ثقافة السرد

قبض الريح

د . محمد أيوب

كان يقضي وقته متجولا بين خيوط بيت العنكبوت باحثا عن فكرة هنا أو موقف هناك، يخلو إلى نفسه مع الكلمة والحرف، يقرأ ويكتب، يتابع ويستطلع، يحاول أن يسبح في فضاء كوني واسع تمنحه إياه هذه الخيوط العنكبوتية، وفجأة سمع نقرة خفيفة، فتح نافذته، لم ير شيئاً، ولم يشأ أن يكون متطفلا أو أن يكون البادئ بالكلام، لم يسأل عن الطارق، أغلق نافذته بهدوء وتجاهل الأمر وكأنه لم يكن، ولكن النقرات على النافذة ظلت تلاحقه باستمرار، ظل على هذه الحال فترة طويلة، وذات ليلة دفعه حب الاستطلاع إلى فتح النافذة وإلقاء التحية على الطارق الذي لا يعرفه :…

– مساء الخير!

– مساء الفل!

– ممكن نتعرف؟

– اسمي غزالة .-

ولكني لست ظبيا! أنا إنسان أنتمي إلى عالم البشر ولكني أحب مشاهدة الغزلان، ولا أحب أن آكل لحمها لأنني ضد أن يذبح كائن جميل كالغزال ولو كنت سأحصل منه على المسك.

سألت: وأنت، ما اسمك؟قلت: محمد!

وماذا تعمل؟ هل أنت كاتب؟-

قلت: وكيف عرفت؟-

خمنت ذلك من أسلوبك، فيم تكتب؟

– أتخصص في مجال الأدب.- من أي البلاد أنت؟-

قلت: من بلاد قريبة بعيدة! أو كما يقول فريد الأطرش: “قدام عينيَّ وبعيد عليَّ … ولا أريد أن أكمل، لا أريد أن أقول مع فريد: مقسوم لغيري وهو ليَّ، أنا من فلسطين أجمل بلاد العالم وأقربها إلى الله.
تساءلت: وأنت؟ – أنا من قطر عربي يحب فلسطين ويضحي من أجلها.

قلت: عرفته .. إنها بلدي التي انحدر منها أجدادي، بلدي التي ما زلت أهواها، وأهوى فلسطين وأهوى كل بلاد العرب.
قالت: لهذه الدرجة تحب بلدي؟

قلت: هواي جنوبي ومزاجي جنوبي.

سألتها عن عائلتها، ذكرت اسم العائلة دون تردد، أخبرتني عن أسرتها، وقالت: هناك من يختبئ وراء أسماء وهمية!
قلت: لا أحب الأسماء الوهمية، أنا لا أجيد فن الكذب، أحب الوضوح، ليس هناك ما هو أجمل من الوضوح.

طلبت منها رقم هاتفها بعد أن استمتعت بقراءة بعض كتاباتها التي طلبت رأيي فيها، أعطتني رقم الهاتف دون تردد، كنت أريد التأكد من أنني أواجه الحقيقة ولا أواجه وهما.

وفجأة اختفت تلك الغزالة كما ظهرت فجأة، تركتني مشدوها ومشدودا إلى خيوط بيت العنكبوت الذي لا يتيح لي أن أفلت منها، غابت غزالة عني بعد أن زارتني على غير موعد ودون سابق إنذار، ترى هل أنا مستيقظ؟ أم أنني غفوت قليلا، فتحت عينيّ على وسعهما لأتأكد مما إذا كنت مستيقظا أم لا، آثار تلك الغزالة ما زالت أمامي حروفها التي مازالت أمامي تؤكد أن الحروف هي التي جمعت بيننا، دققت النظر في بيت العنكبوت علني أجدها ولكنها ذهبت، قلت في نفسي هي الوهم لا أكثر ولا أقل، طيف زارني فجأة وتركني دون إشارة إلى لقاء آخر، رأيت رقم الهاتف الذي كنت قد كتبته على ورقة أمامي، هل هذا الرقم حقيقي يا ترى أم أنه وهم آخر؟ هل كنت أحلم؟ أمسكت هاتفي النقال وكتبت أرقامها، ضغطت بلطف وتردد خشية أن أزعجها، رد علي من الطرف الآخر صوت ناعس حالم، كأن سنة من النوم ألمت بصاحبته، هي الحقيقة إذن! لم أكن أحلم، كنت مستيقظا وبكامل وعيي، كانت قد أخبرتني عن عمرها، أخبرتها عن عمري وقلت لها إنني لن اتركها ترى صورتي حتى لا تخاف منها فأنا رجل عجوز وهي في عمر ابنتي، أنا الخريف وهي الربيع، فهل يمكن للخريف أن يلتقي بالربيع إلا إذا وصل بينهما الشتاء أو الصيف كما تصل المفصلة بين الباب وحلقه؟ أنا الماضي والحاضر، وهي الحاضر والمستقبل، أنا وهي قطبا مغناطيس لا يلتقيان ولا يفترقان، يكمل كل منهما الآخر، الشباب في حاجة إلى حكمة الشيوخ، والشيوخ بحاجة إلى حماس الشباب وحيويتهم، هو التكامل إذن.

وبينما كنت أتجول في فضاءات بيت العنكبوت أحاول التخلص من خيوطه التي تزداد التفافا حول جسدي، لاحت لي عن بعد مهرة عفية جامحة، حاولت امتطاء صهوتها فجمحت بي وأنا المجرب، كادت تلقيني أرضا لولا أنني تشبثت بها تشبث الطفل بأمه، أو تشبث الغريق يتلك القشة الصغيرة التي يتوهم أن فيها نجاته من الغرق، كانت مهرة غاضبة، تجتاحها أحزان عاتية تقض مضجعها، ترى الوحوش من حولها فتنفر وتقفز مبتعدة عنها، دققت النظر فيها فرأيت فيها غزالة التي تركتني دون سابق إنذار، هذه أنت؟ قال لها، وأردف: لم تركتني مع وساوسي، لقد اعتقدت أنك كنت وهما!

قالت: أنا الحقيقة، ولكني أملك أكثر من بعد، لست واهما وأنا لست وهما تراءى لك!

قلت: كوني وهما أو كوني حقيقة .. كوني واقعا أو كوني خيالا، كوني سرابا أو كوني ماء يرتوي منه الظمآن، حتى لو كنت سرابا فإنه السراب الذي يوهم العطشان بقرب الارتواء، كوني ما تشائين، ولكن لا تدعي الأحزان تسد منافذ روحك، فالبشر يعيشون على الأمل ويتخطون حواجز الأحزان ويتناسون الهموم التي تخلفها الآلام وراءها.

تسربت مهرتي من بين يدي فوجدتني أقبض الريح بين أصابعي، وكلما رأيتها، وكلما تسربت إلى مسام عقلي وخرجت منها ازددت تعلقا بها، ترى: هل عدت مراهقا من جديد، وهل العقل يمر بفترة مراهقة، أعتقد أن لا! ولكن كيف تتعلق أيها العقل أو أيها القلب بغزالة لم تقابلها ولا مرة في حياتك، كيف تعشقها من خلال حروفها النارية المتوهجة؟ أنا لا أعشق الوهم، هي حقيقة متجسدة بشحمها ولحمها أمامي؛ لم أرها نعم، ولكنها تسكن خلايا عقلي وجسدي، أفكارها قريبة من أفكاري على الرغم من الفارق الزمني بيننا.

تكررت زيارات غزالة لي، كانت تأتيني كالطيف، مرة على شكل غزالة، وأخرى على شكل مهرة، وثالثة تأتيني إنسانا من لحم ودم يملأ فراغ روحي وتعزف على أوتار قلبي فيرتعش هذا القلب رعشة الفرح، رعشة قلب أم فقدت وليدها لتعثر عليه بعد طول غياب فتتعلق به بشغف ومتعة، أصبحت غزالتي جزءا من كياني، تملأ الفضاء من حولي، تغمرني بوهج يجعل من قلبي شمسا مشرقة بالآمال العذاب، يا إلهي ما أجمل أن تشعر أنك محط اهتمام إنسان رائع كل هذه الروعة.
اتفق معها على لقاء قريب، تواعدا فيما بينهما، ظل يتخيل شكل غزالته أو مهرته وهل هي غزالة أو مهرة، ليس ذلك مهما على كل حال، المهم أن موعد اللقاء بات قريبا، أعد أمتعته واستعد للسفر، كان السفر متعبا، ولكن لقاء غزالة يجعل كل أنواع التعب تهون في سبيل ذلك، وبعد طول اشتياق، اشتياق المريض إلى الشفاء، فقد كانت بلسم روحه، حدد معها مكان اللقاء، وهناك رآها .. صمت قلبه لحظة ثم دق بسرعة.. إنها أجمل مما كنت أتصور، ضمها إليه بشوق قبلها بين عينيها، توجها إلى المكان الذي ينزل فيه، جلست بجانبه، شعر بدفء جسدها يسري في أوصاله، كانت تبعث فيه شحنة من الدفء اللذيذ، أمسك يدها ولثمها بشفتيه، قال: كم انتظرت هذا اللقاء أيتها الحبيبة.
تأوهت حين سمعت وجيب قلبه الذي وشى به وفضح مكنون نفسه، حاول أن يسكت هذا القلب لكنه لم يفلح، فقد ظل يخفق ويجري كأنه طفل ترك أمه ليلهو في حديقة رائعة الجمال، طوقها بذراعه، قبلها في وجنتيها أكثر من مرة، لثم شفتيها، ذاق طعم الشهد، مسه تيار دغدغ مشاعره، احتضنها بلطف، ضمها إلى صدره ومالت بهما الدنيا في قبلة لا أحلى ولا أعذب منها، جذبهما السرير إليه، فطوقها بذراعيه، ولكنه استيقظ من خدر عواطفه: لا، لن أدنس بكارتها ، لن ألوث طهارتها . افترشها فكانت أكثر اتساعا من الوطن من محيطه إلى خليجه، ولم تكن أقل اتساعا من الكون، كانت كل ذلك في وقت واحد، كانت أرضه وسماءه، كانت الدفء الذي يسري في عروقه، قالها بلهجة ظافرة منتصرة: وجدته يا جلجامش! وجدت ما فكرت أنك حصلت عليه وأضعته، لقد عرفت سر الخلود أيها الباحث عن حياة أبدية وعن سر الخلود، إنه يكمن هنا، على صدر هذه الأنثى التي تتسع لتصبح أكبر من الوطن ولا تضيق لتصبح أصغر من الكون، إنها سر الخلود ونبع الحياة الذي لا ينضب، إنها المرأة .. الأم والوطن، الأرض والعطاء، الأخت والابنة، الزوجة والحبيبة، الصديقة والعشيقة، نبع سعادتنا الفياض ومصدر الحياة وتعاقب الأجيال، دمت لي يا مهرتي الأصيلة نبعا لا ينضب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق