ثقافة المقال

نهـاد وديـع حـدَّاد

أغنية صافية في مهمة رسولية

​​​(مُهداة إلى قطرة النَّدى الوضَّـاءة)

عاطف سليمان

{والحكي .. كيف كان طايع له!}
كيف يمكن إيناسُ الروح والجسد بنبرات امرأةٍ من جبل لبنان إلَّا أن يكون لها طاقات الأرز وذخائره الـمستوفاة من آيات السُبُل والطافرة فوق كلِّ ما هو فوق.
إنَّكِ من سُليمان، من الهدهد، من الخاتم، من بلقيس، من نرجس، من بعلبك، من صنوبرٍ، من وِروارٍ وسوسن وحبقٍ ومَنتور، ومن زمنٍ يدورُ ويُستعادُ في كل لحظةٍ لأجل بهاءٍ أُريدَ له أن يتجلى في حِسِّ امرأةٍ أرضيَّةٍ، مشرقيةٍ، من جسر اللوزية.
فيروز
هذا هو الأثيرُ، فماذا عنكِ؟ أنتِ الوحيدة الـمتوحِّدة. سيدة في جوار البعلبك والبيروت، تملئين الـمتاهات بالحنان، وتعطِّرين الأثير إلى الأبد. في البدءِ نُطِقتْ الكلمةُ وانتشأَ الاسمُ. في الـمنتهى سيبقى الأثيرُ لأنه ذاكرة الكوْن الصارمة والفائقة. وأنا ناهلُ صوتكِ ونغمكِ من الأثير، ناهِلُهُ، ومدركٌ أن شهوةً عاتيةً، بدون نظيرٍ، تتخلقُ في منْ يمسسهم صوتُكِ فيرتحلون معه في غاياتٍ ومشيئاتٍ ومسارب ونشواتٍ دونها وصفٌ وافتخارٌ. لا رادَّ للشهوةِ ولا إبراء.
} صيِّفْ يا صيْف ع جبهة حبيبي، لوِّحْ يا سيْف رجعتنا قريبة{
عُشَّاقُكِ منصتون إليكِ، لا يبتغون امتداحَكِ ولا وصْفَ فنونكِ وفنون الرحابنة وفيلمون وهبي وزكي ناصيف وحليم الرومي وكل من احتشدَ في فمكِ بحلاوةٍ وطلاوةٍ. عشاقُك منكِ، وأنتِ راجعة؛ على اسمِ الحبِ ومددِهِ ترجعين }يا ريته ما كان فيه مراكب، يا ريته ما كان فيه سفر{، هذه هي أنتِ فماذا عنَّا ونغماتكِ ومعانيكِ وطُرقكِ مغدقةٌ وطالعةٌ في خبزنا ومياهنا، أبيضنا وأزرقنا، سمسمنا وفستقنا، وسائرِ سـائرِ ما نعرفُ ولا نعرفُ عنا؟
من الصوتِ، صوتكِ، المفتوح على الإلهام، الـمُشَرَّب بالمباهج، والـمُطَوِّف على شواشي الروح، تغمرُنا عطاياكِ، فيفيضُ جمالُنا، ويفورُ المطموسُ والمطمورُ من دِفئنا وحضورنا ورُقيِّنا، ونتيهُ بحصادِنا، نُغني على هدْيِكِ بينما مقصد قلوبنا هو الامتنان إليكِ، والذهاب معكِ.
أنتِ فيروز، تكرهين أجهزة التسجيل؟ نعم تكرهينها. تتوجسين من ماكينات التصوير؟ نعم. هي آلاتٌ تُفتِّتُ كلَّ ما هو كليّ، تُجزِّئُ ما لا يتجزأ، وتغمطُ الأثيرَ حقَّهُ بل تُشوِّشُهُ وتُزوِّرُهُ، وتنتهي بإتلافِ الوجود الإنساني وتلخيصِهِ في عُلبةٍ بصوتٍ مُوَازٍ وصورةٍ مُناظِرةٍ.
صوتُكِ هو إنجازُ روحِكِ وبَصْمتُها في الوجود. لا ينفعُنا الإصغاءُ إلى صوتِكِ دونما إصغاء إليكِ كليَّاً، تماماً. أنتِ تبوحين بصوتِكِ وتُشْعلينهُ، وصوتُكِ يبوحُ بكِ، يُشْعلُكِ، يقُولُكِ، يَصِفُكِ، يُضوِّئُكِ، يبعثُ مكنوناتكِ، ويحملُ رسائلَكِ قاطبةً. أنتِ لستِ مجرد حائزة لصوتٍ لا حدَّ لِعذوبتِهِ، ولا مجرد مُعزَّزة بحنجرةٍ لا آخرَ لِجمالها، ولكنكِ امرأة انتخبتْ صوتَها وكوَّنتْهُ على هيأةِ كيانها وروحها، وأنتِ امرأة انتخبَ صوتُها كيانَها وروحَها، وسوَّاهما على هيأتِهِ.
}و تمرق صبية تمشْوِر دغوش لِغْيَاب .. ترنْدِح قصيدة غيَّبتْها من اِكتاب …{
أنتِ، أنتِ نهاد وديع حدَّاد، في مهمة رسولية بصفةِ الفيروز.

____________
(من كتاب «حجرُ طاحون أخضر»)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق