ثقافة السرد

– عذبة – رواية المأساة الفلسطينية: الجزء 18

صبحي فحماوي

صرت أستحي من عادة أمي التي كانت تُجلسني عاريا في لَجَن صفيح لتحممني، وتضع فوق رأسي قليلا من الماء الدافىء، تسكبه من إبريق الوضوء، ثم تفرك رأسي بالصابون النابلسي، وتليفني بليفة مأخوذة من نبات الليف المزروع أمام بيتنا، متسلقاً على جدران بيت الأرانب، فتأخذها وتجففها، ثم تقشرها، وتزيل البذور السوداء من داخلها، فإذا بها ليفة طبيعية رائعة للعائلة كلها، تليفني بها، ثم تزيل الرغوة عن جسمي، بمحتويات إبريق الوضوء، إبريق واحد لكل حمام! اليوم يستحمون بعشر أو بعشرين تنكة ماء.. يفتحون مرشّ الحمّام، فلا يقفلونه حتى نهاية الاستحمام .
بدأت أشعر بصباي أو رجولتي، فرفضتُ دور أمي قائلاً: ” لم أعد طفلاً صغيراً يا اماه! سأستحم وحدي، وأليِّف جسمي بيديّ “! لم ترفض أمي طلبي، وهكذا بدأت أشعر بذاتي المستقلة، على الأقل في الحمام ! فعلته بنفسي، فصرت بعد غسل الرغوة، أجفف جسدي بملابسي المتسخة، التي ستذهب للغسيل، وألبس ثياباً نظيفة. لم يكن يومها شيء اسمه منشفة حمام، والسبب هو مشكلة السيولة النقدية، عسر الحال الذي جعلهم يستغنون عن حاجات كثيرة .
لم تكن خيام السكن وحدها هي التي تطورت إلى مبانٍ، فالمدرسة أيضا انتقلت من تجمع خيمي إلى مبنى حجري، كان الإنجليز يستخدمونه مقرَّ ادارة لهم ، وسكناً لعائلاتهم، وأماكن نوم لأفرادهم.. بدا وكأن في الأمر نوعاً من الاستقرار ، وتم رصف الشارع المؤدي إلى المدرسة، رصفوه بالحجارة المسننة المكسورة، استغرقت أعمال الرصف سنة، كانوا يعملون يوماً، ويغيبون عدة أشهر، وأما رش الرمل والزفت فوق الحجارة المسننة، فلقد تم خلال عدة سنوات، ذلك لأنه لا توجد ميزانية حسب قولهم. وهذه الأحجار المسننة جعلتني أتوقف عن الذهاب إلى المدرسة، فقال لي أبي لا مبالياً:” لماذا”؟ فنطّت الدمعة من عيني ، وأنا أقول: “لأنني حافي القدمين، وشارع المدرسة مرصوف بشحف الصوان المسنن كالشفرات، ولا سبيل للوصول إلى المدرسة دون حذاء”.
تنازل أبي عن بعض أسواره التي تحيط حياتنا كأسوار أحمد باشا الجزار في عكا، فسمح لي ولأخي عنان بشراء أحذية.أخذَنا إلى محل أحذية الحاج عادل في مدينة أنصار13 وصافحه بحرارة، وطلب منه إلباسنا أحذية، ودفع له الثمن فوراً! فهمنا أن أبي يملك نقوداً، ولكنه لم يكن يتنازل عنها. وأخيراً لبس الحفاة أحذية، كنت في الصف الخامس الابتدائي، وكان ذلك تطوراً نوعياً في حياتي، لكن خجلي من كوني قضيت عمري السابق حافيا، ما يزال يطاردني في أحلامي حتى اليوم، إذ كثيراً ما حلمت أنني ذاهب إلى امتحان البكلوريا، وأنا حافي القدمين، وعند باب المدرسة، أنظر إلى قدميّ الحافيتين، وأنتبه إلى أن ذلك مستحيل! ويجب أن أعود إلى البيت فوراً، كي ألبس حذائي، فالامتحانات لم تبدأ بعد! ولكن كيف أعود إلى بيتنا، ولم تبق سوى بضع دقائق لبدء الامتحان؟ وإذا لم أعد، فكيف أدخل المدرسة حافياً، بينما زملائي من الطلاب الوطنيين، يرتدون أفضل الثياب، وينتعلون أفخم الأحذية، ويبحلقون بي، فاتحين عيونهم هكذا! هل أعود إلى البيت؟ فالذهاب والاياب، يستغرقان أكثر من ساعتين؛ سيراً على الأقدام، فيكون الامتحان قد بدأ وانتهى، وأرسب في الامتحان، الذي لا امتحانَ غيره؟ أم أعود وألبس الحذاء، وأرجع مسرعاً؟ أم أدخل الامتحان حافياً! والعيب يخزيني بين زملائي الطلاب؟ ظل هذا الحلم يلازمني، حتى بعد أن تخرجت من الجامعة! شعور بالإحراج المخزي، لا يخرجني من الاختناق به، سوى الصحو من النوم، كابوس الفاقةَ والفقر! ذيول التاريخ المرتبطة بنا يا عذبة، تجر وراءنا كالأصفاد المكبِّلة لأقدامنا، ونحن في مسيرة الهجرة الطويلة المريرة . قالت أمي:” لم يكن أبوكم يلبس في أم الزينات، غير أحسن الأحذية الجلدية الأصلية، كان يصنعها الكندرجي أبو خليل، في حي (الحلِّيصة) في حيفا، وكانت جراباته حرير حلبي، وقمبازه من الساتان الروزا المقصّب الشامي”. فقال لها عنان:” إذا كان أبي يلبس الحرير والأحذية الجلدية الأصلية هناك، فلماذا يعاملنا بهذا التقتير والشدّة والمهانة؟ نحن لم نشعر بحنان الأب يوماً يا اماه”! فقالت أمي صفاء، محزونة الوجه:” الدنيا تغيرت يا ولدي! كان لنا وطن، فيه بيت من حجر، وبقر هولندي، ودجاج وحمام وأرانب، ومزرعة الظهرة حوالي مئتي دونم، مُشَجّرة بالزيتون وكلّ أشجار الفاكهة التي نحلم بها، ولم يكن شيء يهم أباكم. كان يدللنا ويلاعبنا، ويضحك ويلعب معنا، ولكن الصدمة التي أكلناها في عيشتنا، غيرت مفاهيمه، فتغضّن وجهه كالتفاحة الذابلة، وصار من شدّة الحزن والخوف، يحسبها بالتعريفة! قد يكون السبب أنه يخشى علينا من هجرة جديدة”!
*****
في نهاية المعسكر، أنشأوا مطعماً يقدم لطلاب المدارس وجبة غداء يوميا بالمجّان. كان أبو علم مدير المطعم يراقب نوعية الطعام، وكان عمي أبو صلاح يقدم الطعام للطلاب والطالبات؛ لا يقل عن خمسمئة صحن طعام، يقدمها كل يوم لحوالي خمسمئة طالب وطالبة؛ أرز ولحم ، وخضار وفواكه، وأحيانا يوزعون على كل خارج من المطعم قطعة جبن قشقوان أصفر، يقولون: “هذه وجبة عشاء، ولكن ليست في المطعم، بل في بيتكم “!
كانت طاولة الطعام طويلة جداً على شكل حذوة حصان، تتسع لأكثر من مئتين وخمسين طالباً وطالبة، إذا ،حسبتِ جلوس الطلاب متقابلين على الجانبين. وكان عمي أبو صلاح يرصُّ الصفوف، ليجلس الأولاد والبنات إلى جانب بعضهم البعض، فتستوعب الطاولة أكبر عدد ممكن من الجياع! ولكن إحدى الطالبات التي جاء حظُّها مرّةً أن تكون إلى جانبي رفضت أن تجلس ملاصقةً لي. فقال لها عمي أبو صلاح: “لماذا لا تقتربي يا عمي، كي تعطي فرصة للآخرين ليأكلوا “؟ فقالت البنت الحَيِيّة، وعيناها في الأرض:
” أستحي يا عمي”! فأخذ أبو صلاح كتبها، وأظهر منها القرآن الكريم فوق الكتب، ثم وضعه على الطاولة بيننا، وقال لها مُطَمئِناً: “هذا القرآن بينكما، لا تخافي اقتربي! فاقتربت البنت. بالطبع لم يكن هناك أحاديث جانبية ولا مغازلات؛ كل يضع رأسه في صحنه! “عند البطون، تغيب الذهون”!
وفي يوم من الأيام أغلق المطعم! وكان ذلك صدمة جوع بالنسبة لنا! قالوا إن الشرطة اعتقلت المدير أبو علم، وكذلك عمال المطعم؛ أبو صلاح، وأبو مروان! وذلك بتهمة الانتماء إلى خلية حزبية تطالب بالعودة إلى فلسطين! ” إرهابيون! انتم إرهابيون “! قال المحقق. فأجاب أبو علم: “نحن لسنا إرهابيين”! وعلى (خيط رقبته) فقعه الشرطي الواقف خلفه كفاً ، وهو يقول له:” يا كلب قل لسيدي المحقق: يا سيدي”! فقال المحقق:” اتركه ياشاويش “! فتركه قائلاً:”حاضر سيدي “! وتابع أبو علم إفادته للمحقق قائلاً:” نحن نطالب بالعودة إلى بلادنا فلسطين، لقد لاحظنا أن الاقامة خارج الوطن قد طالت، ونشكركم على حسن الضيافة، ونريد العودة إلى وطننا “! فصرخ المحقق في وجهه : “ستكون ضيفنا في سجن تحت الأرض. سنجعلك تنسى إسمك وأهلك! مُخَرِّب أيها الحقير! جعلناك مدير مطعم، وأنت لا تستحق أن تكون مُلمّع أحذية في قاع المعسكر! كثير عليك أن تكون عتال شوالات في سوق الحمير! جعلناك مدير مطعم! فأكلت وشبعت وبرطعت، وكفرت بالنِّعمة! تريد أن تزرع القلاقل في هذا البلد الذي يستضيفك، وتشجِّع العدو الإسرائيلي على مهاجمتنا، وابتلاع باقي الأراضي العربية ياخرا! أنت جاسوس ولا! أكيد إن العدو زرعك هنا لتُفجِّر السلام الذي ننعم به “! فقال أبو علم:” أنا لست جاسوساً، بل مناضل من أجل العودة إلى وطني!” فوقف المحقق من خلف طاولته، وبحركة مسرحية أمر المعتقل:”اعترف لنا يا مناضل عن أسماء زملائك في الحزب!”
“لا أعرف أحداً في حزب”! قال أبو علم باكتئاب “نحن لسنا حزباً، أنا واحد من الناس الحالمين بالعودة إلى الوطن، هذه هي كل القصة”! وهنا أشعل مساعد المحقق بابورالكاز، ووضع فوقه صاج خبز. ثم قال لأبوعلم:” تفضل”! فقال أبو علم منذهلاً:” ماذا أتفضل”!
” اجلس هنا”! فبحلق به مرعوباً :” أين أجلس “؟!
” فوق الصاج! اخلع بنطلونك، ثم اجلس بهدوء على الصاج! نريد أن نشوي مؤخرتك، كي تخرج من هنا مثل مؤخرة القرد “! وهنا صاح أبو علم:” حرام عليكم”! دفعه مساعد المحقق فأوقعه على الصاج قائلا: ” أنت تعرف الحرام يا مخرب؟ أنتم مخربون! أنتم لا تستحقون النعمة التي تعيشون فيها! أنتم فَجرَة “! وهكذا أغلق الستار وبدأ التعذيب! لا أريد أن أصف لكِ التعذيب يا عذبة، فاسمك مأخوذ من المياه العذبة النقية المتدفقة من رؤوس الجبال وليس من العذاب والتعذيب، فأنت خُلقت لتنعمي بعذوبة جبال الكرمل، وأنا خلقت لأتعذّب مع المعذّبين في الأرض، أمثال أبو علم. قرأت مسرحية (قطة على سطح صفيح ساخن، لتينيسي وليامز)، ولكن أبو علم لم يكن قطةً تقفز بسهولة على سطح صفيح ساخن، ولا الصفيح هنا ساخن، إنه جمر أحمر فوق النار! إنه جهنم الحمراء! القصة تختلف..وبين أبوعلم وقطة وليامز، ما بين الجنة والنار .
وبعد ثلاث سنوات من التعذيب داخل السجون المعتمة، تحت سراديب الأرض، في عمق الصحراء العربية، خرج أبو علم وأبو صلاح وأبو مروان؛ كل منهم عبارة عن بقايا إنسان، لم يعودوا أولئك الرجال الذين عرفناهم في المطعم من قبل؛ لم تعد تلك الإنسانية والحكمة والخدمة وسرعة الحركة، بل تغيرت أشكالهم، وملامح وجوههم، وهزلت أوزانهم، ويبدو أن عظامهم من الداخل قد تكسّرت وتآكلت، وكأنهم أجساد آيلة للسقوط. لم يعد أي منهم للمطعم. جاء مدير وعمّال جدد، فاختلف طعم الأطعمة في أفواهنا، وغصّت بها حلوقنا! ومنذ يومها بدأت القلاقل، والمظاهرات الشعبية، يتجمع ذووها من المعسكرات والقرى المحيطة، على شكل جماعات، كل جماعة ترفع علماً؛ فهؤلاء التحريريون يرفعون علماً أبيض، وأولئك الإخوان يرفعون علماً أخضر، وآخرون قالوا عنهم إنهم شيوعيون، رفعوا علماً أحمر، وعليه منجل وشاكوش، وأولئك قوميون عرب، لا أذكر إذا كان لهم.. وجماعات ليست لها أحزاب، يقال إنهم مستقلون، وآخرون كانوا ضد المظاهرات، قالوا عنهم إنهم مندسّون. وبالمقابل كان جيش والي عروبستان، يقف مدججاً بالأسلحة المختلفة، معبئاً مستعداً، ولكن لكل حادث حديث . كنت صغيراً على فهم ما يدور. كنت فقط أشاهد وأسمع ما يقولون، وكانت المظاهرات بأعداد هائلة “الناس بتُهدُر هَدِر” تسير من القرى المحيطة، قرية أنصار9 وقرية أنصار12 ومعسكر أنصار13 ومعسكر أنصار17 وقرية أنصار 19، 24، 21 بأتجاه مدينة أنصار17 ليتجمعوا هناك؛ كل مجموعة ترفع علمها، وتهتف هتافات لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر! ” لا إله إلا الله، محمّد رسول الله”!
” أيزنهاور لا تتآمر، فليسقط الكلب كلوب “!
” أمه عربية واحدة، ذات رسالة خالدة “!
” الخلافة الإسلامية، والتغيير الشامل هو الحل “!
” إلى الأمام يا عرب إلى الأمام! عرب عرب! نحن العرب”!
” فلسطين عربية..! ما بدنا إقليمية..بدنا وحدة عربية “!
وقال أحد المشاركين:” إن الوالي غاضب من المظاهرات.” وقال آخر:”هؤلاء المرافقون يعملون مخابرات للوالي، وإنهم يراقبون الناشطين في المظاهرات نهاراً، وسوف يتسللون إلى بيوتهم ليلاً ويلتقطونهم من فراشهم ويرسلونهم إلى…!”
لم يكن يا عذبة أبناء جيلنا يفهمون في السياسة، وأما نحن أبناء أبو عنان، فكان توجهنا السياسي في الأشغال الشاقة، في الزراعة والحصاد و..! كان والدي يوقظنا في الخامسة صباحاً:” قوموا أطفئوا السراج قبل أن يطلع الفضاء، دعوه يتفرغ ليصلي الفجر. قوموا إلى العمل! العمال بدأوا العمل وأنتم نائمون “! تقوم أختي فضيلة، فتطفئ السراج، والذي هو أشبه بسراج علاء الدين الأسطورة. كنا نقوم من النوم، وثقوب أنوفنا سود لكثرة استنشاقنا دخان السراج الأسود، طوال الليل… تحمل أختي فضيلة مستلزمات العمل وماءً الشرب، وأحمل أنا فأساً، ويحمل أخي عنان مواد زراعية أخرى، وإذا كان هناك بذار قمح، أو موادّ ثقيلة، فكان والدي يحملها على ظهر حمارنا الأبيض الضخم، المُعَدّ للأحمال الثقيلة ، والذي كان يعتبر عندنا القاسم المشترك الأعظم لكل أعمالنا، فنذهب كلنا معا إلى الجبل، نعمل في أرضنا الجديدة مع العمال المستأجرين بالمياومة، فإذا كان الموسم زراعة، زرعنا، وإذا كان حصاداً حصدنا، وإذا لم يكن هناك موسم، فمطلوب منا أن نعمل دون عمال مستأجرين، ننكش ونزرع أشتال البندورة الصيفية، ودرنات البطاطا الشتوية، والدخان الهيشي.
وفي موسم البطاطا، كنا نجرِّف كومة قمامة المعسكر المتراكمة إلى جوار محرقة النفايات، ونفرشها داخل أثلام زراعة البطاطا، فنوفر على عمال الوكالة حرقها، ونوفر على البيئة دخان المحروقات. استهلكنا مزبلة المعسكر كلها، واختفت رائحة الضباب الخانق من المكان، ولم نحصل على جائزة بيئية، أو وسام من جمعيات البيئة، لأنه لم يكن أحد يومها يعرف ما هي البيئة، ولم يعلم أننا أول من عمل فيما يسمى اليوم، إعادة تحليل النفايات .
كانت أبخرة القمامة تتصاعد ضبابية من فوهة أتون كومة الزبالة، فتخنق روائحها المخمّرة النتنة جو المكان، وتحتل رئاتنا، فتتخدر حاسة الشم لدينا، وتصير بعد ذلك نوعاً من الإدمان، فإذا غادرنا المكان، وانطلقنا إلى المدرسة، وشممنا الهواء النقي، فإننا نصاب بنزلات البرد والإنفلونزا والكحة المتلاحقة! وما هي إلا ثلاثة أشهر، حتى يأتي موسم حصاد البطاطا. وذات مرة، وزن أبي درنة بطاطا ضخمة من منتجاتنا، فكانت كيلو غراما واحداً! وكان ذلك رقماً قياسياً في وزن درنات البطاطا آنذاك.
أنتجنا بطاطا كثيرة، عبأ أخي عنان خُرج الحمار بالبطاطا، وركب فوق الخرج، وأنطلق بأمر والدي إلى قرية أنصار 15 المجاورة، ليبيع البطاطا. كان ينادي بأعلى صوته، وهو يركب فوق خرج الجحش: ” بطاطا …بطاطا ، الكيلو بثلاثة قروش، والرطل بسبعة قروش “! وبسرعة باع الكمية كلها. وهكذا توالت المبيعات. كان عنان هو المسؤول عن مبيعات البطاطا والبصل والبندورة، يجوب القرى المحيطة على ظهر جحشه، مثل(دونكيشوت سرفانتيس)، الذي كان يحصد الخيبات في رحلاته، وأما (دونكيشوت أبي) فكان يحصد القروش الكثيرة إثر كلِّ جولة قروية.
يستمر عملنا من الخامسة صباحاً، وحتى السابعة والنصف صباحا، وعندها يقول أبي:” يالله روحوا عالمدرسة”! فنترك ما بأيدينا من أدوات ومواد زراعية، ونركض من الجبل إلى البيت، مثل “الملاطيش” نغسل وجوهنا وأيدينا من التراب والغبار، ونحمل كتبنا، ولا أذكر إذا كنت أفطر، أم لا! ذلك لأن الوجبة الرئيسة المنتظرة، هي وجبة الغذاء في مطعم الوكالة. أخرج إلى المدرسة راكضا! كان العمل في جبل، والبيت في جبل ثانٍ، والمدرسة في جبل ثالث. أصل إلى المدرسة متأخراً وأنا ألهث، فيستقبلني الأستاذ عبد الله الأطرش؛ المعلم المناوب، والواقف في “زقم” المدرسة ، لاستقبال المتأخرين ساخراً ومتوعداً :” أهلا أهلا! متأخر يا ولد! تعال هنا . افتح يدك!” أفتح يدي يا عذبة، ويرفع المعلم يده شاهراً عصاه – وهو مؤشِّر لوح المدرسة الكبير- الذي يرتفع ويرتفع في ناظري، حتى يصل إلى عنان السماء، ثم يهبط كالصواريخ الإسرا أمريكية الساقطة من السماء، على ملجأ عامرية أطفال بغداد وقندهار وكابول وبحر البقر ومصنع الدواء في السودان والقنيطرة وقانا ورام الله ومخيم جنين ورفح، وتسقط أيضاً على يدي! فأشعر أن شيئا من عظام يدي قد انكسر! أصرخ وأصرخ تحت الضربات الجوية! والأستاذ عبد الله الأطرش، يرفع مؤشر اللوح الضخم إلى أعلى، ثم يوقع الضربات على يدي الصغيرة، وبعد أن يشفي غليله مني، يركلني “ببوز” حذائه على مؤخرتي ، وهو يقول :” إنشرط إلى صفك “! فأنشرط حاملاً كتبي، وأنا أبكي من الألم الذي يسري داخل جسدي النحيل كله، غير قادر على ثني أصابعي، لتحفظ الكتب من السقوط، وأدخل الصف متأخراً! أجلس بين حوالي أربعين طالباً من زملائي، وأنظر إلى الأستاذ ماجد الخيزراني.
لم أكن أفهم ما يقوله، فانا ملخوم مدووش مضروب! أفكاري منعثلة! ينتبه الأستاذ ماجد لشرود ذهني خارج الدرس فيسألني: “هل فهمت الشرح يا عماد “؟ فأجيبه:” نعم فهمت “. وأنا في الحقيقة لم أفهم أين أنا؟ ولا من هم حولي! من شدة الإرباك والتوتّر والإجهاد، من الخامسة صباحاً، ومنذ أن راح سراج علاء الدين يؤدي صلاة الفجر، وأنا أؤدي صلوات، لا أول لها ولا آخر في الأعمال الشاقة.. فما هي المدرسة، وماذا يقول الأستاذ، وماذا يقول الطلاب عني؟ هذا لا يهم، فأنا كما يبدو، آتي إلى المدرسة، فقط لأستريح من عناء التعب، وكي آكل في المطعم عند الظهيرة، ومن ثمّ، يخلق الله ما لا تعلمون! ولكن هذا المعلم لا يفهم ما بداخلي! يريد أن يُفهِّمني، ولا يريد أن يَفهَمَني!
” ما دمت قد فهمت، قم وأعد علينا موجز الشرح”.. فيقول لي حمدان الجالس إلى جواري على الدُّرج ساخراً:” جاءك الموت يا تارك الصلاة “! ويقول ربحي الجالس إلى يساري:” قم ازرع له اللوح بطاطا وقمح “! فتضحك جدران غرفة الصف المحيطة بي من الجهات الأربع، بينما أقف كالأطرش في الزفّة! لا أجيب بشيء، ولا أعرف عمّا يتحدّث، فيتجه الخيزراني نحوي، ويصفعني على خدّي الأيمن، فأدير له الأيسر، تيمناً بالمسيح عليه السلام، وبعد أن يشفي غليله مني، يقول لي:”غبي، حيوان! أنا كالفرزدق أنقش في الصخر! عقول مثل الصخر! لكن الصخر نقي ونظيف، بينما عقلك متعفن “! لم أكن أفهم ما يقوله، ولا من هو الفرزدق، ولا من هو جرير، بل أشعر أنني أتردى جالساً على محفّة من الزبالة، يدوي في سمائها الذباب كخلية نحل يقرصني مهاجموها في وجهي وفي يديّ ورجليّ وكل أنحاء جسمي القابلة للاستخدام، والأولاد يهيجون فوق الكراسي وفوق الطاولات ويشجعون فريق لاعبي طابة الشرائط والهدّاف يقف متشنجاً في وجهي وكلهم يصيحون باصوات يتردد صداها جووووووووووووول والغبار يسد في وجهي كل الطرقات فلا أعرف أين أمضي في هذا الجو الخانق فأبقى قاعداً هكذا أعرض بلاهتي ولامبالاتي بما يحدث لي والمعلِّمون كلهم يهجمون عليّ وأحدهم يضربني بمؤشر اللوح والآخر يخلع نعله ويضربني حتى ينخلع النعل على وجهي وينخلع وجهي وينشق بالنعل ويصير شقين يفصلهما هور سحيق لا يستطيع المعلم أن يقفز من ضفته اليمنى إلى ضفته اليسرى وتتصاعد من قاع الهور أبخرة وضباب كثيف يشكل غيوماً سوداً تسقط أمطاراً رمادية والمعلم الثالث والثلاثون يقذف في وجهي سلسلة مفاتيحه الثقيلة والمربوطة بسلسال طويل فيلف السلسال حول عنقي فإذا به حيّة لا تسعى بل تلتف على عنقي وتشد بينما رأسها يقف في مواجهة وجهي وعيناها الصافيتان تتلاعبان أمام عينيّ الزائغتين وشعرة لسانها ذات الشعبتين تلعق أنفي وتتذوق المخاط النازل منه والطلاب كلهم يتكاثرون حول طعام المطعم المُكَوّم على الأرض مخلوطاً بالحصى ويأكلون بشراهة وجشع مخيف ومن خلفهم يأكل الدجاج والأرانب وجحش أبو الجمّال يأكل قشر البطيخ والذباب والدبابير والطير كل يستخدم مخالبه ويديه ويفتح فمه ويحشوها بمخلوطات سريالية من الطعام وجدتي تصرخ فيهم؛ قتلتم الولد قتلتم الولد فينفَضّون عني ويعود إليّ صفائي، وأحمد الله أن الضرب قد انتهى، فأنا لا أستطيع أن أميِّز الضرب النازل عليّ من الخيزراني، من ضرب عبدالله الأطرش، من ذهاب سراج الكاز ليصلي، من عُلاقة الزبالة بالبيئة! لم يكن لدي وقت للتمييز بين هذه البلاوي المتراكمة بتسارع فوق رأسي، كنت أحاول الاتِّقاء قدر ما أستطيع، ثم أدع الخلق للخالق، فما دمنا عبيده، فهو الذي يتصرف بنا كما يشاء! وهكذا كنت أستمر بهلولاً منطوياً أخرس غير قادر على التحدُّث والتعبير عما يجول بخاطري، مثل شخصية (حنظلة) ناجي العلي، أشعر أنني أدير ظهري لهذا العالم المجنون، ولا أريد أن أرى جنونه، وحركته غير المنطقية، وغير المعقولة، وغير المقبولة، والتي لا تحتمل. كنت أعيش بلا مزاج بلا لون بلا طعم بلا رائحة، بلا رأي، وحتى لو كانت لديّ آراء ومواعظ ، فمن الذي سيستمع إليّ ؟ فأنا لا أجد أحداً يجلس إلى جواري ويسألني عن حالي أي سؤآل، بل كنت أواجَه دائماً بالأوامر، وأبي يصرخ في وجهي ؛ قم! أقعد! رح! تعال! والأستاذ عبد الله الأطرش يصرخ في وجهي؛ إخرس ولا! ولكن الأستاذ سامي لم يكن يقول لأحدنا إخرس ولا! بل كان يقول كلمة أخرى هي؛ إنشرط ولا! وكان يلتغ بحرف الراء فتصدر منه إنشغِط ولا! فننشغِط. ولهذا قتلوا ناجي العلي، لأنه رفض أن ينشغِط، فشغطوا الذي خلّفه، وتاه حنظلة بلا وليِّ أمر، يقول له: اطفيء السراج ودعه يذهب ليصلي!
هذه الدوامات اللامعقولة، هي التي بلورت عقدة اللاجيء الفلسطيني، وهذه اللكمات والحرائق والصدمات المتلاحقة، هي التي شوّهت وجهه الذي كان جميلاً، كباقي وجوه عباد الله المسعدين. وأما أنا فلم يكن عندي الوقت للتمييز بين القمامة التي ندفنها تحت درنات البطاطا، وبين السؤال المحيِّر:
” لماذا يطعموننا مجاناً في مطعم الوكالة؟ أإلى هذا الحد يشعرون بعذاب ضمير الجريمة “؟ بقيت قاعداً لوحدي أسأل الله تعالى:
” لماذا يا ربي تمطر عندهم في عز الصيف، يوماً بعد يوم، وتضِنُّ علينا بقطرة ماء حتى في عِزِّ الشتاء؟
لماذا أرضهم نجيل أخضر، وأرضنا صحراء قاحلة؟
لماذا عندهم برك سباحة دولية، وعندنا قوات دولية متعددة الجنسيات ؟
لماذا ترزقهم بالديمقراطية، وتبتلينا بالدكتاتورية ؟
لماذا يدخلون بلادنا لذبحنا، دون إحم ولا دستور، ثم يمنعوننا حتى من تأشيرة دخول سياحية إلى بلادهم ؟
لماذ عندهم (أنهار من لبن، وأنهار من عسل مصفّى، وجنات تجري من تحتها الأنهار.) وعندنا جفّ النهر العظيم، خلال ستة أيام، ثم استوى على الـ..؟
لماذا يهرب مهاجرونا الجوعى من الجنوب إلى الشمال ، فيشاركونهم في الابتكار وصناعة القطارات والحواسيب والطائرات والصواريخ المسافرة إلى جهنم، وعندنا لا يوجد مصنع لسراج علاء الدين الذي ذهب ليصلي”؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق