ثقافة السرد

بين الكاف والنون

هناء جــوده

ينتظران ذلك الموعد من ألف عام أويزيد، تتعامد الشمس على نقطة الالتقاء؛ يتأبط كل منهما قرطاساً و قلماً وبعض الأمنيات، التقت عيونهما للحظات معدودة، كان الصمت فيها سيد الموقف، احتضنها بعينيه، احتضنته بكل ما تملك من نبض، يسيران على غير هدى متلاصقين، الشوارع متشابهة، الوجوه متشابهة، لم يختلف إلا اتجاه الجاذبية الأرضية .

فى مقهى كبير يعج بالضوضاء اتخذا ركناً قصياً، تلاقت كفاهما بلمسات عفوية وهما يتلمسان زهور البنفسج على مفرش المائدة، ينظر فى عينيها العسليتين ليجد الشمس تهم بسحب ظلالها، تعد مرفئاً للغياب، يفتعل الانشغال بالمارة؛ ليخفي دمعة على وشك السقوط، بينما تتسلل هى برفق إلى الغرف المغلقة فى طيات قلبه، تحاول فتح الصندوق المحكم إغلاقه، بفطنة العارف يرسل ابتسامته عبر المدى، تمسك كفه بهدوء، تنظر باهتمام، تقرأ … خطوطاً، رموزاً، ونجوماً فضية، ومعانٍ استعصت لم تستطع تأويلها، ما بين الكاف و النون
تتلاشى بينهما المسافات، يحتدم عراك الصمت مع النظرات،

تسقط من عينها نجمة فى قهوتها المُرة، تفتح حقيبة الذكريات، تطل منها البنت الاستثناء، لتحكى له عما جرى الأيام الماضية منذ فراقهما الأول من ألف عام، تشكو طعنات البعد القاتل؛ يبكى معتذراً، يقدم قلبه قرباناً للعشق، يقترب بوجهه من وجهها تلفحها أنفاسه، يتملكها الخوف من المجهول، تكاد تغيب عن الدنيا، يسندها بين ذراعيه، تستكين على صدره، يتشمم عطرها الملَكى، تغيب الضوضاء و تنبعث الموسيقى الهادئة، يضمها إليه، يراقصها، يغيب بوجهه فى أمواج شعرها الذهبى، يحملها بين يديه، يدور و يدور .

يفيق على صوت (الجارسون)، يدفع الحساب، ينظر فى ساعته و تذكرة القطار، يلملم أوراقه و صورتها التى رسمها لها من الذاكرة، يرن هاتفه النقال ، زوجته تتعجل رجوعه إليها فقد جاءها المخاض.

*المحلة الكبرى
عضو اتحاد كتاب مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق