ثقافة النثر والقصيد

لا تلوموا أبي

زين العابدين علي ناصر الضبيبي

لا تلوموا أبي
إنّهُ مثلُ آبائهِ الطيبينَ
يزمّونَ منْ عَرقِ الموتِ خبزَ الحياةِ
ويقتسمونَ وأهلهمُ
وجبةَ الحزنِ والخوفِ من غدهمْ،
غدُهمْ طافحٌ بالضياعِ
أبي….
ذلكَ الشجنُ القرويُّ المعتَّقُ بالأمنياتِ
يرتِّبُ أحلامهُ في المساءِ
على غفلةٍ من عيونِ الفراشاتِ
يسترقُ الضوءَ منهمكاً

رغمَ خبرتهِ ورشاقةِ كفّيهِ
حتى يسدّدَ
ما بيعَ بالأمسِ من عمرِنا في ( الإشاراتِ)
لاشيءَ إلا الفراغُ يضايقهُ
و بهِ ينتشي حينَ نرجعُ من رحلةٍ
لا الشتاءُ سعيدٌ بها
لا، ولا صيفُ أحلامِنا اليابسةْ
هاهي الآنَ جاهزةٌ
كلُّ ( كرتونةٍ ) تشتكي حمْلَها
من سيسمعها، أو سيرحمنا؟!
.. يا إلهي..!

وكيفَ سنجعلها في عيونِ الزبائنِ محبوبةً مغريةْ؟!
* * *
وحينَ يجيءُ الصباحُ
يرافقنا، ثمَّ يرفعُ كفّيهِ
هل كانَ يدعو لنا
أن نعودَ إلى البيتِ – في غبطةٍ-؟!
أم تراهُ دعا اللهَ أن لا نعودَ بأحمالنا؟
أن تُفّتحَ أبوابُ رحمتهِ
كي نوفرَ ما يحفظُ الماءَ
-ماءَ الوجوهِ –
إذا جاءنا صاحبُ البيتِ
في غيرِ موعدهِ فاغراً جيبَهُ

وعلى وجههِ ترقصُ العاصفةْ.
……………
…………..
وبعدَ جفافِ العباراتِ
مستبشراً
كانَ يفتحُ جفنيهِ
كي يوقظَ الشمسَ منْ نومها،
فتشخَّصُ أبصارُنا،
والوجوهَ التي ألَّفَتْها الفصولُ
نراقبُها باسمينَ ..
تلمّعُ بالغيمِ أسنانها اللازوردْ
وتغزلُ قمصانها من حريرِ الندى.

تدلّـي ضفائرها فوقَ صدرِ الوجودِ
الذي لا وجودَ لأمثالِنا فيهِ
إلا بتعميرِ أيامِنا بالكفاحْ.
كلُّ شيءٍ لهُ نكهةٌ
وردهُ الاعتياديُّ
بوحُ ملامحهِ,
الزقاقُ الذي منهُ نبدأُ مشوارَنا
في الطريقِ إلى اللهِ،
شدوُ العصافيرِ,
حزنُ النسيمِ,
وصوتُ أبي
إذْ يودِّعُنا ويفرِّقُنا للزيادةِ في الرزقِ

معتقداً أن كلَّ الشوارعِ تعرفنا
أننا مثلهمْ
فتيةٌ آمنوا
رَكِبُوا البرقَ
من كلِّ فجٍّ إلى لُقمةِ العيشِ ساروا
بأقدامهمْ طرّزوا الأرضَ
في زمنِ الجوعِ والقحطِ والأوجهِ العابسةْ.
وحينَ نعودُ لنعطيهُ رملَ خيبتنا
بعدَ يومٍ من الكدِّ
نشتمُّ رائحةَ الفولِ
تغمرُنا نشوةُ الواصلينَ إلى المشتهى
القليلُ من الخبزِ يكفيْ

ليُجلسَنا ويحدّثَنا عن طفولتهِ والشبابِ
يقلّبُ ألبومَ أيامهِ
ثمَّ يروي لنا
-قبلَ أن يسرقَ النومُ أجفاننا-
من أساطيرِ أجدادهِ الكادحينْ.
…………
…………
…. سألتُ أبي – ذاتَ يومٍ-
لماذا نعظِّمُ مَنْ سرقوا من براءتنا عِطرها؟!
من طفولتِنا وردَها
وبلا رحمةٍ صادروا حقَّنا في الفرحْ؟!
لماذا نموتُ ونحيا بلا هدفٍ واضحٍ يا أبي؟

تعثرتِ الابتسامةُ في شفتيهِ
تصفّحَنا
ضَمّنا ملءَ أحضانهِ
ثم قالْ:
رُبَّما تتبدّلُ أقدارُنا
فالحياةُ مراوغةٌ يا بني
ربما…..
ربما…….
ولكنَّ حظَّ الضعيفِ
ضعيفٌ وأحلامُه باهظةْ.
…………….
فأدركتُ أن أبي كانَ يعقوبَ أحزانهِ،
وأنّ السؤالَ
قميصٌ بلا رائحةْ!!.
…..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق