قراءات ودراسات

العقل العربي الإسلامي: هل استقال أم تمت إقالته؟!(٣).

بقلم: حسين جبار

تسنين العقيدة القويمة وانتصار أهل الحديث.

في سياق تحليله لأسباب موت الفلسفة في الحضارة الإسلامية، يرى طرابيشي أن السبب الأول هو “تسنين العقيدة القويمة”. وهو يموضع هذا التسنين بحيث تعود ((بداياته الأولى إلى أحمد بن حنبل(٢٤١-٢٩٠) أو بالأحرى إلى الحركة التي قادها أهل الحديث وشريحة متعاظمة من الفقهاء تحت اسمه، والتي بلغت ذروتها مع ابن تيمية(٦٦١-٧٢٨)))[١]. وهذه الخطوة لم تكن لاهوتية فقط وإنما سياسة كذلك من خلال ما يسميه طرابيشي بـ”الإنقلاب المتوكلي”-نسبة للخليفة العباسي المتوكل على الله(٢٣٢-٢٤٧)-. فمن خلال جدلية السلطة السياسية/الدينية يرى طرابيشي بأن ((استتباع السلطة الدينية للسلطة السياسية في عهد المأمون والمعتصم والواثق أطلق شرارة إصلاح ديني قاده المعتزلة الذين قالوا بوجوب توافق العقل والنقل واستبعاد كل ما يتعارض من النص مع العقل، أو في أدنى الأحوال، إعادة تأويله. أما تسليم سلطة الدين لأهل الحديث في ظل الإنقلاب المتوكلي فقد وأد تلك المحاولة الإصلاحية وقطع الطريق أمام كل احتمال لتجددها))[٢]. وقد أخذ هذا الإنقلاب المتوكلي أبعاداً ثلاثة:

أولاً، ((إن المتوكل، بإغلاقه ملف خلق القرآن وبمنعه من الكلام فيه -ومن الكلام أصلاً- قد فتح الباب على مصراعيه أمام تسييد السنة)). من هنا فالملاحَظ أنه ((ابتداءً من عصر المتوكل، وعلى مدى العصور الوسطى وصولاً إلى عصر النهضة -ربما باستثناء الفاصل البويهي- سجلت الإشكالية القرآنية انكماشاً، بل انحساراً كبيراً، لصالح الإشكالية الحديثية)). بمعنى أنه حصل انزياح بالمركز من القرآن إلى الحديث.

ثانيا، ((إن الإنقلاب المتوكلي الذي تجلبب ببعدين طائفي وطوائفي معا، من خلال معاداة الشيعة من داخل الإسلام والنصارى من خارجه، قد أرسى جذوراً سوسيولوجية -فضلاً عن الإيديولوجية- غير قابلة للإجتثاث ولا للتجاوز لصيرورة التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث)). والمقصود هنا طبعا بالجذور السوسيولوجية [أي الإجتماعية] هو جذور الطائفية التي تزخر بها كتاب الحديث من خلال تحشيد كل طائفة أكبر عدد ممكن من الأحاديث التي تكفر بقية الطوائف وتخرجها من دائرة الإسلام.

ثالثا، ((إن انقلاب المتوكل على السياسة التي اختطها من قبله المأمون والمعتصم والواثق هو في حقيقته انقلاب في المرجعية والعلاقة بين السلطان والرعية في ما يتعلق بالسلطة الدينية))[٣].

أما الدور الذي قام به أحمد بن حنبل فهو أخطر بكثير من دور المتوكل، فطرابيشي يعتبره ((هو بحق المؤسس الثاني[بعد الشافعي] للسنة، وربما كقرآن قبل القرآن))[٤]. وهو أيضاً ((المسؤول الثاني بعد الشافعي عن التضخم المتسارع للمدونة الحديثية، بما في ذلك تضخم مسنده هو نفسه))[٥]. وهو أيضاً مرة أخرى ((مؤسس لمدرسة جديدة هي مدرسة الفكر الجماعي والإجماعي))[٦].

وقد تميزت مدرسة ابن حنبل هذه بعدة ميزات:

الأولى، أنها ((بدت أكثر “سنية”، أي أكثر تمسكاً من غيرها بالعقيدة القويمة، بحكم من أنها كانت في المقام الأول مدرسة حديث)).

الثانية، أنها ((مدرسة فقه وكلام معاً)).

الثالثة، وهي ميزة سوسيولوجية، فبينما كانت المدارس الفقهية الأخرى والمدارس الكلامية وقفاً على “الإختصاصيين” وعلى النخبة المثقفة. فإن الحنبلية كانت تستند ((إلى الجمهور العريض، أو إلى العامة… وعلى هذا النحو امتلكت طاقة تعبوية ما أتيحت لأية فرقة سنية أخرى)).

الرابعة، ((الطبيعة التبسيطية لجهازها العقائدي … وطابعه الشمولي … [الأمر الذي مكنها] لأن تضطلع في ذلك العصر بدور الأيديولوجيا التوتاليتارية))[٧].

وقد بلغ تسنين العقيدة القويمة ذروته في صياغة ما يعرف بـ”الإعتقاد القادري-القائمي”. (نسبة الى القادر بالله وابنه القائم بأمر الله). وقد تضمن هذا الإعتقاد، في أهم ما تضمنه، تكفير المعتزلة وإباحة دم القائلين بخلق القرآن[٨].

((إن تغييب القرآن وتغييب التعددية في الإيديولوجية المنتصرة هو المسؤول الأول عن أفول العقلانية العربية الإسلامية، وعما قاد إليه هذا الأفول من انغلاق ذهني وحضاري أنهى العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية ليدخلها في ليل الإنحطاط الطويل. … وما لم يُعَد تفتيح ما أغلقته الإيديولوجيا الحديثية من مسامِّ العقل، وفي مقدمته العقل الديني بما هو كذلك، فسيبقى الأمل في كسب … “رهان تجديد النهضة” معدوما، وستبقى الاحتمالات جميعها قائمة للارتداد نحو … “قرون وسطى جديدة))[٩]. أتساءل: وهل هناك ما هو أدل على حدوث هذا الإرتداد فعلا مما تعيشه بلداننا العربية الإسلامية اليوم من حروب فيما بينها وفي داخل كل واحدة منها؟!

المعجزة.

لا نستطيع أن نختم جولتنا في مشروع طرابيشي دون أن نشير إلى “المعجزة” الذي كان أفرد لها كتاباً بحياله. والتي تدخل أيضاً في صلب التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. فالنبي محمد(ص) وعلى عكس أخوته من الإنبياء السابقين عليه هو نبي بلا معجزة. فرغم مطالبات المشركين له بأن يأتيهم بمعجزة، وكذلك مطالبة الكتابيين من يهود ونصارى له بها، بل ورغم مطالبته هو نفسه (محمد ص) للمعجزة؛ فإن الجواب من الله كان دوماً هو الرفض لهذا الطلب مع تعليلات متنوعة لهذا الرفض. بينما اعتبر القرآن هو المعجزة بحد ذاته. وتحدى الكافرين به [بالقرآن] أن يأتوا بمثله أو حتى بآية مثله. ((فقد بقي القرآن على امتداد أربعة عشر قرناً هجرياً فريد نوعه، لا محاكي له ولا مضارع معترفاً به، وتم تكريسه بوصفه المعجزة الباقية على مدى الزمن لرسول ما أوتي معجزة غيره))[١٠]. ولكن، وكما رأينا كيف تم تحويل الرسول من مشرَّع له إلى مشَرِّع، تم تحويل النبي الذي بلا معجزة-إذا استثنينا الكلام عن كون القرآن معجزة- إلى نبي تعددت معجزاته حتى بلغت الثلاثة آلاف معجزة!

وقد اتخذت معجزات النبي في كتب الحديث مساراً تصاعدياً تضخمياً كما هو متوقع. ففي سيرة ابن هشام نجد عشر معجزات للنبي. وبعد قرنين من ابن هشام أصبح العدد أربعين لدى أبي الحسن الماوردي.

ومع البيهقي توسعت، ليس دائرة المعاجز فحسب بل ودائرة أصحابها كذلك. فهو لا يعزو المعجزات للنبي فقط ((بل إلى بعض صحابته، … [من قبيل] إضاءة أصابع بعض الصحابة أو إضاءة العصي بين أيديهم لتنير الطريق في ظلماء الليالي. … [وكذلك معجزات من] تكلم بعد الموت بدون أن يكون لبطل أشباه هذه المعجزات من سلاح آخر لتحدي قوانين الحياة والموت سوى “الصحبة”))[١١]. ثم تضاعف عدد المعجزات أضعافاً كثيرة ليصل إلى نحو من مئة وعشرين لدى القاضي عياض. والمثير أن بعض المعاجز لها هدف سياسي فج خصوصاً تلك التي تكون لمن يعودون للحياة بعد الموت، فهؤلاء، كما يعلق طرابيشي متهكماً، ((لا يتكلمون، عندما يتكلمون، إلا في السياسة))![١٢]. وكذلك الحال في باب نبوءات النبي. ((فما من نبوءة إلا وهي تتغيا الرفع أو الحط من شأن شخصية سياسية بعينها، أو التكريس الإيجابي أو السلبي لحدث سياسي بعينه))[١٣]. ثم يأتي بعد ذلك الحلبي ليقول أن النبي، على قول بعضهم، قد أعطي ثلاثة آلاف معجزة!

أما في الجانب الشيعي فإن معجزة النبي لا تظهر إلا ويظهر فيها الإمام علي، أو أحد أهل بيته. وقد تميزت هذه المعجزات بتضخم الخيال كبديل تعويضي عن انكماش الواقع. كما أن الطابع السياسي ((سواء ما اتصل بالمنافسة مع أبي بكر وعمر وعثمان أو بالصراع مع معاوية، يغلب على عدد من نحو الأربعين معجزة المنسوبة إلى علي))[١٤]. وإذا كانت المعاجز السنية لم تتجاوز دائرة النبي إلا بشكل محدود ونادر؛ فإن دائرة المعاجز الشيعية قد اتسعت لتشمل كل سلسلة الأئمة. ((فتحت وطأة الشعور باختلال دائم وغير قابل للتعديل في ميزان القوى، ما كان لمنطق آخر أن يصمد غير منطق المعجزة. فالمعجزة هي سلاح من سلاح له)) كما أن المعجزة بالنسبة للشيعة مثلت دافع للإستمرارية. فالإسلام الشيعي ((ما كان له أن يستمر لولا رهانه على المعجزة التي من شأنها أن تقلب ميزان القوى وأن تخترق الجدار الفولاذي لواقع غير قابل للإختراق)) كما أن ((الحاجة إلى التوظيف السياسي لمنطق المعجزة كانت أشد إلحاحاً بكثير في الإسلام الشيعي منها في الإسلام السني))[١٥].

في محاولته لتفسير ظاهرة تضخم المعجزة، يرى طرابيشي أن شعوب البلدان المفتوحة[ويجب الإلتفات إلى أن الفتوحات حدثت في وقت مبكر من الإسلام الأمر الذي يعني تمازج تلك الثقافات جميعها داخل دائرة الإسلام منذ البدايات] ما كان لها أن تقبل بنبي لا معجزة له سوى القرآن. والحال أن معجزة القرآن هي معجزة عقلية و((ما كان لها من فاعلية إقناعية إلا بالنسبة إلى أهل اللغة التي نزل بها القرآن،… والحال أن شعوب البلدان المفتوحة ما كان لها أن “تعقل”، لأنها كانت تجهل العربية جهلاً تاماً)). هذا عن حاجز اللغة بوجه المعجزة القرآنية، أما الحاجز الآخر فهو البنية الدينية السائدة من قبل في البلدان المفتوحة. فتلك الشعوب كان لها أنبياؤها، وكان لأنبيائهم معجزاتهم. ((من هنا تحديداً كان لابد أن تتقدم المعجزة النبوية في الوعي الديني السائد، ولدى شعوب أعجمية اللسان، على الواقعة القرآنية، لأن المعجزة لا تحتاج “قراءة”، على عكس الواقعة القرآنية. … فإن نصارى الشام والعراق ما كان لهم أن يستوعبوا، من خلال بنيتهم الذهنية بالذات، ديناً أو نبياً بلا معجزة)). ((وبمعنى من المعاني يمكن القول إن تلك الشعوب هي التي فرضت بنيتها الدينية القديمة على الدين الجديد، وليس الإسلام هو الذي فرض عليها بنيته الأولى القابلة للوصف بأنها رسالية))[١٦].

وعَود على الفرض الأساسي الذي كان وضعه طرابيشي فإن ((العقل لم يحظَ قط، وما كان له أن يحظى أصلاً، بنصاب المشرِّع … حتى لدى المعتزلة أو الفلاسفة الذين مثلوا السقف الأعلى للعقل في الإسلام. بل ما كان له أن يحظى بمثل ذلك النصاب في أي ثقافة متمحورة حول نص مقدس ونظام معرفي ذي طبيعة دينية))[١٧].

في الختام أود الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أن الكلام يدور حول الحضارة العربية الإسلامية، وليس العربية فقط. وإذا كانت الفتوحات قد انطلقت بعد سنتين فقط من وفاة النبي(ص)، أي في وقت لم يتم فيه أي نتاج “فكري” يستمد منبعه من الإسلام، ما يعني أن العقيدة الإسلامية لم تتبلور بعد سوى في خطوطها العامة التي اختطها القرآن، ولن تتبلور إلا بعد أكثر من قرن أي بعد أن تتم معظم الفتوحات ويدخل الناس أفواجاً. فالحضارة الإسلامية كانت عربية في لغتها متعددة الثقافات والأعراق في داخلها. وهذا التنوع كان له أثر إيجابي رائع في إغنائها، على الرغم مما وقفنا عنده مع طرابيشي من آثار سلبية قد لا نتفق معه تماما في تعليلها. فالحضارة العربية الإسلامية لم تقم -خصوصاً في غناها الأدبي والفني والفلسفي- على أكتاف العرب فقط حتى يكون سقوطها بسبب ثقافات دخيلة. فهي قد قامت وهي متعددة الثقافات. لذا أجد نفسي أميل إلى الفرض الأساسي الذي وضعه طرابيشي حول استعباد العقل للنص في الحضارة ذات المركزية الكتابية. مع تظافر العوامل الداخلية والخارجية في توسيع أو تضييق الدائرة الحضارية.

[١]. جورج طرابيشي: مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، دار الساقي، الطبعة الأولى ١٩٩٨، ص٨٢.

[٢]. جورج طرابيشي: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث النشأة المستأنفة، دار الساقي بالإشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى ٢٠١٠، ص٤٩٣.

[٣]. نفسه، ص٤٩١-٤٩٢.

[٤]. نفسه، ص٥٠١.

[٥]. نفسه، ص٥٣٧.

[٦]. مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، ص٨٣.

[٧]. نفسه، ص٨٦-٨٧.

[٨]. نفسه، ص٩٥.

[٩]. نفسه، ص٦٣١.

[١٠]. جورج طرابيشي: المعجزة أو سبات العقل في الإسلام، دار الساقي بالإشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى ٢٠٠٨، ص٢٩.

[١١]. نفسه، ص٤٢-٤٣.

[١٢]. نفسه، هامش٢١، ص٥١.

[١٣]. نفسه، ص٦٨.

[١٤]. نفسه، ص٩٨.

[١٥]. نفسه، ص١٠٨-١٠٩.

[١٦]. نفسه، ص١٦٦-١٦٩.

[١٧]. من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث النشأة المستأنفة، ص٢٩١ 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “العقل العربي الإسلامي: هل استقال أم تمت إقالته؟!(٣).”

  1. اعجبتني تلك الدراسه وارى ان عودة العقل العربي الاسلامي لوعيه بذاته وللابداع تتطلب من بين امور عديده تقديم المعقول على المنقول فيما يتعلق بالارث الديني ، بمعنى ان النص قرآنا كان ام حديثا يجب ان يخضع للعقل لا العكس، وبذلك لا بد ان يكون هناك جيل جديد من الفلاسفه الاسلاميين والمفكرين مهمتهم عقلنة الموروث الديني واعادة انتاجه وتقديمه للامه بطريقه تحترم العقل البشري ، بذلك يصبح للدين معنى في حياة الفرد والامه ، بل سيمثل ذلك عودة الروح لتلك الامه، طبعا عودة العقل العربي الاسلامي تتطلب امورا اخرى كثيره قد تكون بعيده عن الدين والتدين وقد تكون على صلة بهما، من اهمها ادراك الذات، وادراك الذات يقوم بشكل كبير على الموروث التاريخي والديني والعلمي والثقافي والادبي والفني ، لكن ايضا يتطلب اعادة تعريف الهويه وعلاقتها مع التراث والعصر والارض والدين ودور الانسان والتحديات التي ستواجه الانسان قريبا، فاي تعريف للهويه يبتعد عن هموم الانسان في كل مكان وعن علاقة الانسان بالعصر الذي يعيش فيه سيكون مآله الفشل.

    جزيل الشكر على اطلاعنا على هذه الدراسه

    اسمه محمد زامل
    شاعر فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق