ثقافة السرد

بوح في زمن الحرب

وفاء حمود

انتفضت صباح لذكرى عبرت خيالها، في زمن ا لتدمير والانقلاب على ثوابت الانسانية، تابعت صباح عملها، لبيع منتجات غذائية تصنعها بكل حرفية داخل بيتها، بعد أكتسابها شهرة بين زبائنها، تعين فيها أباها على شظف العيش، برضاً وإيمان أن العمل إذا لم يخلص من الفقر فهو يستر، عليه في مدينتها أصبح الهروب خارجها متعارفاً عليه، فقد تسرب أخوها الكبيرمن المنزل وحط الرحال في تركيا مع زوجته وأطفاله، والآخر ذهب للخدمة الإلزامية، تجول بنظرها فترى أمها شبه المقعدة وأبوها المتقاعد الذي يلهث وراء زيادة الدخل بأي عمل أحيانا يفلح وأخرى يعود منكسراً، ومع ذلك يحمد الله على نعمه .
تذكرت صباح أنها شارفت على الأربعين من عمرها،أمعنت النظر في مرآتها بلا مبالاة، فرأت قامتها ممتلئة وقصيرة، وتأملت وجهها تطل منه بعينين صغيرتين، وفيه أنف عريض، وخاطبت نفسها قائلةً (أصبحت مثل قطرميز مصر لاقامة ولا خصر)وأشرق وجهها بمعجزة خاصة بها، لها سحر جذب القلوب قبل العيون، بواستطتها، تغلغل عبرها لأرواح كل من عرفها بدون استئذان،ماذا أفعل بهذه الأسئلة التي تضرب رأسي بعنف؟ دفعت ثمن غدر الدنيا والبشر بي، فقد أبت الملائكة أن تلحوسني كما تقول لي أمي، فلست إلا صورة لاتعجبهم، وماعليّ إلا التنكر لرغباتي، وحقي بحياة عادية، وإذا أشفقوا عليّ، يقترحون الزواج من سكيروفيه ألف علة،أوالزواج على ضرة، وفي أحسن الأحوال الزواج من مطلق للأوربي أطفاله، قبلت بالاقتراح الأخير، لكن منذ أن اجتمعت به وبأطفاله، تحرك الشوق القديم عند مطلقته، وفعلت الوساطات فعلتها، كما يقال: القديمة تحلى ولو كانت وحلة.
أحلامها حجمّها معول القدر، لكن قلبها بقي بستان ورد فيه أشجار حب وحنان، تشع به على من حولها طمأنينةً وسلاماً، تبتلع آلامها بتجلد عجيب.
مرآتها سحبتهالأجمل أيامها، وأكثرها مرارة،وعادت بها لربيع عمرها، حيث الأحلام تتقافز وكل ماحولها قابل للإحتمال، و فقت للعمل عند طبيب بواسطة إحدى فاعلات الخير، سحرها بلباقته وتعامله الرقيق ، بدأت نضبات قلبها تعزف لحنا عذباً كلما رأته، وصارت تتمنى منحه كنوزها وصدق نبضها بلاحساب، تحدثه عن ذلك بعينيها، فيلتقط نظراتها ويبادلها بأحسن منها، وذات اشراقة صباح لها، حدث ماتمنت كالعادة جاءت له بفنجان قهوته، فأمسك بكلتا يديه يدها شاكراً، غابت ساعتها لعالم أزهر ربيعاً، جعلها أخف من الريشة، تكاد نطيربهجة وفراحاً، نادهابصوته العذب صباح …فانبعثت ألقاً وفرحاً، وهامت في دنيا الأمل، استعادت بعضا من وعيها، لتصغي اليه يقول: مارأيك أن تأتي لمنزلي فنقضي أجمل الأوقات اليوم؟ سحبت يدها من يديه وكادت تقول أنا خادمة لك وتحت أمرك، الاأن جرس الهاتف جعلها تسرع لمكتبها فترد على المتصل الذي يريد تحديد موعد للمعاينة عند الطبيب وبدأ المرضى يتوافدون الى العيادة قررت أن تقول له شيئًاً لكنه قال لها دعي الجواب لبعد انتهاء العمل، مرت ساعات الدوام وهي بين ذهول ويقظة، تبتسم رغماً عنها، تعلو فوق السحاب وفوق الاشياء والمظاهر، تقول لنفسها فعلا حدسي بأنه يحبني بمحله، هناك مخلوقات تعيش بصدق نبضها صحيح هم قلة لكن إنه واحداً منهم، يريد تشكيل أسرة يعبق الحب والاحترام بها،إنه محترم ومهذب لم يتصرف إلا بمايملي عليه مركزه وسمعته، فجأة سقط من جميل الانسان فيهاوارتطمت بالارض الصلبة، فتتذكرت ماكان يتناهى لمسامعها من بعضهم ( الله يعينها مين بدو يطلع فيها) كانت تسخر من كلامهم لانها تعرف أن الله أكرمها بوجودها على قيد الحياة، لتمارس شغف العيش رغم صعوبته، بدأت الظنون تلعب بمخيلتها فهي تكنز له حبا جامحاً يحرق قلبها لهفة، وبين احساس غامض بعدم الارتياح لعرضه، فكلمة الحب عندها مقدسة ولاتريد ترخيصها بعلاقة عابرة!!!قضت ساعات نهارها مشعثة الافكار، تأرجحها ظنونها، الى أن انتهىت اوقات الدوام وكان لابد من قرارها، دخلت عليه باستحياء واجابته قبل سؤاله كم انتظرت لقاءك وحلمت فيه لكن أمهلني للغد حتى أرتب أموري لم تكمل كلامها لترى أمامها شخصا غريباً شيطاني النظرات يطفح لؤماً وخسة قائلا لها: من تعتقدين نفسك؟ الجميلات ينتظرن إشارة مني ألا تنظرين لنفسك في المرآة ؟ اشكري ربك أني تنازلت وعرضت عليك ماعرضت اذهبي الى الجحيم لاأريدك هنا أبداً
فتحت صباح فمها غير مصدقة، وزاغ بصرها، سمعت أصوات تتكسربين أضلاعها، هل حدث زلزال حتى مادت الارض تحت أقدامها؟ اندفعت رغما عنها شلالات وجع اخترقت كيانها ودموعاً كوت وجنتيها وقلبها، وانسحبت خارج العيادة لينبت داخلها سم حقد لم تعهده من قبل.
كفكفت دموعها، وعاودت الابتسام بمرارة، وتذكرت،وقالت في سرها: ياه على تلك الأيام، لقد تجاوزتني الأفراح، وظل جرح حبه يستل مني رغبتي بعيش عادي أشكل عالمي الصغير يحيطه الأمن والاستقرار، أي مصير زجني به بدون رحمة! لايعلم مااقترفت يداه من قهر وخذلان.
تابعت عملها في صنع المواد الغذائية بجد وهي تعزي حرمانها بأن الحرب أبقت على سقف تأوي اليه مع الطيبين من أهلها،سمعت صوت أمها الواهن تنادي عليها، تركت مابيدها، وهرولت بكل لهفة، أمسكت يدها خطت خطوتين معها، وانشق صمت المكان عن صوت مدوّ، اهتز البيت له وعلا غبار أبيض المكان، تناثرت شظايا البشر والأشياء فيه، وساد صمت موت يزرع الفضاءقسوةً وبؤساً.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق