قراءات ودراسات

أصابع سميحة السحرية..

محمد الغربي عمران*

سميحة خريس روائية عربية.. عرفتها في البدء من خلال حديث صديقة مشتركة.. د” وجدان الصائغ” التي كانت تعمل في كلية الآداب بجامعة مدينتي “ذمار” باليمن .. قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. قرأت عدة أعمال سردية لخريس قبل  روايتها” يحيى” التي بعثت لنا حياة وعذابات أليسوع من جديد في شخصية يحيى.. عمل روائي متفرد..فعلى مدى 452 صفحة يبدأ فيها الراوي بمشاهد ولادة “يحيى” الشخصية الرئيسة للرواية.. في أيام اجتاح وبأ “الطاعون” منطقة الكرك ليحصد عدد كبير من سكانها .. كان ذلك في عام 1575م.. لكنها أم يحيى “نفل” التي تموت وهي تخدم بمنزل “اوطة” عثماني  مقابل مشخص ذهب .. يوضع في إناء ماء ويغلى ليسقى يحيى رقية حتى لا يموت مثلما مات قبله إخوته الذكور.. لتحل “مريم” أخته الوحيدة محل أمه.. تعتني به وتحميه وأبوها الطحان…

توظف خريس الخرافة والمعتقد الشعبي .. بل وتأثث روايتها بشكل ممتع بذلك العلم المدهش .. لتنقل القارئ من حياة معاصرة إلى ذلك الزمن بكل تفاصيله وصراعاته الصغيرة والكبيرة.

لتبدأ الرواية مثل كل عمل روائي ناضج.. مع تشكل الشخصيات.. وتعدد الأحداث.. تنتهي بناء إلى شخصية محورية.. وإلى غاية الأحداث التي بها تصل بالقارئ إلى ذروة الشراكة والتفاعل لا كمتلق.. بل كشريك متفاعل.. ومحلل.

كنت قد أكملت قبل أيام قراءة رواية سميحة “دفاتر الطوفان” المسكونة بالمجتمع الأردني والموروث الأصيل وخصوصية فيلادلفيا.. لقد استمتعت فنياً وموضوعياً بدفاتر الطوفان.. لكن رواية يحيى.. أخذتني إلى عوالم من المتعة الموضوعية.. والفنية.. ما لم يسبقه أي عمل آخر- ربما على حد قراءاتي- فقد قادت ذهني إلى تلك الغايات التي هدفت خريس  معالجاتها.. حين تدعو تجتمع تلك الروافد في تقديس الجمال كقيمة خلاقة في روايتها.. وبين الدعوة إلى نبذ العنف والاستغلال ..وغرس قيم الخير والسلام وهي تكشف لنا جوهر القيم الإنسانية العظيمة في الأديان على عكس ما يروج له بعض الغلاة.. لتكشف لنا أن الفكر المتطرف يعيش ويترعرع في كل زمان ومكان .. ولا يقتصر على مجتمع أو أتباع ديانه بعينها.

لتحلق بنا من أرض الأردن إلى أرض التيه”سيناء” من خلال يحيى هاربا ثم في رحلته إلى قاهرة المعز.. لتعود بنا في عودته الى الكرك.. ثم  تتجه شمالا حتى دمشق شريدا يعذب  تحت ظل أوامر رجال الدين.. وتنتهي بنا خريس نهاية يسوعية مؤلمة حين  تبتر رقبة يحيى.

نسافر بنا سميحة مع يحيى وعذاباته.. إلى زمن الكرامات ومسيرة الإيمان والعذاب والدم والسيف.. تجعلنا شركاء معها ..نفكر أي مِنْهم سينتصر .. يحضر المسيح.. ويحضر الحسين.. وتحضر شخصيات تاريخية كثيرة في شخصية يحيى.

تدعونا هذه الرواية إلى أن نضعها في مكان قريب منا  لنكرر قراءتها مثلها مثل  الأعمال الإنسانية .. تذهلني تلك اللغة الجزلاء.. لغة روحانية  أشعر بها في أعماقي.. وأحس بصدقها.. وقد استطاعت أن تفرق بين لغة الفقيه الشافعي.. وبين الحنفي.. وتطوِّح بنا في لغة صوفية متقنة.. وبين لغة السوقي.. والفقيه.. والبدوي..  .. والنصراني.. تدفعني كل تلك القدرات إلى السؤال : ” أي قدرة تلك التي امتلكتها خريس في تعدد الأصوات ؟ فقدجعلت من شخصية عالم من الجمال والمتعة  قائما بحد ذاته.. وكم تمتلك من أصابع حتى تشد كل تلك الشخصيات بخيوط  غير مرئية..”

هي المرات قليلة التي التقينا بها وسميحة في عمان في ملتقيات القصة ..القاهرة ملتقى الرواية .. الرقة في الغجيلي.. قد تكون هناك مشاركة رابعة ..ودوما ما يكون  الصديق سعود قبيلات حاضرا.. هدى الخوري..النسور.. النعيمي.. رفقة دودين..جميلة..   وبعض الأصدقاء.. يدور الحديث عن المشاركات .. بعض الأعمال ..تجربة سفر.. ومشاركة.. كأي امرأة معاصرة سميحة.. تتحدث عن همومها عن أمالها ..طموحها.. لكنك حين تقرأها لا تجدها كما تجد العديد من الكاتبات والكتاب.. تجد حضور شخصياتها لكاتبة مثقفة.. وغزارة معرفية تنعكس على  تلك الشخصيات في محيطها.. ففي يحيى مثلا كنت أبحث عن خريس على اعتبار أن الروائي هو رب العمل وخالقه.. أبحث عن تلك الشخصية  في يحيى .. فلا أجدها لكني أقف منبهراً من قدرة الصانع على تقمص تلك الشخصيات لتتجلى قدرتها في التنوع والإتقان فيحيى استطاعت خريس أن تقدم شخصيته بكل أبعادها الإنسانية ..بثقافته الروحية.. بعبقريته بإيمانه العميق.. حتى بأسلوب كلامه المختلف.. بالمقابل تجد مريم شخصية مختلفة.. ولا أقصد هنا ..غير تلك اللغة واختلاف ثقافة الشخصيات  من خلال أفكارها مفاهيمها للحياة .. علاقاتها بمحيطها.. حواراتها.. وهكذا بقية الشخصيات: نفل وعيسى الطحان ..شلبي ..هفوف.. صايل.. مصعب.. متعب.. منصور.. مقبل.. زيد  ..وجعفر ..جمان  ..جعفر النقاش.. صالح الدواج..  وبقية الشخصيات الثانوية..

زينب.. راجح.. نعمات ..برهوم.. الهواري.. الدواج.. شهناز..علان.. أبو سندس.

ليجد القارئ نفسه أمام سجادة نسجت أشكالها الدقيقة بألوان وخيوط  غاية في الدقة والجمال.. لتقدم لنا خريس أبطالها كشخصيات متفردة الطباع والأمزجة والتوجهات .. ولتتجلى قدرتها على التواري حد الإدهاش.

فمن الذي ابتكر الشخصيات ومن الذي أعطاها كل تلك المعارف.. من جعل الشخصيات مختلفة عن بعضها حتى في أسلوب حديثها وإستعراض أفكارها.. وطرق تفاهمها.. لقد قدمت خريس من خلال شخصيات روايتها ..ثقافاتها وأمزجتها واختيار كلماتها.. أليس هو الكاتب ؟.. فمن أين للكاتب تلك الثقافات.. كعلوم الطب.. رجل الدين خاصة مثل يحيى وفقها الأزهر والأموي.. بدو الصحراء.. شخصيات الدرك العثمانيين.. أبناء المهن في أسواق القاهرة ودمشق.. عقلية المسيحي…الخ

لقد رسمت الروائية شخصية يحيى محباً لقيم الجمال.. تهفو روحه لكل ما له علاقة بالسمو .. فجمع بين الصوفية والخلق والإنتاج.. بين التأمل من خلال التفاصيل الصغيرة .. والثورة لا السكون.. وكان له عالمه الذي أجادت خريس رسمه.

تذكرني رواية يحيى.. برواية النبطي ليوسف زيدان التي أتت كظلال باهتة  لروايته “عزازيل”. ورواية النبطي تعالج بدايات ظهور الديانة المحمدية.. الصراع بين القوى العظمى آن ذاك والديانات.. كما تعالج حياة الأنباط كتجار ربطوا جنوب الجزيرة العربية بشمالها كما ربطوها بمصر.. وتقدم الصلات بين سكان مصر وسكان شبه جزيرة العرب.. كما تعطينا تصور لنهاية الأنباط كأقوام لهم ثقافتهم وأسلوب حياتهم. وكذا تعطينا (النبطي) تصور عن كيفية تفرقهم وذوبانهم في مجتمع جديد.. والرابط بين الروايتين.. المكان .. شرقي نهر الأردن أو الأردن الحالية.فقد كانت رحلة يحيى أو هروبه من الكرك باتجاه التيه سيناء ثم مصر.. وكانت رحلة … عكسية بعد زواجها بالبدوي  حيث رحل بها من مصر إلى الأنباط.

هنا نجد عبقرية  المكان وأهميته للروايتين..وإن أختلف الزمان.. وكذلك تطابق  الفكرة أو المحور الذي قامت عليه الروايتين من خلال شخصية النبطي ويحيى.. والملفت تسمية الروايتين بأسماء شخصياتها.. بل الشخصيات التي لها البعد الفكري والروحي.. فالنبطي أوحت تصرفاته وأسلوب حياته  بنبوته.. وكذلك ما كان يتفوه به .. ويحيى باقترابه من كل  ذلك.

وإن كان يحيى  هو الشخصية الرئيسة.. إلا أن خريس تجاوزت ذلك إلى عدة شخصيات محورية ، ولم تلتزم بالبطل الأوحد كما هو دأب الرواية العربية ومن تلك الشخصيات “مريم”.. التي تضع القارئ في التباس .. هل ترمز إلى مريم العذراء.. ومريمنا لم تكن بالكائن المهادن ولم تقودها فتوتها إلى مغامرات عاطفية رغم أن القارئ كان يتوقع في كل لحظة.. ومريم العقل الذي ظل يوجد المخارج لبقاء يحيى على قيد الحياة.. وهي كذلك من غرست في روح يحيى حب الفن والجمال والتفكير.. وهي النساجة للبُسط تزرع فيها الألوان من روحها وهي الحكيمة المداوية.. وهي شخصية جمعت في ذاتها عدة أوجه.. ثم تأتي هفوف  وجمال ورقة صوتها الذي فتح مع حبها للرقص أبواب عذابها وفراقها كأمة تنتهي حياتها نهاية طبيعية من الأستانة إلى القاهرة ، ثم تعود في غياب أخويها إلى الكرك.. إضافة إلى متعب ابن صايل مختار القبيلة  الممثل للدولة العثماني في منطقته.. وما مثلت تلك الشخصية من دور عدواني وعنيف من خلال رسم الخطط للتخلص من يحيى ومطاردته طوال حياته.. وإذا ما  تجاوزنا تلك الشخصيات وغيرها فإننا نجد أيضا    أن الموضوع يمكن أن يكون  هو الشخصية الرئيسة التي قدمته لنا الرواية .. هذا إذا غضينا الطرف عن حضور المكان  بكافة أبعادة.

وموضوع رواية يحيى يذكرنا بموضوع رواية ” إني أحمر ” للتركي باموك .. حيث تقدم لنا اسمي أحمر قضية الفن والحرية وعلاقة ذلك بالدين .. وفي يحيى ظل موضوع الفن والجمال هو المسيطر منذ أسطر الرواية الأولى.. وظل يحيى منجذبا بل ومسحورا بكل نبض فني يحس به ويلاحظه .. فهو في الكرك قبل هروبه إلى سيناء نراه مرهف الحس متأثرا متأملا بكل ما يصادفه من كلمات وعبارات من خلال كتاب “عيون لحكمة” تلك اللقية التي قدمها له الراعي مقبل نظير تعليمة خط اسمه.. والذي فتحت له أبواب التذوق والتأمل والشعور بالسير على طريق يختلف عما عرفه من حوله.. متأملا عباراته ” مادامت الحيرة تقودني فلن أتوه”.. وحين كان يسامر رفيقه الراعي مقبل في أماسي صحراء سيناء.. وقد تعلق قلب مقبل بالبدوية شهاوي.. يهمس  يحيى الدائخ في سحر الكون من حوله:” للقلب خفق كما جناح عصفور.. يطير أبعد من النجمات التي ترى .. إلا أن العيون تسور الرؤى وتحدها”

يخالط يحيى الرهبان في دير سيناء يسمح له الرهبان بحضور صلواتهم وقداس الأحد يقلب بعض مخطوطات الدير.. يعتزل أسابيع في صحراء التيه.. تسحره أصوات بدو سيناء في طقوس مناجاة الله لجلب المطر أغاني الأعراس..  غناء حادي القافلة..  صحراء التيه صقلت روح يحيى وقربته إلى ما يهفو إليه .

تجذب روحه تلك النقوش على صفحات النحاس حين يصل المحروسة.. ليرى الأهرام.. ويدخل تلك الممرات المنقوشة بحياة الفراعنة وطقوسهم.. ” رأى نفسه على ظهر سفينة فردا.. يبحر في امتداد رملي .. والفضاء حوله يتقلب أرجوانيا وأزرق في سواد حالك .. تتنازع بصره وبصيرته أسياف النور.. وأعمدة الظلمة .. وتطوح ذراعيه مثل شراعين لا يقلعان .. أو جناحين زغبيين لا يطيران.

حين سار يحيى في شوارع القاهرة عابرا أبوابها إلى شارع المعز لدين الله الفاطمي.. وقف فاغرا فاه أمام أحد شيوخ النقش على النحاس.. مسحورا بتلك النقوش على أواني النحاس.. تقوده خطواته ليقف أمام الشيخ يوسف الذي التفت ليدرك في ملامح الفتى النشوة وقد تعلقت عيناه بنقوش تلك الأواني.. أدرك جعفر النقاش صاحب المحل بأنه وقع على ابن كار.. ليستخدمه في حانوته ويكتشف بعد أيام أنه أكبر من ابن كار وأنه وقع على فنان.. يقدس الجمال.. لتخرج تلك الصفائح من بين يديه آيات فنية  غاية في الجمال.

وهكذا ظل الفن والجمال والحرية محور رواية خريس ..على مدى صفحات الرواية يشد القارئ خيط من المتعة والتشويق..حين يرتحل يحيى من قاهرة المعز.. لم يكن مفارقته للمدينة إلى خوفا من فقهائها وجمود عقولهم.. وتحجر أفكارهم ورفض رسالة الدين الحقيقية .. تلك التي تهدف إلى عزة الإنسان وصون كرامته وحريته.. من خلال إشاعة الحب والجمال وقيم الحرية.. وخوفا على حياته فارق القاهرة عبر صحراء التيه سيناء إلى الكرك  شرقي نهر الأردن.. ثم سفره خفيه ورفيقيه  إلى الفيحاء هربا من بطش رجال الدولة العثمانية وفقهائها.
ولخريس تحية في يوم احتفاءها.. ولمن فكروا ونفذ وا هذه الفكرة الشكر الجزيل

*روائي يمني / صنعاء

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق