ثقافة السرد

فصل من رواية ( 4321)

بقلم: بول أوستر.. ترجمة:  أحمد م. أحمد

خلال سنواته الثلاث كطالب مدرسة ثانوية في ضواحي نيوجرسي، شرع فيرغسون ذو السادسة عشرة، ثم السابعة عشرة، ثم الثامنة عشرة بكتابة سبع وعشرين قصة قصيرة، أنهى تسع عشرة منها، وخصص ما لا يقل عن ساعة في اليوم لما أسماه دفاتر ملاحظاته، التي ملأها بتمارين مختلفة على الكتابة ابتكرها لنفسه كي يبقى حادّ الذهن، منقِّباً في العمق، في محاولة تحسين أحواله (كما عبّر عن ذلك مرة لـ إيمي): وصْف الأجسام المحسوسة، المشاهد الطبيعية، سماء الصباح، وجوه البشر، الحيوانات، أثر الضوء على الثلج، صوت المطر على العشب، رائحة الخشب المحروق، الإحساس الذي يرافق المرء أثناء السير في الضباب أو الإصغاء إلى لريح تهبّ عبر غصون الأشجار؛ والمناجاة في تضاعيف أصوات الناس الآخرين كي يتمثّلَ هؤلاء الناس الآخرين أو على الأقلّ أن يحاول فهمهم على نحو أفضل (والده، والدته، زوج والدته، إيمي، نوح، أساتذته، أصدقاؤه في المدرسة، والسيد والسيدة فيدرمان)، بالإضافة إلى ذلك ثمة أيضاً آخرون مجهولون وأكثر بُعداً مثل ج. س. باخ، فرانز كافكا، فتاة المحاسبة في المتجر القريب، جامع التذاكر على خطّ قطار إرِيْ لاكاوانا، الشحاذ الملتحي الذي تسوّل منه دولاراً في محطة غراند سنترال؛ محاكاة من يعجب المرء بهم، كتّاب الماضي المُحرِّضين، غير القابلين للمحاكاة (خذي فقرة من هاوثورن، مثلاً، وانسجي شيئاً مبنياً على أسلوبه النحويّ، باستعمال فعل حيثما استخدم فعلاً، اسماً حيثما استخدم اسماً، صفةً حيثما استخدم صفة- كي تشعري بالإيقاع يسري في عظامك، كي تشعري كيف صيغت الموسيقا)؛ تعاقب غريب من المقولات المقتضبة تولّدت من توريات، وجناسات، واستبدال حرف ضمن مفردات: ail/ ale, lust/ lost, soul/ soil, birth/ berth؛ والنشوة الطافحة للكتابة التلقائية بغرَض تفريغ ذهنه عندما كان يحسّ بامتلائه، كما في أربع صفحات من خربشةِ فيضٍ أوحته كلمة بدويّ nomad التي تبدأ: لستُ غاضباً. حتى إني لستُ متكدّراً، لكن أعطني فرصة لتشويشك، وسوف أنبش جيوبك. كما كتَب مسرحية واحدة من فصل واحد، وأحرقها باشمئزاز بعد أسبوع من إنهائه كتابتها، واثنتي وعشرين قصيدة هي الأكثر نتانة في الرائحة من بين القصائد التي كتبها مواطن يعيش في العالم الجديد، والتي مزقها بعد أن قطع على نفسه عهداً بألا يكتب قصيدة مرة أخرى. بصورة عامة كان ينفر مما يكتب. بصورة عامة كان يظن أنه غبي وبلا موهبة ولن يصل إلى شيء في الكتابة، لكنه ركب رأسَه، مُجبراً نفسه على ممارستها كل يوم على الرغم من النتائج المخيبة في معظم الأحيان، واعياً بأنه لن يكون ثمة أمل له إلا إذا ثابر عليها، ذلك أن بلوغه مرحلة الكاتب الذي يريد أن يكونَه لا بدّ سيستغرق سنوات، أكثر من السنوات التي سيستغرقها جسده حتى يتوقف عن النمو، وكلما كتبَ شيئاً بدا أقلَّ سوءاً من سابقه بقليل، ثم شعر أنه يحقق تقدّماً، حتى لو تبيّن أن المقطوعة التاليةَ عملٌ بغيض، ففي واقع الأمر لم يكن لديه خيار، إذ نذَر نفسه لذلك وإلا فليمتْ، فعلى الرغم من صراعاته واستيائه من الأشياء الباهتة التي كتبها، كان مجرد قيامه بممارستها يدفعه للإحساس بأنه حيٌّ أكثر مما دفعه أي شيء آخر فعله في حياته، وحين بدأت الكمات تطنّ في أذنيه وجلس إلى طاولته وأمسك قلمه أو لامس بأصابعه مفاتيحَ آلته الكاتبة، شعر بأنه عارٍ، عارٍ ومكشوف أمام العالم الكبير المندفع نحوه، ولا شيء لاح أجمل من ذلك، لا شيء كان له أن يوازي الإحساس بالغياب عن نفسه وولوج العالم الكبير الذي يطنّ داخل كلمات كانت بدورها تطنّ داخل رأسه.

جامح. هي أفضل كلمة تصف أحواله خلال تلك السنوات- وكلّ سنة أكثر جموحاً من التي سبقتها، أكثر انكفاءً على ذاته، أكثر رفضاً للانزياح عندما يدفعه شيء ما. نشأ فيرغسون متصلّباً- متصلباً في عصيانه لأبيه، متصلباً في الزهد الذي استمر بفرضه على نفسه بعد سنوات من موت آرتي فيدرمان، متصلباً في معارضته لمجتمع الضواحي الذي فرض عليه السجن منذ بداية حياته الواعية. وإذا لم يكن فيرغسون قد تحول حتى الآن إلى السليط الذي لا يُطاق والذي يجعل الناس يفرون من أمامه لحظة يدخل مكاناً ما، فلأنه لم يكن يبحث عن المعارك ويحتفظ بشكل عام بأفكاره لنفسه. كان جلُّ زملائه من طلاب الثانوية ينظرون إليه على أنه نوع مقبول من الأشخاص- متجهّم قليلاً أحياناً، سارح قليلاً في أفكاره، لكنه لم يكن شخصاً مناكفاً، وبالتأكيد لم يكن مصدر إزعاج، إذ لم يقف فيرغسون موقف الضد تجاه كلّ الناس، بل بعض الناس، والناس الذين لم يكن ضدهم مال إلى محبتهم، والناس الذين أحبهم عاملهم بمودة متحفظة لكنها رصينة، والناس الذين أحبّهم إنما أحبهم بالطريقة التي يحبّ بها الكلبُ، بكل ذرة منه، لا أحكام بحقّ الآخرين، لا إدانة، لا تفكير مريض، ببساطة كان يعبدهم ويغتبط بوجودهم، إذ أدرك أنه يعول على الحلقة الضيقة من الناس الذين أحبوه وبادلهم الحب وأن مآله من دونهم سيكون الضياع، صورة أخرى لـ ’هانْك وفرانك‘ المتدحرجَين في فتحة موقد إبادة النفايات، رقاقةَ رماد تطوف سماء الليل.

لم يعد الصبي الذي كتب Sole Mates كنكرة أحمق ابن أربعة عشر عاماً، لكنه لم يزل يحمل الصبيَّ في داخله، ويلمس أن الاثنين سيكملان الدرب معاً لأمد طويل سيأتي. بأن يدمج الغرائبيّ مع المألوف: ذلك كان ما يصبو إليه فيرغسون، أن يراقب العالم عن كثب كما يفعل أكثر الواقعيين إخلاصاً ثم يبتدع طريقة في رؤية العالم من خلال عدسات مختلفة، منحرفة قليلا، فقراءة الكتب التي أقامتْ في المألوف فحسبْ قد علمتك لا محالة أشياء تعرفها بطبيعة الحال، وقراءة الكتب التي أقامت في الغرائبيّ فحسب قد علمتك لا محالة أشياء لم تشأ أن تعرفها بعدُ، وما صبا إليه فيرغسون قبل كل شيء آخر أن يكتب القصص التي تتيح حيّزاً ليس للعالم المرئي من الكائنات الواعية والأشياء الجامدة بل أيضاً للقوى اللامرئية الهائلة والغامضة التي كانت خبيئة في ثنايا المرئيّ. كان يريد أن يبعث الإقلاق والبلبلة، ليجعل الناس يجلجلون بالضحك ويرتجفون في أحذيتهم، ليفتت القلوب ويتلف العقول ويرقص رقصةَ معتوهِ الأولاد الدائخين وهم يتمايلون في دويتو شبح مزدوج التجلي. نعم، كان تولستوي دائماً محفِّزاً، ونعم أيضاً، كتب فلوبير أبهى العبارات في الخليقة، لكن بالقدر الذي تمتع به فيرغسون لاحقاً بالانعطافات الدراماتيكية، متصاعدة العنف، في حياتَيّ آنا كارنينا وإيما بوفاري، كانت الشخصيات التي نطقت بأقصى قوة في تلك المرحلة من حياته كما يرى هي شخصية ك. لـ كافكا، غوليفر لـ سويفت، بيم لـ إدغار آلان بو، بروسبيرو لـ شكسبير، بارتلبي لـ ميلفل، كوفاليوف لـ غوغول، والوحش لـ م. شيللي.

هناك تلك المحاولات التي تعود إلى أيام سنته الثانية: قصة عن رجل يستيقظ في الصباح الباكر ليكتشف أن لديه الآن وجهاً مختلفاً؛ قصة عن رجل يفقد محفظة نقوده وجواز سفره في مدينة أجنبية ويبيع دمه كي يستمر بالحياة؛ قصة عن فتاة صغيرة تغيّر اسمها في اليوم الأول من كل شهر؛ قصة عن صديقين فصما عرى صداقتهما بسبب مناظرة كان جدال كليهما خاطئاً خلالها؛ قصة عن رجل يقتل زوجته دون قصد ثم يقرر طليَ كل بيت في الجوار بمسحة من أحمر قانئ؛ قصة عن امرأة تفقد مقدرتها على النطق وتجد أنها تصبح أكثر سعادة بالتدريج مع تعاقب السنوات؛ قصة عن صبي مراهق يهرب من البيت ثم، حين يقرر العودة، يكتشف أن والديه قد تلاشيا؛ قصة عن شاب يكتب قصةً عن شابٍ يكتب قصة عن شاب يكتب قصة عن شاب…

علّمه همنغواي أن ينظر إلى عباراته بتأنٍّ، وكيف يحتسب وزن كلّ كلمة ومقطع صوتي يدخل في بناء الفقرة، لكن على أن تكون فاتنة ككتابة همنغواي عندما كتب وهو في أفضل حالاته، لم توحِ أعماله بالكثير لـ فيرغسون، كلّ ذلك الاستعراض الرجولي والرواقية الكتومة بدت سخيفة إلى حدّ ما بالنسبة إليه، لذلك استغنى عن همنغواي واتجه إلى الأكثر عمقاً، جويس الذي يتطلب كثير الجهد، ومن ثم، حين بلغ السادسة عشرة، أعطاه العم ’دونْ‘ رزمة كتب ذات أغلفة عادية، من بينها كتب من تأليف المغمور حتى اليوم إسحاق بابل، الذي سرعان ما أصبح كاتب القصة القصيرة الأول في العالم، وهاينريش فون كلايست (موضوع السيرة الذاتية الأولى التي يكتبها ’دونْ‘)، الذي سرعان ما أصبح كاتب القصة القصيرة الثاني، لكن كانت أكثرها قيمة بالنسبة إليه، إذا لم نقل الـ الأثيرة والـ أبديّة الأصالة ، هي طبعة سيغنيت بسعر الخمسة والأربعين سنتاً من والدن والعصيان المدنيّ الذي أُقحمَ بين كتب الرواية والشعر، فحتى لو لم يكن ثورو كاتب رواية أو قصة قصيرة، إلا أنه كان كاتب الوضوح والإحكام الباذخين، مبدعَ الجمَل المبنية على نحو أخاذ التي أحسّ فيرغسون بجمالها كمن يحسّ بضربة على الذقن أو بحمّى في الدماغ. مكتمل هو. كلّ كلمة تحتل مكانها بالضبط، وكلّ جملة تبدو وكأنها عملٌ صغير بحد ذاته، ووحدة مستقلة من الروح والعقل، أضف أن التشويق في قراءة نثر كهذا تمثَّلَ في عجز المرء عن التكهّن بمدى البُعد الذي ستكون عليه طفرة ثورو من جملة إلى الأخرى- أحياناً تكون مسألة بوصات، أحياناً بضع أقدام وياردات، أحياناً الأميال التي تفصل طرفيّ البلاد- وعامل الخلخلة في تلك المسافات المتفاوتة علّم فيرغسون كيف ينظر إلى محاولاته بطريقة جديدة، إذ أن ما فعله ثورو كان دمجَ دفقتين متنافرتين واستثنائيتين في تبادل تأثيرهما ضمن كلّ فقرة كتبها، ما بدأ فيرغسون يسميه بدفقة أن تتحكّم ودفقة أن تخوض المجاذفة. ذلك كان السرّ، كما أحسّ. التحكّم الكلّي يؤدي إلى نتيجة سكونية خانقة. المجاذفة الكليّة ستؤدي إلى الفوضى والإبهام. لكن ضعِ الاثنين معاً، فربما توشك على كشفٍ ما ذي أهمية، وربما ترنّ على الصفحةِ الكلماتُ التي كانت ترنّ في رأسك وستنفجر القنابل وستنهار المباني وسيبدو العالمُ كعالم مختلف عما كان عليه.

لكن كان هناك ما يتجاوز مجرد الأسلوب بالنسبة إلى ثورو. كانت هناك الحاجة الوحشية لأن يكون نفسَه ولا أحد سوى نفسِه حتى لو اقتضى الأمر الإساءةَ إلى جيرانه، جموح الروح الذي كان جاذباً لـ فيرغسون ذي الطبع الأكثر جموحاً على الإطلاق، فيرغسون المراهق، الذي رأى في ثورو رجلاً نجح بالاحتفاظ بمراهقته على مدى حياته الكاملة، أي الرجل الذي لم يفرط بمبادئه، الذي لم يتحول إلى فاسد خائن نشأ شجاعاً لكنه مضى إلى النهاية المريرة، الذي كان بالضبط ما أراد فيرغسون تخيله عن مستقبله. لكن وراء المطلب الروحي لتحويل نفسه إلى كائن جريء، معتمدٍ على ذاته، كانت هناك مراجعة ثورو النقدية للفرضية الأميركية بأن المال يحكم كلّ شيء، معارضة الحكومة الأميركية ثم استعداده للذهاب إلى السجن حتى يعترض على إجراءات الحكومة الأميركية، ومن ثم، بالتأكيد، كانت الفكرة التي غيّرت العالم، الفكرة التي ساعدت على تحويل الهند إلى بلاد مستقلة بعد خمسة أشهر من ولادة فيرغسون، التي كانت الفكرة ذاتها المنتشرة على امتداد الجنوب الأميركي وربما كانت ستسهم في تغيير أميركا أيضاً، العصيان المدني، مقاومة لاعنفية لعنف القوانين الجائرة، وكمْ بلغَ هذا التغيُّر من الضآلة في مائة واثنتي عشرة سنة منذ والدن، فالحرب المكسيكية الأميركية أوصلتْ إلى حرب فييتنامية، استعباد السود أوصلَ إلى اضطهاد جيم كراو ثم إلى حكومات الولايات التي تديرها جماعة الـ كلان، وكما تزامن إنهاء ثورو كتابَه مع السنوات التمهيدية للحرب الأهلية، كان فيرغسون يشعر هو الآخر بأنه يكتب في وقت يوشك فيه العالم على أن ينفجر مرة أخرى، ولثلاث مرات في الأسبوعين، السابق واللاحق لزواج أمه من والد جيم وإيمي، بينما يتابع الصور المتلفزة ويطّلع على صور الجريدة لرهبان بوذيين في الجنوب الفييتنامي يحرقون أنفسهم حتى الموت احتجاجاً على سياسات نظام نْغو دِنْه دِيمْ المدعوم من قبل أميركا، يدرك فيرغسون أن أيام صباه المطمئنة قد انتهت، أن رهبة تلك الأضاحي برهنت أنه إذا كان الرجال مستعدين للموت في سبيل السلام، فإن الحرب المتفاقمة باطّراد في بلادهم ستصبح أخيراً كبيرة لدرجة أنها ستضفي العتمة على كل شيء وتنتهي إلى دفع الجميع للعمى.

***

كانت ساوث أورانج مكانَ المنزل الجديد، وليست ميبلوود، لكن من حيث أن كلا البلدتين مرتبطتان بمجلس تعليم موحّد، التزم فيرغسون وإيمي بمكانهما كطالبين في مدرسة كولومبيا الثانوية، التي كانت المدرسة الثانوية العامة الوحيدة في المنطقة. كانا قد أنهيا سنتهما الثانية عندما تزوج والداهما في الثاني من آب، 1963، وباتت المحادثة المثبطة للمعنويات التي جرت في الحديقة الخلفية لمنزل فيرغسون القديم قبل ذلك بأحد عشر شهراً طيَّ النسيان الآن. قد وجدت إيمي لها حبيباً، ووجد فيرغسون له حبيبة، وصداقتهما كأخ وأخت قد صيغت كما شاءت لها إيمي أن تكون، مع أنهما الآن في الواقع أخ وأخت، فربما تحول المجاز إلى حشوٍ لا طائل له.

استأثر والد فيرغسون بكل أموال بيع البيت القديم، لكن دان شنايدرمان كان لا يزال يملك المنزل الأقدم من القديم، منزل ميبلوود الأول، الذي لم يردْ فيرغسون الفتى أن يغادره أبداً، وببيع ذلك المنزل بتسعة وعشرين ألف دولار، تمكن بمبلغ ستة وثلاثين ألف دولار من شراء منزل أكبر بقليل في ساوث أورانج، بالرغم من أن والدة فيرغسون كانت مفلسة تقريباً لأن شيكات والده الشهرية قد توقفت عن الوصول بعد زواجها من دان، دان نفسه الذي لم يعد مفلساً، حيث كان وليز قد اشتريا وثائق تأمين على الحياة بقيمة مائة وخمسين ألف دولار في بدايات زواجهما، والآن وقد حُصِّلَ المبلغُ نهارَ وفاة ليز الفظيع السابق لأوانه، عاشت العائلة التي تشكلت حديثاً من آل أدلر، وفيرغسون، وشنايدرمان أريحيةً مالية في ذلك الحين. كان من الصعب ألا يتساءل المرء من أين جاء المال، الترجمة الرهيبة للسرطان المزمن إلى دولارات، لكن ليز كانت ميتة، والحياة تسير، وما الخيار أمام أيٍّ منهم سوى أن يسير معها؟

أحبّ الجميع المنزل الجديد. حتى فيرغسون، الذي كان معارضاً بقوة لفكرة العيش في بلدة صغيرة، والذي كان سيبذل أيّ شيء تقريباً كي ينتقل إلى نيويورك أو أيّة مدينة كبيرة في أي مكان من العالم، اعترف بأنه كان خياراً لائقاً وأن المنزل المحاط بالألواح الخشبية ذا الطبقتين المبني في 1903 والقائم على زقاق منعزل يسمى وودهول كريسنت كان، كمكان ترقد فيه عظامك، أفضل من قلعة الصمت القارسة التي أُجبر على العيش فيها خلال السنوات السبع الفائتة. كان يمكنهم استخدام غرفة نوم أخرى بالإضافة إلى الأربع التي لديهم، حيث أن الغرفة التي ستخصص لـ جيم قد تحولت إلى استديو لـ دان، لكن لم يشعر أحد أن في الأمر أذى، وأقلّهم شعوراً بذلك كان جيم الفاتر، الذي قلما جاء في زيارة وبدا أنه راضٍ بالنوم على صوفا غرفة الجلوس، وإذا لم يكن لديه مانع، ولماذا يجب أن يمانع أحد ما؟ الشيء المهم أنهم كانوا فيه معاً، ولأن فيرغسون موافَقٌ عليه من قبل دان، وإيمي وجيم موافَقٌ عليهما من قبل والدة فيرغسون، ودان موافَقٌ عليه من قبل فيرغسون، ووالدة فيرغسون موافَقٌ عليها من قبل إيمي وجيم، فقد استقر الجميع سالمين معاً دون أن يلقوا انتباهاً إلى الشائعات في البلدتين اللتين أحسّ أهلهما بأنه مع كلّ منعطفات واضطرابات السنة الماضية- وفاة، طلاق، زواجٌ ثانٍ، منزل جديد، ومراهقين شبقين يسكنان جنباً إلى جنب في نفس الطابق في ذلك المنزل- شيء ما غريب أو غير طبيعي أو ليس أخلاقياً تماماً لا بدّ ويحدث هناك في 7 وودهول كريسنت. لم يكن الرجل إلا مجرد فنان مكافح، ويا للأسف لحاله، أي luftmensch رجل هوائيّ (كما يقول لسان حال اليهود) لبق، رثّ الملابس، أو منشقّ طويل الشعر بميول سياسية مريبة (كما يقول لسان حال غير اليهود)، وكيف تستطيع زوجة ستانلي فيرغسون أن تتخلى عن زواجها والمال الذي بحوزته لتعيش مع شخصية كهذه؟

لم يكن للتغير الكبير في حياة فيرغسون علاقة بزواج أمه من دان شنايدرمان. فقد كانت متزوجة من قبل بطبيعة الحال، وفي مسألة الزواج فإن ’دانْ‘ زوج أفضل وأكثر انسجاماً معها مما كان والده، أيّد فيرغسون الارتباط ولم يفكر كثيراً به لأنه لم يشعر بضرورة ذلك. ما كان يفكر به، على أية حال، وما كان يمثّل أكثر بكثير من انقلاب خطير في الظروف الأساسية من حياته، هو أنه لن يعود الابن الوحيد. فلطالما ابتهل حين كان صبياً صغيراً من أجل أخ أو أخت، تضرع المرة تلو المرة إلى أمه كي تنجب طفلاً من أجله وبذلك لن يبقى وحيداً بعد ذلك، لكنها في ذلك الحين أخبرته بأن هذا الأمر لم يعد ممكناً، إذ لم يعد لديها أطفال في داخلها، ما كان يعني أنه سيكون آركيّـ ـها الوحيد حتى نهاية الحياة، وشيئاً فشيئاً سلّم فيرغسون بِقَدَر عزلته، وتحوّل تدريجياً إلى الشخص المتأمل، الحالم الذي يريد الآن أن يمضي فترة رشده وحيداً في غرفته يكتب الكتب، ويفتقد الخروج إلى المتع المتقلبة والصداقة الحميمة المبهجة التي يمر بها معظم الأولاد مع أقربائهم، لكن أيضاً يتجنب الخلافات والأحقاد التي يمكن أن تحول الطفولة إلى ضوضاء جهنمية لا ترحم والتي تودي بالمرء إلى عمرٍ بأكمله من المرارة و/ أو الذهان المزمن، والآن، في عمر السادسة عشرة، وقد تملص من محاسن ومساوئ أنه لم يعد وحيداً طوال حياته، واستُجيبتْ أمنية طفولة فيرغسون على هيئة أخت في السادسة عشرة، وأخ في العشرين – لكن ذلك جاء متأخراً للغاية، عهدٌ تأجّل فترةً أطول من أن تسمح له بالاعتياد على هذا العهد الجديد ما يكفي، وحتى لو اعتاد، يبقى أن جيم غائب في معظم الأوقات وإيمي رجعتْ صديقة مقربة إليه (بعد فترة طويلة من استيائه منها لأنها خذلته في الصيف الماضي)، مع ذلك، ستأتي أيام لا يستطيع خلالها مقاومة حنينه إلى حياته القديمة كولد وحيد، حتى لو كانت تلك الحياة أسوأ بكثير من هذه التي يعيشها الآن.

كان الأمر سيختلف لو أن إيمي أحبته بالطريقة التي أحبها فيها، لو استغلا ظروفهما الجديدة في إشباع الرغبة بشتى ضروب الشيطنة الحسّية، وجلسات الشعوذة المرتجلة حين يدير أهلهما أقفيتهم، في دعابات الشهوة السرية واللقاءات الغرامية الليلية في واحدة من غرفتيهما المتجاورتين، ليبلغا الأوج في التضحية المتبادلة ببتولتهما في سبيل الحب والصحة الذهنية الأمثل، لكن إيمي لم تكن مستعدة، فهي حقاً وبصدق تريد أن تكون أخته، وأما فيرغسون الممسوس بالجنس، الذي كان هدفه الأساسي في الحياة أن يولج قضيبه في جسد بنت عارية ويرمي بتولته وراءه للأبد، فكان عليه الانصياع للأمر وإلا فإنه سينفجر من الإثارة المتواصلة لنَيل ما لم يتمكن من نَيله، فالرغبة المحبطة سُمّ يتسرب إلى كل جزء منك، ولحظة تتشبّع أوردتك وأعضاؤك الداخلية بهذا الشيء، فإنه يسري إلى الأعلى باتجاه دماغك وينفجر في أعلى جمجمتك.

كانت الأسابيع الأولى في المنزل الجديد عسيرة للغاية بالنسبة إليه. ليس لأنه كبتَ إلحاح الإمساك بـ إيمي وغمر وجهها بالقبل كلما اختليا ببعضهما فحسب، وليس لأنه أُرغم على إخماد التخيلات المرافقة للانتصاب الليلي بالاندساس معها في الفراش داخل الغرفة المجاورة فحسبْ، بل لأن ثمة تعديلات عملية كان لا بدّ من تسويتها بالإضافة إلى ذلك، التي تمحورت عموماً حول مسألة عدم انتهاك كلّ منهما خصوصية الآخر، وإلى أن يسنّا حزمة قوانين سريعة ومُلزِمة تتعلق بكيفية التعايش ضمن المساحات التي يتشاركانها (اقرع الباب أولاً، نظّف الحمام قبل مغادرته، اغسل الصحون التي استخدمتها، لا تتلصص على وظيفة الآخر المدرسية ما لم تُعطَ الإذن الصريحَ، ولا نبش في غرفة الآخر، ما كان يعني أن ليس بوسع فيرغسون أن يختلس نظرة إلى مفكرة إيمي وليس بوسع إيمي أن تختلس نظرة إلى مسودات أعمال فيرغسون وقصصه)، وكانت هناك لحظات عسرٍ مختلفة وحدثان تخللتهما مواجهات مباشرة، كما حين فتحت إيمي باب الحمام ورأت فيرغسون الذي أنهى للتو استحمامه قاعداً على كرسي التواليت وهو يمارس العادة السرية- لم أرَ ذلك! قالت بصوت نابح وهي تصفق الباب وراءها- أو حين نبَقَ فيرغسون من غرفته في الوهلة الحرجة آنَ عبرت إيمي الردهة وهي تحاول تعديل المنشفة التي تلفّ جسدها، ثم حين وقعت المنشفة، كاشفة بياض جلدها العاري أمام فيرغسون المصعوق، الذي كان ينظر إلى النهدين وحلمتيهما الصغيرتين وشعر العانة البنيّ المتجعّد في جسد أخته/ ابنة زوج أمه للمرة الأولى، أفلتت إيمي fuck! بصوت عالٍ، والتي ردَّ عليها فيرغسون بنفس الطريقة الحاسمة الذكية تقريباً – لطالما شككتُ بأنك تمتلكين جسداً، قال. الآن أنا متأكد من ذلك- وضحكت إيمي، ثم رفعت يديها مُحاكيةً بازدراء وضعية الـ cheesecake الساخرة، وقالت، والآن نحن متعادلان يا مستر Dick[1]، الذي لم يلمحْ إلى شخصية طريفة في روايتهما الأثيرة ديفيد كوبرفيلد وحسب بل أيضاً إلى ما شاهدته في الحمام منذ أيام خلتْ.

كان صحيحاً أنّ لـ فيرغسون حبيبة، وكان صحيحاً أيضاً أنه سيتخلى عنها في لحظة لو كان باركيز[2] إيمي قد عقد النية، لكن لم يحدث، والآن وقد رأى الجسد الذي لم يُوهَبْ له، لم يعد يتعيّن عليه أن يعذب نفسه بمحاولته أن يتخيل كيف يبدو، وتلك كانت خطوة صغيرة للأمام كما شعَر، طريقة لأن يبدأ معالجة نفسه من وسواس غير سويّ لن يقوده إلى أي مكان باستثناء البئر بلا قرار التي حفلت بـ الحزن الأبديّ، وعلى سبيل التعويض حاول تركيز أفكاره على جسد صديقته، الذي رآه عارياً فقط من الخصر إلى الأعلى، لكن استكشافاتهما كانت تصبح أوقح وأكثر طيشاً وقد عادا إلى اللقاء مع بداية سنتهما الثانوية الأولى، ما يعني أنه كان ثمة سبب للأمل، وبعد صيف مضنٍ من جهله أين موقعه بالنسبة إلى إيمي أو كيف يتصرف معها، قرر فيرغسون أن يذعن، أن يحرق ترسانة أسلحته ويوقّع اتفاقية ذهنية تعلن استسلامه المطبق، ومنذ تلك اللحظة فصاعداً بدأ يركن إلى دوره بالتصرف كأخٍ لـ أختِ إيمي، مدركاً أنها كانت الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الاستمرار في حبّها مع بقائه محبوباً بالمقابل.

حدثَ أن تشاجرا أحياناً، وأحياناً صرختْ إيمي وصفقت الأبواب ونعتته بصفات بذيئة، أحياناً توارى فيرغسون في غرفته ورفض التحدث إليها لأمسيات بأكملها، لحزَمٍ زمنية امتدتْ عشر أو اثنتي عشرة ساعة بأكملها، لكن غالباً ما سعيا للمصالحة، وغالباً ما تصالحا. في الواقع، عادت صداقتهما إلى ما كانت عليه قبل أن يصمم فيرغسون على أنهما يجب أن يكونا أكثر من مجرد صديقين، لكن كان هناك عسر مُضاف إلى الصداقة وقد أصبحا يعيشان مع والديهما المتزوجين حديثاً في منزل وودهول كريسنت، مع المحادثات بمزيد من الإسهاب، مزيد من الحميمية التي استغرقت أحياناً ثلاث أو أربع ساعات وفي مرحلة ما من الحديث تمكنا من التطرق إلى موت والدة إيمي وموت أرتي فيدرمان، مع مزيد من ساعات الدراسة والتحضير للاختبارات سويةً (الذي رفع من درجات فيرغسون من B+ و A- العارضة إلى مستوى درجات إيمي من كلّ الـ A والـ A- )، مزيد من السجائر التي دخّناها سوية، مزيد من سكرات الكحول سوية (كلها بيرة تقريباً، من الـ رولينغ روك الرخيصة في الزجاجات الخضراء الطويلة أو حتى الـ أولد ميلووكي الأرخص في الزجاجات البنية القصيرة والعريضة)، مزيد من الأفلام التي تابعاها على التلفاز سوية، مزيد من التسجيلات التي استمعا إليها سوية، مزيد من ألعاب جِنْ رومّي التي لعباها سوية، مزيد من الرحلات إلى نيويورك سوية، مزيد من المزاح ، مزيد من الإغاظة ، مزيد من الجدال السياسي، مزيد من الضحك ، ولا مزيد من الحياء بما يتعلق بنكش الأنوف والضراط وهما جالسان جنباً إلى جنب.

* فصل من رواية ( 4321)، تصدر قريبا عن “منشوات المتوسط”
[2] السيد باركيز، من شخصيات رواية ديكنز (ديفيد كوبرفيلد).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق