قراءات ودراسات

المرأة إنسانة وريحانة

د.سنا الحاج

ألقت المرأة بما ثقلت من الموروثات الجاهلية قبلها وبعدها، على عاتق الباحث يحيى جابر، فقام ناهضاً ناقداً ومدافعاً بشراسة عن المرأة وانسانيتها، في كتابه “ناقصات عقل ودين”؟! الصادر عن “دار أبعاد”، فانتقد الموضوعات التي تثير تساؤلات مشروعة ومحقة تحتاج الى أجوبة، واستفاض في الادلة والبراهين غير المرتجلة، مستنطقاً الدين من خلال الاحاديث المنسوبة الى النبي محمد، ومستنبطاً مجتهداً في استقراء النصوص، بعيداً عن الاساطير والتقاليد. ويهدف جابر الى تنقية صورة المرأة من الشوائب والعودة بها الى الأساس، الى المرأة الانسانة التي خلقها الله كما خلق الرجل، والى التوازن العقلي والمساواة بالانسانية بين الذكر والانثى، فكلاهما انسان وخليفة الله في أرضه… ولأن المرأة ليست “ناقصة عقل ودين” كان كتاب جابر محاولة لرفع الظلم الواقع عليها، ولئلا يكرس النظرة الدونية الى المرأة بعض الفقهاء والمؤسسات الدينية التي اتبعت تمييز الرجل تفاضلياً في الحقوق والواجبات، وما استتبع ذلك من قراءات وأحاديث تحملها وزر الخطيئة الاولى، ومن انها فتنة، وشر لا بدّ منه.
كما ينقد جابر ثقافة المجتمع الذي يعد نفسه تقدمياً، لكنه جعل المرأة مادة اعلانية واغرائية وتسويقية، ومجرد اداة وسلعة، وعلى ذلك تتكامل الثقافتان في الحط من قدر المرأة – كانسان، وتنال من مكانتها ودورها وكرامتها في اعمار الحياة.
وتندرج محاولة يحيى جابر هذه في سياق التفسير والتحليل والمقارنة والنقد، فيقسم حديثه الى مستوى التجربة التاريخية من ناحية نظرتها الى المرأة، ومستوى المقارنة بين النص والحديث.
أولاً – قدّم التجربة التاريخية بتمهيد عارضاً حركة الفكر في التاريخ والمقارنة بين “اهل الرأي” بزعامة المعتزلة، حيث كان الاجتهاد بالرأي والنظر العقلي في مسائل التشريع، و”أهل الحديث” ورائدها احمد بن حنبل، وتسمى مدرسة النقل وهي بخلاف اهل الرأي حيث بالغ بعضهم وجعل الحديث مقدماً على القرآن نفسه.
بعد هذا التمهيد عرض جابر التصور الديني للمرأة في التاريخ والحضارات، بدءاً بالمجتمعات القديمة قبل ظهور الرسالات، حيث عانت المرأة ظلماً كبيراً وعوقبت، ثم مجتمع اليونانيين حيث حرمت المرأة من التعليم تباع وتشرى في الأسواق، الى بلاد ما بين النهرين حيث احتقرت المرأة واعتبرت انها لم تخلق إلا لاسعاد الرجل.
ثم عرض صورة المرأة في التوراة ملحقة وتابعة للرجل، لانها عصت وصية الرب الإله وارتكبت الحرام فوقعت واوقعت معها زوجها في الخطيئة.
الى المرأة عند العرب في الجاهلية: حيث النظرة التشاؤمية من ولادة الأنثى، وكانت بعض القبائل تئد بناتها عند ولادتهن… والعرب مثل غيرهم كانوا يفرحون بالولد الذكر ولا يقرون الاختلاط بين الرجال والنساء، لان المرأة ليست نداً للرجل.
ثم صورة المرأة في التاريخ وبالاخص في الجاهلية ليقول ان بعض تلك السلوكيات ما كان يستطيع الاسلام في سنواته الاولى ان يغيرها دفعة واحدة، ولعل بعض الاحاديث والتقاليد ما زالت الى يومنا هذا وقد تغلغلت في نفوس البعض وتناقلت عبر الاجيال.
ثانيا – المرأة في الفكر الاسلامي ووجود تناقض بين القرآن والحديث: “يرى جابر ان هناك تناقضا بين الاحاديث المنسوبة الى النبي عن المرأة، وبين النص القرآني، فالمرأة بموجب الاحاديث لم تخرج اطلاقا عن التصور التوراتي باعتباره ان “الرب” الإله خلقها من ضلع آدم والاضلع عموما بها عوج اي لا يوجد فيها استقامة، والتبعية للذكر الذي عليه ان يقبلها كما هي، لذلك لا يتعجب جابر بان تعد النساء في ثقافة واضعي الحديث “ناقصات عقل ودين” و”افتروا على رسول الله ونسبوا هذا الحديث اليه”.
ورأى انه يناقض ما جاء في القرآن من تكريم للانسان ذكر وانثى، وهذا الحديث من مظاهر الافتراء على النبي كما راى جابر والكثيرون، ومن الافتراء ايضا ان الغيب “لا يعلمه الا الله سبحانه وتعالى بشهادة النصوص القرآنية”.
ويستشهد جابر بمعاملة النبي لزوجته خديجة حيث اودعها سره عندما نزل عليه الوحي للمرة الاولى فوجد فيها الثقة والعون والطمأنينة… فكانت أول نفس آمنت، وكان شديد التقدير للمرأة كأم وهو القائل: “الجنة تحت أقدام الامهات”، وهو الذي فضل البر بالامهات على البر بالآباء.
وفي مسألة سطوة الاحاديث والتقاليد والاعراف سئل المرجع والفقيه محمد حسين فضل الله عن انتقاد الفقهاء المجددين في فقه المرأة مرجعية العرف الاجتماعي في فهم النصوص الدينية، كما انتقدوا عدداً من الاحاديث لأنها ضعيفة او معلولة سنداً أو متنا، ودعوا الى تحرير أي اجتهاد معاصر من اجتهادات القدامى، والى اعادة النظر في قراءة الاحاديث والروايات.
فكان جواب السيد فضل الله انه علينا “أن ندقق في العرف الاجتماعي، ومدى تأثيره على ذهنية المجتهد في استنباط هذا الحكم أو ذاك، وهكذا لا بد لنا عندما نريد ان ننسب شيئا الى الرسول من أن نوثق هذه النسبة، بأن تكون المصادر لهذا الحديث أو ذاك الحديث، مصادر موثوقاً بها”.
ومن خلال النصوص يعيد جابر مناقشة عناوين رئيسية تخص المرأة منها:
“الرجال قوامون على النساء”، وفي الميراث: “للذكر مثل حظ الأنثيين” وفي الشهادة: “فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان”.
ويبدو ان جابر حاول ان يناقش هذه النصوص لينقدها، لانه اكتفى بآراء بعض الفقهاء السلبية في تفسيرها، واصحاب النظرة المحدودة فيها، بالرغم من انه كان قد راجع تفسير السيد محمد حسين في مسألة تحريم المصافحة دون غيرها من المسائل، مع العلم ان للسيد آراء متقدمة جديدة في هذه الموضوعات وتفسير هذه النصوص مما لا ينقص من قدر المرأة شيئاً، ان من ناحية قوامة الرجل على المرأة، أو في العمل السياسي، أو في الميراث، أو في الشهادة، وكلها تفسيرات علمية وموضوعية ترفع من قدر المرأة وتحضها على الانفتاح والخروج الى العمل جنبا الى جنب مع الرجل. وأكثر من ذلك فالســـــيد فضل الله لا مانع عنده اذا بلغت المرأة مرتبة الاجتهاد من ان تكون في موقع المرجعية، ويؤخذ برأيها وان يرجع اليها في الافتاء، وهو من قبيل رجوع الجاهل الى العالم.
وكذلك في تولي المرأة القضاء، ويتحفظ عن الحديث الذي يقول: “لا تولى المرأة القضاء”.
ومن الطبيعي جداً ان يكون الاختلاف في الاجتهاد بحسب الزمان والمكان مرتكزاً على اختلاف الثقافات البيئية حينها، ولا بد من دراسة جديدة وتأويل عقلي علمي منطقي من الباحثين ودراسته من كل جوانبه وقواعده العلمية.
وربما على المرأة أن تنسى أنها امرأة، وتصبح ذات نفس انسانية، كإنسان ماهيته العقل والعلم والعمل، تتقوّم ماهيتها بانسانيتها وارادتها بثقل صفاتها الاخلاقية والعملية، وبذلك تصبح نداً للرجل، ولعله حينها ينسى الرجل ايضا انها امرأة يلحق بها الموروث الجاهلي، والنقص العقلي أو الديني.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق