ثقافة السرد

صفحات نفس -1-

رواية متسلسلة

مامون احمد مصطفى

         نعم، أنا إنسان قميء، شديد القماءة، هل هذا يثير استغرابكم؟ اعرف ذلك، لان الاعتراف امام الغير وعلى الملأ ليس من شيمكم، ولا من طبائعكم، لهذا، سيكون من الصعب عليكم ادراك معنى الاعتراف المباشر، امامكم، وامام الزمن المتخفي في زوايا القادم، وماذا ان قلت اني اشعر باللذة حين أراقب عذاب الآخرين ودمارهم، لذة من نوع خاص، يختلط فيها الفرح المبهم مع الحزن الغامض، وتتجول في أرجائها مشاعر من الغبطة والحبور، مع مشاعر من الكمد المدفون؟

         هل واجهتم يوما نفسا تمتلئ بالحقد؟ تمور بالحسد؟ لا أظن ذلك، لان مفهوم الحقد والقماءة، يحتاج إلى تدقيق في الحدث المكون للنفس، المشكل للمشاعر، وانتم بطبعكم تعرفون فقط المسميات الناتجة عن فعل أو ردة فعل، لكنكم اعجز كثيرا من فهم المكونات والمشكلات القادمة من تأثيرات الخارج والداخل.

         كان ذلك منذ زمن بعيد، بعيد جدا، يغور في الزمان والمكان، حدث فجأة، دون توقع، ودون إشارة مسبقة، في مكان مجهول، تتوافق فيه المتناقضات، ويقترب المجهول من المعلوم، نحو نقطة تكاد تكون بداية الاندماج والتلاحم، لكنها تفترق في اللحظة الحاسمة، الخاطفة التي لا تكاد تبين او تلحظ، في تلك اللحظة، كان الموت يزحف بهمة عالية نحو جسد جريح، مطروح في مكان معزول من المكان المجهول، على فاصل بين ارض تتوزع بين منحنيات الحياة والموت، لتكتمل صورة التناقض اكتمالا يشبه البدر في تجلياته المؤججة.

         كنت أشاهده وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بصعوبة بالغة، تتشابه مع الانفاس المحطمة في الصحراء من العطش المستبد بجوهر الحلق والروح، والماء امامه، على بعد خطوات فقط، لكن العطش المتمكن من كل اجزاء الجسم الناحل الساقط المجفف والمتشقق، يضع المسافة بين الماء وبين الحياة على مرمى الموت المصبوغ بالحياة، بالنماء، بالتورد، تغريه في ذلك الاماني المنبثقة من رائحة الرمل المحترق تحت اشعة شمس الصحراء الموغلة بتعذيب الارض وتلويح الافاق، فالأرض رغم قسوتها، رغم فحيحها، تبقى الحلقة الواصلة بين الروح وبين البقاء، ولان الانسان لا يعرف ذاكرة منزوعة من الارض، فانه يبقى يغذي امله الكسيح بالتواصل مع مكوناتها رغم دفقات الموت المتسارعة في اعضائه، في محاولة منه لتقليص المسافة الفاصلة بين الموت وبين الماء الذي يُشَد بالعينين الهاطلة دموع اللحظة الاخيرة، تلك الدموع التي تشارك بإفراغ الجسد من اخر قطرات يمكن ان تؤجل لحظة النهاية الى اجل غير معلوم، لكنها تتساقط بين اللوعة والرجاء، بين الهروب من الفناء القادم الى خلاص يستقر بمنظر المياه القابعة على بعد يسير من الجسد المغلول نحو التمحور بنقطة البقاء بين الموت والحياة، وكأن اللحظات الاخيرة التي لا بد ان تقوده الى السماء، تشارك بشده نحو مشهد ارضي لا رجاء فيه ولا امل، كي تكون النهاية موسومة بعذاب متدفق الى كل مسارب الذات ومداخلها، ليكون الرحيل موسوما بألم يغل العينين الجاحظتين الى بؤرة الوجع الذي سيرافق الجثة الى القبر.

   كنت ارقبه بانتباه شديد وهو يبحث داخل الحياة عن بريق أمل، ويبحث بأعماقي عن مساعده، عن خطوة إنقاذ، لكنني لم اتحرك، فهذا المشهد الخرافي، الخارج من اعماق اللحظات الاخيرة بأسطورية العجز عن الوصول الى منبع الحياة، الموجود على بعد خطوات فقط، هو مشهد خاص، لا يتكرر، ولا يتسنى للإنسان ان يراه اكثر من مرة في الحياة، بل كثير من الخلق مات دون ان يتمتع بمثل هذا المشهد الذي يحمل خصوصية الروح المترنحة بين الموت والحياة، فالموت كائن مستبد يزحف بأطرافها، بتؤدة، ليشارك الرسم العنيف لمعاني العينين الموغلة باقتحام عالم لا نكاد نعرفه، بل نحن لا نعرفه ابدا، انه عالم خاص يستطيع ان يعيشه هو فقط، وخاصة حين يحاول الزحف من اجل الوصول الى الماء، فتتامر كل اعضائه عليه، ليبقى مكانه، في النقطة المعلقة بين الفناء والبعث، لكنه يشعر بصورة ما، بعاطفة ما، ان جسده تحرك من مكانه، خطا خطوة نحو الامام، فينبثق شعاع غريب من العينين، لم يكن موجودا قبل لحظات، فيه نشوة الحياة، وشبق الوجود، يشعر بالقوة، بالمتانة، يزحف قليلا، لكن الماء يبدو بصورة ما انه يتحرك الى الامام، فكلما زحف قليلا، كلما تقدم الماء الى موضع بعيد عنه، تكبو النظرات، تنكسر، ينخسف المحيا، تنتابه هلوسات الصدى والسراب، يخرق عقله خاطر سريع بانه لم يزحف، وان النقطة التي عليها جسده، تملك قدرة جذب هائلة، تمنعه من الوصول الى الماء، يشعر بالموت وطرقاته تتقدم، يتهدل جسده حتى يبدو كخرقة تتناوبها الرياح، لكنه يبقى معلقا نظراته نحو الماء، نحو الحياة، والالم يعتصر ملامحه ويطحن اماله.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق