ثقافة السرد

المهادن

إيهاب الورداني

1 – نخب الجوع

كانوا أمامي :
القوام الفارعة ممصوصة الدم ، الوجوه المحروقة مسحوبة علي هياكلها .. كائنات من عظم وجلد ، تتدحرج في نحيب مكبوت ، بفعل الريح ، نحو قصاع الطعام وماء الخنوع .. تئن الأرض ، المستثارة ، من جرجرة أقدامهم التي لم تعد لفرط إنهاكها .
في هرج تتواثب أعينهم ، تشد شراشف الوصول إلي تخوم الشبع .. وعندما رأت ، ولم يك لها سلطان علي الاحتمال ، تغمضت .. ناخت الأقدام وتقرفصت ، مثل القرود علي نهر يبس ، كأنها تصلي أو تتداخل في أجنتها ، ” والقرداتي ” مروضة شقراء ، يلمع لحمها ، المكتنز ، تحت وهج الشمس .. وبمغرفة من خشب تصب المرق في الصحاف البلاستيك ، وعصاها مغروزة في الرمال
مضغت تبغ عجزي ، وقلت للذي هاجمني أو هكذا استربت : نم .
وتملكني الذعر

2- مهادنة

الفراغ غابة .. ثمة أشباح علي أشجارها تتغرغر : تخرج الجرذان ، من جحورها ، تتقافز .. تطل الثعابين وتنساب في ليونة مخادعة ، علي قارعات الطرق ، ملتفعة ببراقع الغدر .. والوطاويط في المحميات تتكاسر علي لعق الدم .. تتوافد بنات آوى ، عاريات ، في عين الشمس ، تنصب فخاخها للذين لا يرون ..
( كنت أرقب – أنا المهادن – علي تلة فزعي : ماذا يدور فوقي ويحدث بين جنباتي ، ولما ؟! )
أسراب من البوم تحط شباكها .. في لحظة عواء يمتزج بالسعال .. مسوخ أشباح تظهر وتختفي ، تشق الغيوم ، لها رائحة الصنان – والعالم قد هيأوه لطينة أخري مموهة بالأمم والشرعية والجوار – تتفتت الصرخة في الحلوق .. تتناثر أشلاؤها في الفراغ ، وحين تهبط للأرض تأخذ شكل بنايات تنهار وجسور تتهاوى .. يهرع الأهالي مذعورين في الطرقات .. جثث تتساقط تلو جثث .. تنفجر نوافير دخان .. تغمض السماء عينيها .. تتوالى صور لطيور نفقت ، وعيون ، قادرة ، تسيل منها المساحيق
( أيها المهادن علي تلة فزعك هل تفهم ؟! )
دفست وجهى في راحتي .. وكانت العاصفة هدأت .. فككت أختام كتابي ، نفضت الغبار ، فتحت ورقة ودخلت :
مدت لي يديها شهرزاد وكانت تبكي .. تنسدل دموعها علي كتفيها ..
وتنزلق للأرض فتخرق مكانها ..
ولم تبح .
فتحت ورقة أخري ودخلت :
هرعت إليّ الحيوانات ، وتكومت تحت قدمي ، ثم نامت ملمومة السيقان وكانت ترجف ..
انقلبت ورقة لحالها ودخلت :
كانوا يتقاسمونني فيما بينهم ..
قلت لنفسي : متي أفهم ، عندما تصير كل قطعة مني علي جبل وأعود عبدا ؟؟؟
انتفضت ، فيما كان الدم تحجر في مقلتي ..
قال الذي هاجمني بغيظ :
– ما بك ؟!
كانت حانية ، منه وخشنة .
قلت وقد داخلني الريب :
الآن فهمت .. الآن فهمت

3- موت

نهار غائم .. نسوة متسربلات بالبكاء ، وعذاري نزعت جلودهن عنوة .. جند يتشممون فوهات أسلحتهم وينفخونها .. تدخل عذراء ، متخفية في زى غزالة ، لها أريج الشرق ، تعدو يمينا يصدها الجند .. تعدو يسارا تتخبط في النسوة والعذارى .. وحين تتعب تغرز قرنيها في زبد السماء ..
” تعرف أن حتفها الآن آن ” .
يمتطي الجند العذارى ، يتجشأون الدم ، مصفقين لفارس أشقر يدنو من الغزالة ، وقبل أن يشحذ حربته ويمتطيها ينضو عنها جلدها قطعة ، قطعة ، ويعاين خريطتها ، فتنبجس النيران من عينيه
العذراء الغزالة تتشظي ..
والنسوة نائحات في أنين مكتوم ..
والفارس الأشقر يغمد حربته ..
وعيون العالم ترمق خلسة – فارس الوقت – وهو يحيي الجند بحربته المدلاة منها رؤوس كثيرة – كانت – لعذراوات .
” في ذيل اللوحة إمضاء : أعمي ”
تلفت حولي ، وحيدا كنت ..
السماء غائمة ، وزخات المطر تصرصر في أذني
اقتلعتني رعدة ..
وأنا أخفي بللا ..
مالحا ..
تحدر حتى فمي .

​ إيهاب الورداني
المحلة الكبري
أمين صندوق اتحاد كتاب مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق