ثقافة السرد

صفحات نفس (2)

مامون احمد مصطفى

لم اكن بعيد عن قدرة انتشاله من الموت، بل وكنت قادرا على انتشاله من عذاب لوعة الموت الماثلة بين عينيه، كنت – وبادراك يقيني – على خطوه من القدرة المظفرة الكافية لانتشال مشاعر الألم والخضوع والذل والرعب والانهيار المنبثقة من كل بريق مرسل من رحم الموت الذي بدأ يحكم سيطرته على جسده وروحه، كنت على خطوة واحدة لنقله إلى الحياة، إلى الاطمئنان، إلى السكينة، إلى الوضوح والمعلوم.

لكني وبإصرار مركز، ممنهج، بطريقة انبثقت بداخلي، تركته بين أنياب الموت، الموت البطيء، الملتف حول جسده، وحول روحه .

كنت اشعر بنوع غريب من أنواع اللذة، لذة لا أستطيع شرحها أو سرد تفصيلاتها، لكنها انبثقت من داخلي، لتنتشر وتستحكم في كل مشاعري، وسرت في ذاتي سريان الحياة بأرض غمرها الهمي وملأ تشققاتها وجفافها، كانت لذة من نوع غريب، لم اعهده في ذاتي من قبل، فانا امام اللحظات الاخيرة التي يحتدم الموت فيها مع الحياة، وانا بنظره الفاصل بين هذين الحدين المتناقضين، نظراته كلها كانت تستجديني، تحزم المها ولوعتها ووجعها وانهيارها وتوجهها نحوي، كحزمة من ضوء في ليل احلك من سواد اللحظة التي يقبع فيها، لكنها كانت تنكسر بفعل الحرارة وضوء الشمس لتسقط في منتصف الطريق، هو شعر بالانكسار الذي حاق بالحزمة، فارسل شهقاته ووجبات قلبه، كانت تصلني، تتصل بشهقاتي ووجباتي، لكنني كنت اسيرا لشعور اللذة، المنبثق من داخلي، انبثاق المجهول بأعماق الصحراء الممتدة الى ما لا نهاية، كنت ايضا اُنمي قماءتي، احشدها، لتتواطأ مع شعور اللذة، كيما ابقى على مشارف تلك اللحظات المحمومة بين الموت المستبد والحياة التي تقف على خطوات.

ولوهلة شعرت بهبوط الإنسان، اختفاءه من بين الضلوع، أحسست بألم عابر، متدفق، لوهلة، أو هنيهة.

كنت أفكر بكل ذلك، وهو يزحف نحو الموت، والألم واللوعة والانهيار، كلها تتكدس وتتمحور ببؤبؤ عينه اليمنى، شعرت بالقماءة، بالنتانة، لكن اللذة عادت لتتركز بداخلي من جديد.

كان يحفر الأرض بأصابعه المنهكة، يحاول بكل ما تبقى فيه من أمل في النجاة أن يزحف نحوي، لو تعلمون معنى الأمل المتبقي بلحظات الحياة الأخيرة، لو تعلمون؟ لكنتم أكثر قدرة على لمس الموت الزاحف بين الجنبات، ولكنتم قادرين على لمس الحياة التي تحاول خنق الموت.

ولأدركتم – وببساطة شديدة – كيف تنمو القماءة بالمَشَاهِدْ، كيف تتبلور وتتشكل، لتحيط بأسوار الروح والوجود، وكيف يتكتل العفن ويتجمع، كبؤر مفتوحة ؟

زحف خطوة، حمل ذاته المغروسة بالموت، بقدرة لا توصف، لا تحاط ، ومن عينيه كان يزحف بريق رجاء، استغاثة، زحف قليلا، أحس بالنشوة، فروحه المغادرة، رأت باقتراب الجسد نوعا من الخلاص، من العودة للوجود ، للحياة، لكنه فقد كل شيء، فقده مره واحده، واندفعت الدنيا من البريق الذي كان يتمحور بين ناظريه، حين سحبت قدمي للخلف، تشبث بالتراب، بأصابعه، بشعر جسده، بمساماته، واندفع اللوم من أحداقه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق