حوارات المجلة

الشاعر السعودي محمد خضر للمجلة الثقافية الجزائرية: أكتب الأشياء التي أحلم بها

يعد محمد خضر من الشعراء السعوديين الشباب المميزين. تستهويه القصيدة التي يريدها متناغمة مع ذاتيته كانسان، مثلما تستهويه بقية السرود الأدبية الأخرى منها الرواية التي طرق بابها من خلال روايته الوحيدة السماء ليست في كل مكان الصادرة عن الدار العربية للعلوم. في هذا اللقاء، حاولنا الاقتراب من محمد خضر الشاعر والفنان والإنسان. سألناه عن القصيدة وعن الرواية وعن تقاطع الكتابة بالفنون. فكان هذا الحوار  

المجلة الثقافية الجزائرية: في حوارات سابقة معك قلت أنك تقف حائراً حيال هذا السؤال التقليدي (من أنت؟)..

محمد خضر: أتذكر أنني كتبت قصيدة ذات مرة بعيداً عن البطاقة الشخصية، ربما كانت تحاول أن تقول شيئا عن ( من أنا ) إذ من النادر أن يصرخ أحدهم هذا أنا تماماً… كل شخص له أناه المعلنة وأناه السرية أو تلك التي يعرفها وحده.. شيئاً فشيئا تتفشى الأسرار وتطفو على السطح ثم تظهر أخرى .. هل هذا أنا الشاعر أم الذي في البطاقة أم الذي يحمل فيه الأحلام أم ذلك الذي ينعكس من مرآة، وهل نحن صادقين بما فيه الكفاية كي نقول عن الأنا الحزينة والسيئة والتي تحمل شراً أو كراهية ونسباً من الإخفاقات وصراعات هويتنا وأسئلتنا الصغيرة والكبيرة في هذا الوجود تلك التي تتشكل منها هذه الأنا.

المجلة الثقافية الجزائرية: كشاعر، دعني أسألك عن مرجعيتك الأساسية في بناء القصيدة؟

محمد خضر: إيماني بأن ثمة إضافة يمكن أن أقدمها كفنان يجعلني دائم البحث عن مناطق جديدة.. كثيراً ماكنت أقول أن جزءا مهماً من تلك المرجعية تكون في الطفولة وفي سؤالي الأول عن الشعر والشاعر، أول مرة سمعت كلمة ” شعر” في قريتنا في بلجرشي، كنت في العاشرة من عمري، في المجلس الذي ضمَّ مجموعة من الضيوف كانوا يصغون بإنتباه ونشوة وكأنما يأخذهم هذا الكلام الغريب الذي يُلًحن أحيانا ويقال بنبرة مختلفة عن الكلام العادي أحياناً أخرى إلى آفاق مختلفة.. قصائد من الآخرين، أو من فلان الشاعر المعروف، أو من الجدَّة التي كانت شاعرة، وأول مرة أشاروا إلى أن هناك شاعر مشهور وأعمى تطير قصائده ويتناقلها الناس حتى تتخطى حدود المكان ويتعدد تأويلها وتحليلها، فقصيدة واحدة يختلف حولها ما إذا كانت مدحاً أو ذماً، وقصيدة يتبارى الشعراء في الرد عليها أو التماهي معها، سألت لأول مرة ما هو الشعر؟
وصلت بعدها إلى أنه علاقتنا مع اللغة، مدى تلك العلاقة وقوتها أو ضعفها أو عمقها، ثم لما شاهدت الأعمى في صورة بعد سنوات طويلة عرفت معنى آخر للشعر، ثم عرفت أنها تلك اللحظة التي تخلق فينا كائن الشعر.. اللحظة التي عجزنا ونقصت فيها مناعتنا في أن نقرأ الوجود بشكل عادي قد لا تكون لحظة تماماً .. بل قصة أو حكاية بصوت الجدّة أو تلك الأشياء ذهبت بنا إلى الكتابة منسحبين نحو الأسئلة وفي شعور مختلف بأننا بحاجة إلى تلك العلاقة مع اللغة ..
تلك اللغة التي شاهدتها في الحقول وأمطار القرى في الجنوب، وأول وردة حمراء مخبأة خلف الظهر كمفاجأة بين عاشقين ولماذا الفقد والموت والرحيل والحزن؟.. وسمعتها في أغنيات الرعاة، وفي العرضة، والبكاء الذي تعلمت مبكراً للأسف كيف يكون صامتاً وبعيداً مثل سر .. وعرفت الشعر في الرائحة.. رائحة الأرض بعد المطر، رائحة شال الجدة وأمي، رائحة تتبقى في كفك وثوبك بعد غياب أصحابها .. وعرفته في التوقع وفي الحدس وفي الخيبات والانكسارات، ثم بعد هذا بسنوات جاءت لحظة أن ألتقي بالورقة وحيداً.. وتبدأ علاقتي مع هذا الأفق.. كنت أبحث عن الشعر عن معنى مختلف ويلامس الإنسان في صميم أوجاعه وآلامه وحياته ومنساباً مع واقعه.. لذا ذهب الكثير مما قرأت خارج ما أبحث عنه .. وذهبت بالكتابة خارج لعبة الدرس المقرر والنمطي والتعليمي بل نحو الجوهر الذي جعلني أذهب لأضيف شيئا جديداً.. وظل هذا هاجساً.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما هي فلسفتك في الكتابة؟

محمد خضر: كنت أقول إنني أكتب الأشياء التي أحلم بها، والتي لم أستطع أن أقولها في موقف ما، والأشياء التي قادتني في البداية إلى اللجوء للكتابة، مثل: الخوف والحيرة والتساؤلات والخطوط الملونة حمراء وبيضاء وزرقاء. في فترة كنت أكتب ما يشبه التكهنات عن كل شيء، ثم وجدتني أكتب مفقوداتي، ثم وجدتني مع الكتابة التي تحفظ سيرة الروح وما تمليه الاحتشادات والتراكمات في داخلي.
وما زلت من مكان لمكان أحاول مع كل هذا أن تكون علاقتي باللغة أوسع من مدى اللحظة، ولذا أكتب أحيانا ذلك المأخوذ من العادي واليومي والمهمش كي أمنحه حياة أوسع. ودائما كانت هناك مواضيع ومضامين لا أرى أنها مادة للكتابة، إما لأن فلسفتي مختلفة حول الكتابة أو لأنها تحمل لغة مختلفة أكثر من لغة المكتوب.

المجلة الثقافية الجزائرية: شاركت مؤخرا في فعالية (نظرية كل شيء) مع الفنانة التشكيلية مريم بو خمسين .. دعني أسألك ما الذي يمكن أن تضيفه التجارب المشتركة للمبدعين على الصعيد الإنساني والمهني؟

محمد خضر: تجربة ( نظرية كل شيء ) مع الفنانة مريم بوخمسين ملهمة وأضافت لي كثيراً.. لم يكن فضاء مشتركا بمعناه الرتيب أو الملزم، بل أخذ كل منا ينطلق بحرية يجرب ويتماهى وينسجم منطلقاً من توظيف القيمة العلمية في نظرية كل شيء من وجهة نظر الفن حيث تتظافر كل هذه الفضاءات لتصبح التجربة ناضجة ومكتملة ..

المجلة الثقافية الجزائرية: والخيال العلمي .. كيف يلهم الشاعر من وجهة نظرك؟

محمد خضر:،في هذه التجربة كان الفن أولاً في اللوحة والنّص لكنه ينعكس من النظرية بشكل عام ومن ثم النظرية بشكل شخصي أعني مساءلتها ومحاورتها وهي تتقاطع مع أفكارنا الشخصية عن الكون والوجود.

المجلة الثقافية الجزائرية: لاحظت أن معظم النقاد يتحدثون عن التفاعل الجميل بين الشعر والفن لديك.. هل منحتك المقاربات النقدية صفة التميز والخصوصية حين قرأت تجربتك الشعرية من زاوية (الشاعر الذي يكتب القصيدة بريشة رسام) أم وضعتك في إطار معين ستسعى للتحرر منه؟

محمد خضر: برغم أن هذا صحيح غالباً وهو الصحيح الذي لم أنتبه له أثناء الكتابة لأن ذلك يعود لفلسفتي في الكتابة، إلا أنني أحاول ألا أصغي له تماماً بل وأتحرر منه في كل مرة ، أحيانا يخشى أي كاتب أن يوضع ضمن إطار محدد حتى لوكان ذلك يمنحه خصوصية وتميز كما لاحظ النقاد وكما أشرت.

المجلة الثقافية الجزائرية: قصيدة النثر بات لها جمهور عريض -كما تعلم- لكن ما مستقبل هذه القصيدة برأيك باعتبارك أحد حراسها المخلصين؟

محمد خضر: في البداية أود أن أقول أني قاريء لكل أشكال الكتابة الإبداعية ومحباً لكثير من تجاربها ومستمراً لقراءة المختلف منها ..
‎ أما عن سؤالك: عانت قصيدة النثر قدرا من العزلة والتكريس السابق لنماذج سلطة أدبية عليا مع أشكال الكتابة الأخرى في أزمنة مرَّت، لكنها تجاوزت كل ذلك اليوم بل أصبحت تشكل المشهد الشعري مثلاً في كثير من الملتقيات والمناسبات الإبداعية الكبيرة، هذه القصيدة جديدة كل مرة وترفض التكرار والسائد والنمطي والدرس لذا فهي ذات مستقبل واعد دائماً.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة اتجاه نحو السرد في الشعر العربي الحديث.. بالمقابل هناك ميل واضح لدى الكثير من الروائيين العرب نحو الكتابة الشعرية.. ما رأيك؟

محمد خضر: أعتقد أن الحالة والظاهرة طبيعية من حيث إن المبدع نفسه ليس من طبيعته التوقف عند حدود إبداعية، بل هو الباحث دوما عن فضاءات ومساحات يتعاطى معها ليعبر بها عن أفكاره ورؤاه وهي روح الفنان الحقيقي، ووصولاً إلى النّص بعيداً عن التصنيف المتشدد الذي ترك أثراً على كثير من الكتابات وحددها وأضّر بها وأدى إلى مقولات غير مجدية وغير جوهرية مع أنها تأخذ مساحات كبيرة من النقاش والنقد مثل مقولة ( زمن الرواية ) ..

المجلة الثقافية الجزائرية: قديماً كان الشعر (ديوان العرب) بينما اليوم يعاني من الانحسار والانكفاء.. كيف يمكن مواجهة هذه الحالة؟ وما هو المطلوب من الشعراء في ظل هذا الواقع لاستعادة ألق الشعر ومكانته؟

‎ محمد خضر: ربما تسبب فيها بعض الشعراء إذ لم يستطع الشعر معهم أن يعبر بالمتلقي إلى الحياة والأسئلة والمعيش والشارع، إذ لا يزال بعض الشعراء متوقفين عند حدود الدرس الشعري المنظم الذي يعتني فقط بزخرفة العبارة وبلاغيات الشعر فقط، لكن لأن الشعراء أغلبيتهم لم يستطيعوا أن يصلوا بقصيدتهم إلى الناس ونبض الشارع في زمن صعب ومتحول ومتغير كل يوم، بقي أغلبهم حبيسا للشعر بوصفه موهبة لا أكثر وقدرة فائقة في فهم الدرس النمطي في تعبيراته وأدواته.

المجلة الثقافية الجزائرية: نشاطك اللافت على وسائل التواصل الاجتماعي يدفعني لطرح السؤال التالي: ما مدى تأثير السوشيال ميديا على تجربتك الشعرية، وهل ساهمت في تطويرها وإثرائها؟

محمد خضر: على صعيد اللغة أثرت السوشيال ميديا وجدتني أوظف تلك العبارات والمفردات الجديدة في نصي منذ ديواني الأول ( مؤقتا تحت غيمة ) 2002، لم أكن أوظفها بوصفها مفردات جديدة بل لأنها حالة معاشة.. ولأنه لم يعد بوسعي الكتابة بلغة لاتشبه ما أقوم به وأعيشه يومياً ..

المجلة الثقافية الجزائرية: على صعيد آخر بعد عدة دواوين شعرية أصدرت روايتك اليتيمة (السماء ليست في كل مكان).. دعني أسألك أولا عن ظروف هذه التجربة؟

محمد خضر: بعد مرور هذه الأعوام على صدور “السماء ليست في كل مكان“ أشعر بالرضا بعد أن ازدادت تساؤلاتي التي تنطلق من الجدوى من كل ذلك عبر البحث في مكان مهمل وبعيد ومنسي وفي حقبة زمنية قد لا تشغل أحدا اليوم، ومرورا بهواجس فنية قادمة من كونها روايتي الأولى ومتصلة كذلك بخبرتي في قراءة السرد، لننتهي إلى أسئلة أخرى أعمق: ماذا لو أنك لم تكتبها أصلا؟ فتجدني في ذلك الرضا التام الذي قادتني إليه تساؤلات أخرى كذلك. تساؤلات أهداها إليّ أصدقاء الرواية والقراء، وأقول هدايا لأنهم لمسوا معي تماما ذلك الوجع ورحلة الشتات والتيه في ‘إربة’ (مكان الرواية)، وتشبثوا مع الشخصيات بالحياة وتساءلوا معها عن العدم وأسئلة الحياة في ذلك المصير.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعر أن الرواية تسد فراغ القصيدة بالنسبة للشعراء الذين انحازوا إليها؟

محمد خضر: كل منهما فن مستقل لا أعتقد أن شيء ينوب عن الآخر.. ولا أعتقد أنها كتبت لتسد فراغاً.

المجلة الثقافية الجزائرية: أقصد أن غالبية من كتبوا الرواية جاءوا من الشعر؟

محمد خضر: لا ليس شرطاً ويعتبر نادر من جاء من الشعر إذا قسنا الأمر بعدد الروائيين.

المجلة الثقافية الجزائرية: لكل شاعر حلمه بالتأكيد.. فما هو حلم الشاعر محمد خضر؟

محمد خضر: حلمي أن أستمر في كتابة شيء مختلف يعبر عني وعن تصوراتي للحياة وأسئلتي وفلسفتي

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك ما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

محمد خضر: قرأت كثيراً ‏من الأدب الجزائري المعاصر مع الطاهر وطار وكاتب ياسين في (نجمة) وأحلام مستغانمي وياسمينة صالح وإبراهيم سعدي، وفائزة مصطفى .. وكثير من التجارب في قصيدة النثر الشابة مثل خالد بن صالح ولميس السعيدي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

محمد خضر: حاليا اقرا رواية لسلمان رشدي عنوانها سنتان وثمانية شهور وثمان وعشرون ليلة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

محمد خضر: نصوص عن مجموعة صور في الذاكرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق