قراءات ودراسات

دلالة الزمن في قصيدة ( لأجلكَ رقرقتُ خاطري ) للشاعرة باسمة المشهداني .

د. رحيم الغرباوي

الشاعر ذلك المترجم للأحاسيس الباذخة الصور , المستجيرة بمعاني الكون , من رفرفة طيور , وهسيس شجر , ولمع برق ؛ ليكلل شعوره ترجمةً من تشاكل الصور ؛ ويسدل من كلماته على متلقيه أناقةَ المظهر التي تعبِّر عمَّا يستشعره نحو الكون والوجود.
والشاعر هو ذلك الذي يخرج من فرديته ويدخل عالم الواقع , بعدما يطيح بأسراره ؛ ليعلنها على الملأ ، ذلك هو الشعر يحقق وجوده إذا ما أباح بحقيقته الماكثة في الشعور , والتي يبحث عن لألائها غير الشاعر , فيطرب لها ؛ لأنه تلمسها من طريق مكتشفها ( الشاعر ) , وكلنا يحبُّ الحقيقة ؛ لكن ليس جميعنا يصرِّح بها , وقد لايصرح الشاعر بل يرمز ويتخفى لكنه مستعملاً رموزه التي تومئ إلى مشاعره وأفكاره , وهي تدهمه بين الحين والآخر طالبة منه التصريح أو التلميح بها , فهو الشعور الإنساني الذي يختلج صاحبه ؛ مما يجعله في كثير من الأحيان أن يرسل صوراً تراسلية ” شعرية تستمد طاقة الدهشة والإمتاع من غرائبية الاستعارة التي تعتمدها في آليتها الفنية ” (1) فيتلقاها السمع والذوق والبصر
لما فيها من تعبيرات تحقق لدى المتلقي مثلما حققت لمنتجها ، حين يكتشف ويرسم .
وباسمة المشهداني من طرازٍ من يتلمس المشاعر ؛ لينتج صوراً حسية بالصوت والصورة ؛ لتعبر عن دواخلها الشعورية بأبسط العبارات , وأدقها تعبيراً , فهي تقول :
يسرقني ذلك السامري
عازف الناي
يأخذني بشوق الحنين
أغمض عينيَّ ؛ لأستفيق بعالم الخيال.
أفردُ أشرعتي للنسيم
أطلقُ العنان لتلك الخافقات
مؤذنةً لها بإشراقة فجر جديد

إذ نراها تعزف سمفونية العشق مستوحيةً السامري الذي غوى الناس بتمثاله الذي صنعه بيديه ؛ ليغويهم إليه بدلاً من إله موسى , فالشاعرة حاولت أن ترتكز على هذا الرمز ؛ لتومئ إلى الفتنة التي سحرتها ؛ وهي تعيش عالماً خياليا وارف الظلال من فعل الناي الذي يمثل بعزفه العذوبة والجمال والرقي , ولعلَّ إشراقة الفجر الجديد , هي عبارة تشير إلى منعطف جديد في حياتها ؛ تلبيةً لنداء السامري الذي اختطفها بعزفه . فهي تطلق العنان للأشرعة الخافقات ؛ كي تقطع مديات الزمن الذي به يتحقق حلمها في الخلاص من نقطة الصفر ( الماضي ) الذي تستشعره جموداً واستكانة , طامحةً إلى حياة أرفه وأرقى .
ولما كان الفن بطبيعته كياناً مفتوحاً يحمل المعاني والأحاسيس ( 2) فهو قريب للناس , ووسيلة التواصل والاتصال بهم فكلاهما طرف في عملية التذوق ؛ لذا نجد شاعرتنا تسعى إلى تحقيق هذا الهدف المهم للشعر , لتمنح متلقيها أملاً منشودا طالما في الحياة محطات قابلة للاستبدال بفعل الزمن , فنراها تقول :
كلِّمي السحب ,
المسي السماء بأناملك
اخبريها بروعة خلجانك
استبيحي الخيال ,
اقتلي الحزن ,
عانقي الزمان ,
افردي الحلم أكثر ,
اكتنزي من سعادة السماء بهطول المطر
باجنحة رفرفت للزمن
واغتنتْ من نسيم السمرْ

فنراها تجعل في قصيدتها شخصيتين تتحاوران ( هي – الآخر ) , وهذا لون فني يجعل من مخيلة المتلقي تغور في آفاق الحديث على الرغم من بساطته ، إلا أنَّه يضفي جمالاً لذائقة المتلقي , فنرى دعوة المنادي لها : أن تُكلِّم السحب ، أليس للسحب أصوات تبشِّر بالنعيم العميم , أما ملامسة السماء , هي أيضاً تستشعر انفتاح النفس إلى عالم واسعٍ يزخر بالأشياء التي تروق للنظر , كذلك نجدها قد أنْسَنتْ الأشياء ؛ لتخبرها بروعة خلجانها , والخلجان هي ما تستمد قوَّتها من السماء بفعل المطر , وإنَّ الرابط بين لمس السماء ونزول المطر مسلمات رغبة البشر في التصالح مع السماء تلك الراعية والمتحابة مع الجميع , وهي من تمثِّل البشارة , وقد كان الإنسان القديم من يهتم بشؤون السماء والنجوم ؛ لما فيها من آفاق تمنح الحياة نعيمها وسر خلودها .
ولعلَّ الزمان لدى الشاعرة المشهداني ليس لدى غيرها من شعراء النزعة السوداوية ، إذ نراها تعانقه , لاتجافيه ؛ لأنَّه يمثل وسيلة التغيير في حياتها , كما هي السماء الذي يهطل المطر؛ لانبعاث الحياة من جديد ؛ وكما الليل الذي يعقبه النهار ؛ كونهما من صنع السماء , فالزمان لدى الشاعرة , هو الآخر يمثل لها انبعاث الحياة إلى ما هو أجمل وأنقى , وعلى رأي أوغسطين : إنَّ الزمان يمثل ” الحاضرة باعتبارها جوهر الوجود وعلى الذهنية باعتبارها مركز إيصال الماضي بالمستقبل عبر جسر الحاضر , وإنَّ الذات الإنسانية تُسقط على الزمن عوالمها , وهذا ما يؤكد أنَّ الوعي بالزمن ينتسب إلى المستوى الداخلي للوجود ” ( 3) ؛ لذا نجد شاعرتنا متفائلة بالمستقبل بوصفه يحقق لها ما يمكن أنْ تراه بما يبرق في مخيلتها , وهي تجعل من حلمها المتفرد الاكتناز بسعادة السماء وهي تهدي المطر لمن يحتاجه , ولعل الزمن يمثل لديها معبراً وقتياً ؛ لتحقيق سعادتها طالما تؤمن بالمتغيرات منتظرة منه نسيم السمر , ذلك الذي يجسد سلوة الأمل , وانبعاث الحياة .

(1) تراسل الحواس , د. أمجد حميد عبد الله : 93
(2) ينظر التذوق الفني , د. حمدي خميس : 7
(3) الزمن في شعر العراقي المعاصر , د. سلام الأوسي : 24

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق