ثقافة السرد

“عذبة”.. رواية المأساة الفلسطينية – الجزء 17

صبحي فحماوي

شعر والدي بالمحنة، وبطريقته الخاصة، عرف أن الأراضي المجاورة للمعسكر ليس لها أصحاب، كانت أراض حكومية، فخرج ووضع حدوداً على منطقة ، حجر هنا، وحجر هناك، وهناك وهناك، إلى أن حدّدَ أرضاً تغطي مساحتها واجهتي جبلين، وبينهما وادٍ غير سحيق. وبسرعة استأجر عمالاً زراعيين من المعسكر، فأخذوا يعملون من شروق الشمس حتى مغيبها، بأجرة يومية مقدارها خمسة قروش للعامل الواحد. كنت أتعلم العدَّ يومها، عددت ستة وثلاثين عاملاً ينكشون الأرض، ويزرعونها بالقمح.
أصبح لدينا إنتاج، وأصبحت قوافل الجمال تأتي إلى بيادرنا، فتحمل التبن مباعاً إلى أصحاب الأغنام والمواشي، وصانعي سروج الدواب، ومساند الجلسات الشعبية، وقافلة جِمال تحمل الحبوب. وأما الفائض من القمح، فكان ينزل في خوابينا التي كانت أمي تصنعها من الطين الأبيض الكلسي، تمزجه بيديها المطينتين بالتبن، على شكل خزانة مفتوحة من أعلى، يسكب فيها العمال محتوى الأكياس، ولها من أسفل أربعة أقدام، وفوق القاعدة ثقب مرتفع عن الأرض، تغلقه أمي بقطعة قماش، ثم تفتحه وقت الحاجة. وفي يوم من الأيام، توقف العمال عن العمل، على شكل سطر واحد! وصاح أبو علي – متزعم المجموعة – صارخاًً باتجاه أبو عنان، بأعلى صوته، للتعويض عن قصر طوله، وضآلة حجمه:”يا أبو عنان! نحن نطالب بزيادة أجورنا، من خمسة إلى سبعة قروش”.
فكر أبي؛ ماذا يفعل بهذا المتزعم الجديد – أبو علي – الذي كان قد خلق له شغلاً من العدم، وها هو الآن يتزعم الإضراب عن العمل! ولكنه لم يُبدِ تأثراً بالمطالبة، بل بقي جالساً على قمة الجبل، ويده تسند ذقنه، وقال لهم ببرود: ” اعملوا، وبعد ذلك، أفكر لكم بالزيادة، أو النقصان “! وعندما سمع أبو علي كلمة “نقصان”، صاح بأعلى صوته مرة أخرى، ليثير جمع العمال قائلاً: ” يا عمال، إضراااااااااااب “! وأشار لهم بيده اليمنى، حيث كانت اليسرى تقبض على عصا الفأس المثبت فوق ظهره. فاستجاب العمال، ورفعوا فؤوسهم فوق ظهورهم، ونزلوا من أعلى الجبل إلى قاع الوادي! ولكنهم ذهلوا من كون أبو عنان لم يتزحزح من مكانه!
وعندما لم يجدوا أي تجاوب من رب العمل، توقفوا عن العودة إلى بيوتهم، حيث لن يجدوا قوت عيالهم، فأداروا رؤوسهم ثانية إلى قمة الجبل، حيث يربض أبو عنان مثل “كينج كونغ” في أفلام هوليوود! وبعد أن يئسوا، تحولت نظراتهم من السخط والحقد، إلى نظرات الاستسلام فالاستعطاف، ثم بدأ أول عامل منهم العودة إلى الجبل، للعمل بالقروش الخمسة، فالسوق ميت، ولا توجد أعمال بديلة في المنطقة. وهكذا عاد الثاني والثالث، فالخامس والثلاثون، فلم يمانع أبو عنان عودتهم، ولكنه عندما عاد آخرهم، السادس والثلاثون، طلب أبي منه أن يخرج من الأرض مطروداً من العمل. وهكذا فعل أبو علي، حمل فأسه على كتفه، ورحل صامتاً، تتفاعل داخل نفسه صنوف من العزّة والكبرياء، والجوع والمرارة والألم، الذي أعاد إلى نفسه مرارة الهجرة القسرية عن وطنه، فآلام قِلّة العمل، والتحديات أمام صاحب العمل، تعيد إليه! عاد إلى بيته، وهو يستعيد أيام الخروج من الجنة!
وفي اليوم التالي، قال أبي للعمال وهم يكدحون في عِزِّ شمس الظهيرة:” قررت زيادة أجوركم، لتصبح ستة قروش بدل خمسة. تعرفون أنني أخلق لكم فرص عمل من لا شيء. فنحن لاجئون، ولا نملك شروى نقير، ولولا أنني حفظت هذه الليرات في صُرّة سحرية، وهرّبتها معي من البلاد، لما كنت قادراً على الإنفاق عليكم، حتى هذه القروش الخمسة، أو الستة التي لا تعجبكم! فلنرض بالطائر المقصوص الجناحين، حتى يأتينا الطيار.”
ارتاح العمال لتلك الزيادة، وواصلوا العمل راضين بقضاء الله وقدره، وقضاء الحاجة، وفقر الحال، وقال أحدهم: ” ولا الضالين آمين يا ابو عنان”! وقال آخر:” خلف الله عليك يا أبو عنان”! وقال ثالث: ” الله يعطيك العافية والصحة يا أبو عنان “. وعندها تقدم العامل أبو نمر؛ الذي يسكن قريباً من بيتنا، بصفته جاراً، وقال له: “ما دمت كريما معنا يا أبو عنان، فنحن لنا طلب عندك، ونعتبره كرماً منك”! فردّ أبو عنان مبتسماً هذه المرّة، وهو الذي لا يبتسم وجهه للرغيف الساخن:” أؤمر يا أبو نمر”. فتفاءل أبو نمر وهو يشاهد ابتسامة أبو عنان لأول مرّة، وقال :” أبو علي يا أبو عنان. أولاده ليس عندهم قوت يومهم! فقال أبو عنان: ” فليرجع إلى العمل، ولكن لا نريد قبضايات، وقادة أحزاب في الشغل!” وفي اليوم التالي عاد قائد الإضراب إلى عمله. وفي تلك الليلة، أرسل والدي كيس قمح إلى بيت أبو علي قائلا:” هذا والله للأولاد، وليس لك يا أبو علي، يا (مشكلجي)”! فقال أبو علي:” أي هو كاسر رقابنا غير الأولاد يا أبو عنان! بارك الله فيك.” وبعدها لم يقُد أبو علي أي إضراب للعمال، ولكن الأجور ارتفعت بشكل طبيعي، من خمسة إلى ستة إلى سبعة، فوصلت إلى خمسة وثلاثين قرشاً، حيث تحرك سوق العمل، وأخذ الناس يدبرون أمورهم .
وفي إحدى الأمسيات يا حبيبتي.. ستضحكين كثيراً على هذه الحكاية: قررت الوكالة الترفيه عن اللاجئين، وتثقيفهم، فأعلنوا عرض فيلم سينمائي في قاع المعسكر، واحتشد الناس في الساحة الواسعة التي تتوسط بين مكتب مدير المعسكر، ومكتب مدير الشرطة، وبين العيادة والمستشفى، والتي يتم فيها توزيع مؤن وأغذية الوكالة شهرياً، حيث تجمّع عند المساء عدد غفير من الرجال والنساء، والصبية والبنات قعوداً على الأرض، وبعضهم أحضر حصيرة صغيرة، أو قطعة قماش ليجلس عليها ، تجمعوا ليشاهدوا الفيلم . كان اسم الفيلم “طاقية الإخفاء” لا أذكر تفاصيل ذلك الفيلم، ولا المخرج ولا المنتج، ولا حتى أسماء الممثلين، كل ما لفت نظري كطفل يومها، كيف يضع الممثل طاقية الإخفاء على رأسه فيختفي، ويعمل وهو مختف، حركات تدهش الناس الذين لا يشاهدونه! تصوري أن أحداً يرفع صحنًا من أمامك وأنت تأكلين ،دون أن تشاهدي رافع الصحن، أو يرفع الغطاء عن رأسك وأنت نائمة! هكذا كان يفعل واضع طاقية الإخفاء على رأسه، وتستمر الشخصية الخفية، في بداية الخمسينات من القرن العشرين، إلى أن سقطت الطاقية عن رأسه، فكشفه أهل البيت، فأشبعوه ضربا!
أعلنوا إنهم سيعرضون فيلماً كل شهر، وفي الشهر الثاني جاء الفنيِّون ومعهم أجهزتهم التي لم أفهم منها شيئاً، فثبتوا قطعة قماش بيضاء كبيرة على الحائط، لتكون هي شاشة الفيلم، وأطفىء نور سيارة كان يُشع، لمساعدة الفنيين على تجهيز عرض الفيلم، فساد الظلام الطبيعي، حيث لم تكن هناك إنارة كهرباء في المعسكر، وبين اكتظاظ مشاهدي الفيلم؛ الجالسين على الأرض، على شكل صفوف متراصة، وهذا يمر من بين الجلوس، فيدوس على قدم أحدهم، أو يرتطم في العتمة بمؤخرة إحداهن، والكل يتابع أحداث الفيلم. كانت فكرة السينما مدهشة. تقنية جديدة بالنسبة لنا، وفي الظلام الدامس، صرخت امرأة من المشاهدات قائلة: “أيّ! يا ابن الكلب”! فهم المشاهدون أن أحد الشباب قد ضايق امرأة، أو قرصها، أو تدخل في شؤونها الداخلية تحت جنح الظلام! فوقف عدد من الرجال، وطالبوا عارضي الفيلم بالتوقف عن العرض، وحصل هَرَج ومَرَج، وفوضى وتهديدات، وقامت النساء وهن يثرثرن بكلام غير مفهوم، وخرج الرجال، وسحب الكبار نساءهم وصغارهم معهم، وعادوا إلى بيوتهم، وهكذا أسدل الستار على برنامج الأفلام، ولم يعد بعدها شيء اسمه فيلم الشهر، ولا ما يحزنون . كانوا يحاولون أن يوفروا لنا بعض الخدمات، والحاجات التي لم نكن نعرفها، أو نتعامل معها في فلسطين. قلت لنفسي:” لماذا تطعمنا وترفِّهنا وكالة الغوث، مادام جماعتها هم الذين خططوا لنسفنا وتدميرنا وتهجيرنا من وطننا، وإسكان أُناس آخرين مكاننا”؟ ففهمت أنهم يريدون خلق روح التأقلم فينا، أو التطبيع مع حياة الهجرة، وعدم الحاجة للوطن، والاعتماد على مصدر آخر للحياة، غير مصدر الوطن؛ أغذية وتعليم وخيام الوكالة، فالوكالة أصبحت أمّنا وأبانا، والخيام هي الوطن البديل لفلسطين.
استطاع أبو حمد الحلاق يا عذبة، أن يحقق سبقا تكنولوجيا في معسكر أنصار13، حيث أحضر أول “صندوق غُنا” في المعسكر، وكان صوته يلعلع في السوق التجاري المكون من أربعة دكاكين ونصف الدكان آنذاك، الأولى بقالة أبو راشد، الذي يبيع الأدوات المنزلية، وكنا نسميه؛ دكان ” الأصلي”، لأنه كان يعمل دعاية لكل سلعة يبيعها فيقول:”هذا القلم أصلي، أو هذه شفرة حلاقة أصلية، أو هذا موس كبّاس أصلي” وكان أبو راشد الأصلي في الأربعينات من العمر، تزوره ابنة جيرانهم سلوى، بحجة شراء أغراض للبيت، وتطيل الوقوف عنده، وتكثر الكلام معه، وتتدلع في حضرته، بعينيها الواسعتين، وخديها الممتلئتين، وابتسامتها المائعة، وحركاتها المتصنعة، وهي في العشرينات من عمرها، فيعطيها لباناً مجاناً، ويقول لها: “هذا لبان أصلي”. وتناقل الناس حديثا لا أعرف مدى صحته، فقالو إن أبو راشد الأصلي يحب سلوى، ويريد أن يتزوجها على زوجته أم راشد، ولكننا شاهدنا دخاناً من غير نار !
وفي العصاري، كان دكان أبو حمد الحلاق يجمع بداخله وخارجه عدداً من طلاب المدارس، ونادراً ما كان يزوره رجل من كبار السن، وذلك لذبولهم وانضوائهم تحت ظل خيامهم، يلوكون ويجترون أحزانهم صامتين، ويخزِّنون مآسيهم تخزيناً يختلف عن “التخزين اليمني”! ويفكرون بخلق فرص عمل، تكون مصدر رزق لعائلاتهم، ومصدر انشغال، ينسيهم عذابات الوطن والنكبة، فلا يجدونها.. فهذا يفكر بقوت عياله الشحيح، والآخر يفكر بضياع وطن هكذا مثل “فص ملح وذاب” لا يمكن أن يضيع الوطن بمزحة سخيفة كهذه! فالإنسان لو ضاع منه صحن، فإنه يعِزُّ عليه، فما بالك بضياع وطن! وأما نحن الصغار، فكنا نجتمع حول دكانه كل مساء أربعاء، لنستمع لبرنامج ما يطلبه المستمعون، ومن أشهر الأغاني التي كان الناس يطلبون سماعها، أغنية الفنان العراقي حضيري أبو عزيز، التي كان يغني فيها: ” حميّد يا حميّد يا مصايب الله “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق