يُقاسِمَهُ ولاية تلمسان (…) و ما كادتْ تمْضي خمسُ سنواتٍ؛ حتى تحرّك السلطان المريني أبو الحسن من عاصمة فاس، قاصداً غزو الجزائر (…) و كانت الحصيلة ثمانين ألف قتيل. و منذ ذلك الحين أخذ شأن المرينيين يعلو بالمغرب الأوسط، و نفوذهم ينتشر حتى عمّ سلطانهم القطر المغربي كله..»82 أمّا فيما يخص المذاهب و العقائد، فقد تمسكت الجزائر بالمذهب المالكي و العقيدة الأشعرية، وابتعدتْ عن الجدل الديني العقيم؛ وما ينتج عنه من خلافات و اضطرابات ورُبّما ِصرَاعاتٍ داميَة كما حدث في المشرِق…

الحياة الثقافية:

يقول محمد الطمار: « إذا أردتَ أنْ تُلمَّ بشيْء منَ التّفصيل عن كتب الدراسة و الفنون التي كانت تُدرّس يومئذ بالجزائر الحفصية، فعليك بعنوان الدّراية للغبْريني المتوَفى في 12 ذي القعدة سنة 714هـ. و يلاحظ أنَّ الفلسفة و العلوم العقلية كانت قليلة. »83 و الرّجل معه حقّ فيما يَقول…

و يبدو أنّ حركة التأليف كانت قوية بالجزائر، و تَجسّدَ ذلك في كُتب التّراجِم و الفهارس و قد ألف ابن خلدون ُمقدّمتَهُ في الجزائر بِقلعة بنِي سَلامة، بِالجنوب الغربي قرب مدينة “فرَنْدة” عام 776هـ / 1374م.

و تنوّعتْ ثقافةُ الجزائريين على عهْد الحفْصيّين… ففي النّحْوِ مثلاً؛ اشْتهرَ “أبو الحسين زين الدين أبو زكرياء يحي بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي” « تصدّر لِتدريس الأدب العربي بجامع القاهرة العتيق، فأقبل عليه جمهور المتأدبين يأخذون عنه و يستفيدون منه، وأجرى له الملك على ذلك جراية. فتمادى في التدريس، و أكبّ على التأليف، فأتحف مُعاصريه بالألفية في النحو المشهورة باسم “الدّرة الألفية في علم العربية” و هي التي أشار إليها ابن مالك في ديباجة خلاصته، وأثنى عليه فيها و هي منظومة مع بحْريْن، بعضها من السّريع و البعْض من الرّجز و مطلعها:

يقول راجي ربه الغفور        *       يحيى بن معطي بن عبد النور

و للِنّحاة عليْها شرُوحٌ كثيرة أشهرُها شرْح الشريْشي.84 و اشتهر في الفقه الإمام الفقيه أبو عبد الله بن حجاج بن عبد الله بن يوسف بن السكات الذي تتلمذ للإمام “ابن العربي” و له رواية عن “أبي موسى الجزولي”، الذي اشتغل بالقضاء بعد رجوعه إلى بجاية، قادِما منَ الأندلس…

و في الحديث ظهر الشيخ “أبو عبْد الله مُحمّد بن قاسم بن منْداس الأشيري”، و قـد التقى بأبي

موسى الجزولي و لازمه ملازمة ظله، و أخذ عنه علوم اللغة و الأدب… و أما في التاريخ؛ فيُمْكنُ ذِكر العلامة المؤرخ الفقيه أبو زيان ناصر بن أحمد بن مزني الفزازي البسكري، استقرّ بالقاهرة و الْتقى بعبْد الرّحمن بن خلدون و لازم “ابن حجر” طويلاً… و شرع في جمع تاريخٍ كبيرٍ للرّواة، ولكن لم يتممه بسبب الإصابة في عيْنيْهِ… ذكر “المقريزي” ذلك فقال: « إن صاحب الترجمة كان يتردّدُ إليْه و قال، ماذا فقدنا منْ فوَائده، عوّضَهُ اللهُ الجنّة.!»85

أمّا في ميدان الأدب؛ و الشعر على الخُصوص: فقد برز “محمد بن حسن القلعي” الذي نحا في شعره منحى “حبيب بن أوس”، صاحَبَ “أبا عبْد الله الأرِيسِي” الجزائري الذي سلك في شعره مسلك “المتنبي” و كانتِ المُرَاسلاتُ دائمة بيْن الشّاعرَيْنِ.

مِن جميلِ شعرِه في الزُّهْديات، قوله:

الخُبْرُ أصَدقُ في المرْأى مـن الخبَرِ             *           فـــمَــهْدُ العُذرِ ليْس الـعيْنُ كالأثرِ

هـــو الحِــمامُ فــلا تُــبعِدْ زيــــارته             *           و لا تــــقلْ لــيتـني منْه على حذرِ

يــــا ويــحَ مَنْ غــرّهُ دهرٌ فسُــرّ به             *           لـم يَخْلصِ الصّفوُ إلاَّ شِيبَ بِالكَدَرِ

و القصيدة طويلة … يقول في آخرها:

أفنـــاهـــمُ الدَّهْـرُ أولاهم و آخرهم               *           لم يبق منهم سوى الأسْماء و السِّيَرِ!

أختم هذه الجولة الحفصية بــ : أحمد بن أبي القاسم الخلوف، شاعرُ الحفْصيّين و الملقبُ “بذي الصناعتيْن” على غرار “أبي هلال العسكري”… يقول في إحدى قصائده:

لا أنْــثـني عــن حـــبِّ مَنْ لمْ يُثْنِهِ               *             عــنْــد الوَداعِ تــذلُّلُ الأشـــــــواق

لـــوْ كنتَ شاهدنا و قد حكم الهوى              *             بـــفراقــنا؛ لَــجزَعْـتَ منْ إشفاقي

و بــكــيــت مشــتـــاقاً بكى لبكائه               *             جــفــن الـغـمـــام بـدمعه الرّقراق

و وهى الفؤاد و طـار عقلي عندما              *             جــرتِ الامـورُ على خلاف وفاق

فجرت مـن الأجفان حمر مدامعي               *             حــــارت بسفـع الخدّ فضل سباق

فــبكـى و قال: أذاك دمع ، أمْ دم ؟              *             و لَــرُبّ دمــعٍ كــالدّمــا مـهـراق

فــــأجـبـتـه و الــدمـع يظهره على               *             مـــا في الحشــا من شدة الإحراق

لا تـــحسبــنّ الــدمــع فاض وإنما               *             قـــلـبـي أذيـب فسـال من آماقي !

يــا أمــة الأشـواق هــل من منجد                *             يُـرْجــى لـدفع حوادث الأشواق ؟

أمْ هـــلْ لــِنــار تـلهّفي من مطفئ                *             أمْ هلْ لـِفيض مدامعي مِن واق ؟

أمْ هـــلْ لـِكسر حُشاشتي منْ جابر              *             أمْ هـــلْ لـِداء صبابتي منْ راق ؟

أمْ هــلْ لِأول لــــوعــتي مـنْ آخر               *             أمْ هــلْ لِذاهب مُهجتي منْ باق ؟

أمْ هــلْ لِــعـهد المـلتقى منْ موعد                *             فــلـقـد وهـى جــلدي و شُدّ وثاقي

آهـــــا، و مـــــا آهٍ بنــــافـعة و قدْ               *             أزِفَ الفراقُ، و لات حين تلاقي !86

* ناقدة أكاديمية وأستاذة جامعية جزائرية

العصر الرُستمي العاصمة: تــيهرت أو تيهارت من 299 -160 هــــ 911-776م

فترة الأَغالِــبة العاصمة: “طبْنــة” من 296-184هــــ 909-800م

الفترة الفاطمية العاصمة: “المسيلة” من 361-296هـــــ 972-909م؛

الفترة الصنهاجية العاصمة “القلعة” من 547-405هــ 1153-1014م

الفترة الحمّادية من 405- 547هـ / 1014- 1153م

الفترة الحمّادية من 405- 547هـ / 1014- 1153م

الدولة المرابطية: من 472هـ إلى 539هـ / 1079م إلى 1145م

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق