قراءات ودراسات

قراءة في رواية “بغل المجلي” وائل عبد الوهاب أبو رميح

وائل عبدالوهاب الرميحى

للعالَم الروائي ـ لدي عبد الجواد خفاجي ـ عمق وجودي غائر يتتبع الغائية الإنسانية في أكثر تجلياتها بروزاً وشقاءً في آنٍ، وهي تلك المتمثلة في مُقاساة البؤس الراكد لدي الإنسان المعاصر لاسيما المواطن البسيط الرازح تحت نير الحرمان في ريف مصر، ولا غرو بعد ذلك أن يجئ إهداء هذه الرواية خاصة إلي هؤلاء، وأن تشير إصبع الحافز الفني لإنشاء العمل ( أو ما يمكن أن نسميه الدافع الباطن لفعل الكتابة) إلي عظامهم التي طحنتها مفردة “القبلية” القميئة المستهلكة، التي باعدت بينهم وبين كل فرص التطور والاندماج في منظومة الكون الأوسع . هذا العالَم الروائيّ تلتئم فيه عناصر البيئة كافة بأنماطها التقليدية المعروفة، وتنسجم فيه صور المعيشة القروية التي دَرِب هذا الروائيّ علي تملِّيها من الداخل بإنعام نظر واستغراق كانا ـ علي الدوام ـ كافيين لتعرية موقف إنسان القرية من العالم وموقف العالم منه… بيد  أن هذا العالَم الروائي يضيف إلي إمتاعنا بتذوق فعل الكشف هذا إنارةً ذات مغزى فلسفي وجودي لطبيعة الانفعال بالحياة والتحايل عليها لدى إنسان الريف . وتتخذ الحكاية ـ عند عبد الجواد خفاجي ـ شكلاً واقعيًّا موغلاً في استقصاء التفاصيل واستشفاف الدوافع واستلهام الفلسفة الكامنة وراء الهدف والتصرف والموقف والميل، فليس من شك في أن كل فعل ينطوي علي دافع يستقى من رؤية أو فلسفة أو نظرية وجودية، وتصطبغ الشخصيات في عالمه الروائي بلون خليط يعبر عن الفطرية الفجة من جانب والخبث العميق من جانب آخر، غير أن الشخصيات جميعاً تشترك اشتراكاً مستغرقاً في الاستغلاق والانكفاء الباطني والانبتات عن مجريات التطور المتلاحق. من هنا هيأ النص الروائي التربة الموائمة لاستنبات الخرافات والخزعبيلات التي تجد دائماً في وسط القرية مرتعاً خصباً وكلأ مريئاً، وإمعاناً في الحبكة الدرامية الفاتنة تضع الرواية شكليات الأنساب وأصول القبائل موضع الشك والمساءلة كإحدى مكامن الداء الذي أشار إليه الروائي في إهدائه الأول، ولن يكون بوسعنا أن نفهم هذا العمل ما لم نحط علماً بأن الروائي هو في الواقع مثقف قروي ساعدته الثقافة علي استبطان جدل ( ديالكتيك) الحياة في القرية، كما ساعدته علي صياغة رؤيته الأحادية لدنيا القرية العاجزة عن تصحيح وضعيتها المكانية والزمانية والثقافية في هذا العصر. وبينما تتسم تساؤلات هذا النص الروائي بالجذر الوجودي تحاول في الوقت نفسه أن تنبش تقاليد القرية، وأن تلقي الحجر تلو الحجر في مستنقعها الآسن من خلال محاورة ذاتية تسعي إلي فضح القبح المتلبس بالتقليد القروي الذي يمثل عُرفاً قسرياًّ ممعناً في الشراسة والعنف، وبدا ذلك جيداً في محاورة حميدة مع ذاتها المقهورة، وفي تساؤلها اللاهث المكدود: ” هل كانوا هم علي حق عندما رفضوا أن يجمعوا بيني وبينه في الحلال ؟” إن هذا التساؤل يمثل دمامة العبء الضاغط لأعراف لا تحترم الجوانب العاطفية الإنسانية، وتسعي إلي خنق الحرية الفردية في أيسر حقوقها وأدناها قيمة حق اختيار الشريك. إن قيام العرف القروي بممارسة هذه السلطة القمعية بناءً علي اعتبارات قَبَلِِيَّة قبل ـ جاهلية تدل دلالة كافية علي أن القرية كائن منفىّ منبوذ، وأن أهلها لا يزالون يطوفون بأصنامهم القديمة، وعلي أن الحياة ـ وعلي حد تعبير الروائي ذاته ـ خلف ظهورهم، إن لم نقل فوق وعيهم.

وفي هذا النص الروائي المثير ثَمَّ توظيف رائع لعبارة دينية تجري كثيراً علي ألسنة الناس في سياق حائي هادف إلي نفض مدلول العبارة، والتأكيد علي أن استعمالها يخلو تماماً من الوعي المتعمق لها أو لفحواها الدوجماطيقي، العبارة هي (سبحان مغير الأحوال)، وهي تتعاقب في ظهورها بين سطور النص بشكل موظف للإيماء إلي طريقة استخدامها أولاً، وإلي وضعية هذا الاستخدام ثانياً، وإلي فلسفة هذا الاستخدام أخيراً، فطريقة استخدام هذه العبارة تعكس السطحية الساذجة لأهل الريف التي تتسم بها تصوراتهم دائماً حول مالا يكون تصديقه أمراً متيسراً، وهي في هذا الإطار ترتكز ارتكازاً جيداً علي طبيعة وعى إنسان الريف بالتغيرات، وما يتصف به هذا الوعي من تسطح وعجز أمام الأمور المستغربة، أما وضعية هذا الاستخدام فتوقفنا علي إلحاح الهاجس الغيبي الغرائبي علي وعي إنسان الريف غير المسلح بعتاد ثقافي كافٍ، ومن ثَمَّ فإن هذا الإنسان يرغب دائماً في إشباع نهمته من خلال الأحاديث المتشعبة عن التغيرات الطَّفْرِيَّة المفاجئة، فهذا النوع من التغيرات يستثير ذهن الريفي ويهيج مخيلته، ويجتذبه دائماً إلي الخوض فيه؛ لما يمثله من إشباع لهذه الحاجة النفسية لديه، ولهذا نرى أهل القرى مولعين دائماً بالغرائبي أو اللامعقول فيرفعون إزاءه لافتة ( سبحان مغير الأحوال )، أما فيما يتعلق بفلسفة هذا الاستخدام فإنها ـ وللحق ـ تكشف عن نظرة استياء من الروائي لإنسان الريف الذي تتناوبه ألوان من الحسد، وملاحقة الآخر بالملاحظة الدائمة في كل تقلبات عيشه، والإحساس الدونيّ إزاء منجزات هذا الآخر لاسيما المادية المتمثلة في الإثراء السريع، كما أنها تبرز الموقف السلبي الذي يتخذه الروائي مما آل إليه حال الصوفية الآن، وقد تحولت من منحنى له فلسفة ثابتة ذات أهداف ومقاصد محددة إلي هرطقة ممجوجة تستغلها الدهماء في إشباع حاجات دنيا أو ابتزاز الآخرين بما أدي بها في النهاية إلي أن تصبح سلوة البروليتاريا الذين يملؤون بها المساحة الشاسعة بين أضلاع الفراغ في حياتهم بعد أن كانت يوماً ما ثقافة النخبة المفكرة، ولعل الرواية تفوقت في إبراز هذا الجانب حينما عرضت مشهد امرأة الشيخ وهى تستغل إحدى مريداته ـ ويا للأسف ـ في نتف شعر عانتها، بما يوحى بأن المرامي المثالية للحركة الصوفية جرى تفريغها بعناية فائقة من محتواها على أيدي القرويين الذين انزاحوا بها نحو الوثنية من جديد، ليتحول البغلُ إلي ولَىّ، وصاحبه الساحر الدجَّال المخرِّف إلي ولىٍّ، ثم لينفتح العقل علي السحري والخرافي ويهمل الحقائق، والمعتقد السليم، وهكذا تبدأ الخرافة في مزاحمة العقيدة عند هؤلاء.

على أن فلسفة هذا الاستخدام كشفت أيضاً عن خواء الفحوى العَقَدِيّ للعبارة؛ فالروائي حين يُلْقِمُ هذه العبارة أفواه القرويين لا يتعجب فيها من روعة صنع الخالق عز وجل في تصريف الأقدار بقدر ما يسخر من فهم الريفيين لها، واستغلالهم لها في تسويغ أمور يجب ألا تحدث أصلاً، أو علي الأقل لا يكون رد فعلهم علي حدوثها الصمت الخاشع؛ فأنْ يتحول المعلم ” أبوالبطاح” أو “أبورقبة” من سكير عربيد زير نساء إلي شيخ الطريقة هكذا بين طرفة عين وانتباهتها دون تحولات تدريجية حقيقية، ثم لا يكون من أهل القرية إلا أن يتلقوا هذا التحول الانقلابي المفزع بعبارة: (سبحان مغير الأحوال) فليس هذا إلا دليلاً علي سلبيتهم إزاء التطور، وصلادتهم المُحْبِطة في وسط متحرك متغير، والرواية بهذا المفهوم تحثنا علي مكوناتها وصولاً إلي إيضاح بطء استجابة الريف للتطور، وعقم استيعابه لكليات القضايا حتى المصيرية منها. وهنا ينبغي أن نفطن إلي التقنية الفنية أو الآلية الإجرائية التي يحوك بها الروائي نسيج روايته قابعاً من ورائها ليتهكم ما وسعه التهكم في صمت لاذع علي عقول تفكر ولا تفكر، وقد بدا هذا التهكم واضحاً في نقل الروايات المتضاربة حول التوجه الحقيقي لأبىالبطاح الذي يسب الدين ويرتكب الفواحش ويلقى إليه ـ في الوقت نفسه ـ عهد المشيخة، ولا مرية في أن هذا السياق يُبطن سخرية داكنة تشع بكراهية الزيف الطافح الذي طالت مخالبه كل شىء في حياتنا حتى لم تعد الأشياء تحتل مكانها الصحيح.

لقد لاحظنا ـ كمتابعين للمُنْتَج الثقافي ـ أن الروايات في العالم العربي بدأت تطرح رؤاها كفعل استرجاعىّ تبدو فيه الصور سلسلة من المشاهدات التي جري رصدها وتخزيها بعناية في واعية كل روائي، تلك المشاهدات التي ارتبطت رأساً بخبرات حياتهم السابقة ـ لاسيما الطفولية منها ـ وامتزجت بفلسفتهم الخاصة وتأملاتهم العميقة لحركة الذات باتجاه الآخر وحركة الآخر باتجاه الذات ولما تعطيه الحياة من فرص رائعة للالتقاء أو الافتراق، وروايتنا تلك تمثل هذا الاتجاه الذي يُعَدُّ الكاتب فيه مُسْتَحْضِراً للتفاصيل المهجورة الممتعة المُنْتَبِذَة في خزائن الذاكرة بعد أن صبغها وعي المبدع بصبغته المائزة ووسمها بوسم قريحته الأدبية.

وتعرض الرواية علينا صراعها من مداخل شخصيتها التي لم يعد منها شخصيات رئيسة أو شخصيات ثانوية، فقد بدت كل الشخصيات شخصيات رئيسة ماخلا شخصية واحدة تميزت بمركزية مغناطيسية جاذبة، وهي شخصية المجلي التي تخذت من بقية شخوص الرواية أجراماً تدور في فلكها ولعل في هذه التقنية في العرض ما يلد التشويق ويذب الملل عن أفق المتلقي.

بيد أن المركزية التي اتسمت بها شخصية المجلي كانت مستهدفة تقنيًّا داخل النص الحكائىّ؛ إذ إن القطبية واختزال المجموع في واحد وحيد كانت ولازالت أبرز سمات المجتمعات الغارقة في وحل التخلف وانحطاط الفكر، فبقدر ما يترقي المجتمع وتتسامى جوانب الفكر فيه وتلتزم مؤسساته بأداء أدوارها الحقيقية تبرز روح الشورى لدى الجماعة، ويتشكل المجتمع المؤسساتىّ، ومن ثَمَّ تختفى تماماً الواحدية والقطبية والزعامة التاريخية المُلْهَمة دائما بالكوارث، وهكذا فإن المجلي ليس إلا صورة مطبوعة لفجيعة أمتنا الناجمة عن تأليه الرمز والزعيم الضرورة، ونسج الخيالات حول قيمته ودوره ونسبة الخوارق إليه بوسائل فجة مقززة.

ولعل أروع ما في هذا النص الروائي الثري ذلك الإسقاط الماثل علي واقع أمتنا التي ألِفَت الانقياد الأعمى والانسياق الأبله وراء من يوردونها الهلكة بعد الهلكة والمتلفة غب المتلفة، وهنا يبرز مشهد الجموع الطولية المحتشدة وراء المجلي، وهو يقودهم إلي مصير داكن وهوة معتمة دون أن يفكروا حتى في أن يسألوه: إلي أين؟!! هنا تتفوق الرواية في تصوير البعد السيكولوجي القبيح للطاعة العمياء ممثلة في أولئك الذين أَلِفُوا إثم التقليد وجناية الاتباع السلبي وخطيئة الإمَّعِيَّة التاريخية التي جرَّت إلي السعير كافة طموحات الإنسان العربي بعد أن سحقت فكره ووعيه، ودهست كرامته ووجدانه، وجرَّته إلي الفرقة والطائفية، مثلما أن القبليَّة تجره إلي التفتت إلي عرقيات ودماء، وتقف كحجر عثرة أمام الحراك الاجتماعي والتواصل الإنساني وتقعده عن التفكير في الحياة والإنتاج إلى التفكير في الأنساب والبطون والدماء .

إن هذا النص الروائي يمثل صيحة واحدة يمكنها أن تنفض الخمود، وأن تبذر بذور اليقظة في مجتمع القرية الراكد الذي أَلِفَ سُنناً لم يبدلها منذ عهد بعيد، بل إنه لم يُعِدِ النظر فيها في أي يوم سابق، إنها قيم أقلها صالح لحياتنا اليوم، وأكثرها ينبغي أن نجتثه من أعماقنا حتى نتمكن من فهم معطيات الحياة الجديدة وبدائلها المستعصية…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق