ثقافة السرد

أرض الله الفاسدة..

توفيق بوشري

تلك المرأة فاسدة.. طبعا فاسدة، همست لنفسي بعد حسم الشيخ الوقور. لا يمكن أن يكذب.. لقد تبت على يديه مرات كثيرة. بعد محاصراته ومحاضراته.. كلما جلست أشاهد التلفاز، ضغطت زر قناته، إلا ابتسم في وجهي.. أخي الحبيب، أحبك في الله. كنت أفرح. هذا الرجل الولي العظيم، يحبني أنا؟ أنا الفاسق، الفاجر، عديم الأخلاق.. الذي ينام عن صلاة الفجر، بل يجمع الصلوات وأكثر.. أتركها لأيام! بدعوى الجنابة والقر. هذه أعذار واهية.. قال لي، انظر إلى ساداتنا.. لقد خبروا وواجهوا ما لا نتصور من الأهوال.. مع ذلك لم يهنوا. أولئك يا شيخنا رجال عظام. أما نحن فكائنات ضعيفة وبعيدة عن ذلك الزمن! طبعا كنت أقول هذا دون النبس بكلمة. لا أجرؤ على مواجهته بما قد يغضبه. يباغتني: أنت.. نعم أنت.. ارجع إلى فطرتك! أتنبه، أخال أنه قد سمع نجواي المتخاذلة! هل يعقل؟.. إنه ولي من أولياء الله. أحملق ببصري في سقف الحجرة، كأني أبحث عن الثقب الذي من الممكن أن يراني منه ويسمع أفكاري. أتبسم.. أعود إلى المتابعة وأنا أدعو بالهداية في أمنية طويلة النفس مادّا ياء الرجاء: يااااااااااااااااااااااااااااااااا.. رب. لا تسوف! يستأنف الموعظة، فكم من عاص أخر توبته فقضى دونها! هل تريد أن تلقى عاقبته؟ يكاد ينط قلبي من مكانه هلعا، تتجلى جهنم مستعرة تفتح فما شرها كهوة حجمها ما بين السماء والأرض قاب قوسين أو أدنى من مجلسي، تريد ابتلاعي والانتقام مني، من ذنوبي التي صارت بحيرة لم أعد أعرف حدودها.. يمتد الرعب إلى كافة أحشائي، يسري فيّ وجع يقطع أوصالي.. أتلمس آلة التحكم عن بعد وأنا أرتجف، أهم أبدل القناة. لا تغير القناة! يصرخ. أسكن في مكاني. أترك الآلة.. هل تريد الجنة؟ أهز رأسي بشدة، ببلادة وطمع..

أحشرج.. من لا يريدها؟؟ حاسب نفسك.. عد إلى ربك.. واجتهد في الدعاء.. السلام عليكم ورحمة الله. أرد عليه التحية، كما علمني مرات بأحسن منها: وعليكم السلام ورحمة الله، أزيد، تعالى وبركاته.. أتساءل هل يجوز أن أجتهد أكثر من هذا؟ قال مرة: كل بدعة ضلالة.. أنا لا أريد أن أبدأ حياتي الحقيقية إثر كل توبة ببدعة تصير ضلالة! خاصة أن الضلالة في النار! وأنا صاحبها.. فلا شك سأرافقها.. أعوذ بالله..

نهضت أنتوي التوجه إلى الحمام لكي أغتسل وأجدد نيتي.. ثم أصلي ركعتين توبة، استغفارا وطلبا لمولد جديد نقي بعيدا عن جبال الذنوب التي تثقل كاهلي.. والبحيرة التي تغرقني في أوحالها.. نظرت إلى الساعة، مازال أمامي وقت كاف.. تراجعت.. أسندت ظهري إلى مسند المصطبة.. قلت أقلب القنوات.. أشاهد جديد الأخبار، ثم أقوم إلى توبتي! بكبسة زر انتقلت إلى التالية، إنهم يتحدثون عن المرأة الفاسدة.. سبقني الشيخ إلى الخبر إذن! لقد ضبطوها شبه عارية، لا ترتدي غير عباءة على تبان من نوع “سترينغ”.. تلك الخيوط المغرية التي لن تكون سوى بدعة! كما زعموا أنها لم تكن تضع حمالة صدر.. لقد صدق الشيخ.. هل هذه حال من خرجت لتتظاهر؟؟ هذا عهر وزنى.. نعم.. ربما خرجت من بيت رذيلة ففوجئت بالمظاهرات والشرطة.. اعتقدوها متظاهرة! فانهالوا عليها بهراواتهم الغليظة الطويلة معتقدين أنهم يطهرونها من أفكار الفتنة والثورة.. لكن سرعان ما انكشف عنها ثوبها، فظهر المستور.. انبرت عورتها مبصرة! لم يتوقفوا عن تحطيم جسدها.. في المرة الثانية جددوا النية ليطهروها من الفسق والفجور! تلك المرأة فاسدة.. لقد ماتت.. ستدخل جهنم دونما شك.. هذا مصير الفاسدين.. كما يحسم الشيخ دائما! المتظاهرون ذوو مبادئ.. ولا يخرجون إلى الشوارع والميادين هكذا.. لقد حسم الجميع.. رغم تعدد الروايات، السترينغ لا يدع مجالا للتردد. ثم إن غياب حمالة الصدر لن يجعلنا نرتاب في أن هذه العاهرة ستكون حمالة حطب يوم الدين! قمت غاضبا، أعضد اللاعنين. أحوقل، ناويا التطهر والتوبة حتى لا ألقى مصير المستهترين بما يرغبنا فيه الشيخ.

وطأت الحمام بيسراي. اغتسلت جيدا. مررت صابونا ممتازا برائحة حفزت في ذاكرتي طيب جنة الشيخ، على جسدي الآثم كله. عاودت الكرة مرات. توضأت. تلحفت رداء الاستحمام.. خرجت بيمناي أتشهد، أتهيأ للركعتين.. لعنت الفاسدة مجددا وأنا أتعوذ من شر “السترينغ” خاصة أني لم أكن أرتدي شيئا بعد تحت رداء الحمام..

كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق