قراءات ودراسات

روعة البساطة عند “طارق سعد”.. ومجموعته القصصية ((فى مدينة الملاهى))

بقلم:  محمد عبد الظاهر المطارقي

أن يمتلك الكاتب القدرة على صياغة الدهشة بهذه البساطة المتقنة، فهو إذن ساحر يمتلك أدواته بامتياز، ذلك أن الانغماس فى عالم الصغار يحتاج إلى حالة من حالات التلبس والاندماج، من أجل استخراج مكنونات الطفولة المتوقدة بصورتها المبهجة. لقد استطاع هذا الكاتب بمهارة شديدة أن يجتذبنى بقوة لأجدنى وقد صرت طفلا يشارك هؤلاء الصغار عالمهم المفعم بالسعادة والمرح..
هانحن أمام “مجموعة قصصية” قادرة من النظرة الأولى على الاستحواذ.. فالمجموعة “فى مدينة الملاهى” لكاتبها طارق سعد. الصادرة عن المركز القومى لثقافة الطفل2018، تعد من الأعمال المهمة التى صدرت مؤخرا.
ولاغرو فالمؤلف نفسه له تجربته الخاصة مع الفن التشكيلى، وتصميم الكتب، بجانب عمله الصحفى. وهذا ماجعله يعمل على متابعة كتابه بكل اهتمام، وعرض وجهة نظره على الرسام، والمخرج الفنى مما أدى لإنتاج عمل جيد يليق بالطفل ، سواء على مستوى النص المكتوب بحرفية ومهارة، أو على مستوى الصورة والألوان، ودمج الرسم بالكلمة بدون أن يطغى أحدهما على الآخر.. ولا يفوتنا قدرة الفنان المدهش “مصطفى برشومى ” واستخدامه للكمبيوتر، والتقنيات الحديثة، لاسيما فهو يعمل بمجلة سمير العريقة، وله أعمال غزيرة فى فن الرسم التعبيرى ،والكوميكس.
وهذه تجربة جديرة بالتأمل والاهتمام، فالكاتب لم يكتف بتقديم نصوصه فقط، وإنما سعى للوصول بمنتجه الى أجمل وأبهى صورة ممكنة. ليجذب حواس الطفل، ويدفعه للقراءة والاستمتاع.
والقصص تمتاز باللغة البسيطة الى حد الدهشة، بدون أن يظهر صوت الكاتب، وإنما استطاعت الشخصيات أن تعبر عن ذاتها بتلقائية. ففى قصة “باب النجار” يتكأ الكاتب على المثل الشعبى الشهير (باب النجار مخلع).. فالطفل الذى يرسله أباه ليأتى بالنجار كى يصلح لهم باب الدار، يذهب ثم يعود بدونه.. وعندما يسأله الأب لما لم يأت بالنجار.. يجيبه الطفل بكل بساطة “وجدت باب داره فى حالة سيئة، وقال الجيران إنه لم يفكر فى إصلاحه”.
الطفل هنا يعتمد على البحث والتقصى، والاستنتاج.. ولم يؤدى دوره بسلبية، وإنما عمل عقله وأدرك أن هذا النجار الذى يهمل باب بيته هو لا يصلح لأن يستجلبه ليصلح باب بيتهم، والقصة تحمل نوعا من المفارقة، وهى لا تخلو من طرافة ، وقدرة -على الذكاء وقراءة الواقع.
وفى قصة “سباق إلى الحلوى” والتى أعدها من أجمل قصص المجموعة، تستوقفنا ثلاثة أشقاء صغار، أصغرهن بنت.. كانوا يتسابقون جميعا من أجل شراء الشيكولاتة بالنقود التى حصلوا عليها بالتساوى من والدهم.. وكأن الكاتب يؤكد على قيمة العدل والمساواة بين الأشقاء حتى لا ينتج عن ذلك جفوة، أو بغيضة.. فهو يبدأ قصته : “أعطانا أبى نقودا بالتساوى ليشترى كل منا الحلوى التى يحبها..”.. والأب يرغب أبناءه فى شراء الحلوى الجيدة وحبذا لو كانت شيكولاتة ( لا بأس “الشيكولاتة” لا تضر). فهى أفضل على كل حال.. هكذا قدمها الكاتب على لسان الأب بدون أن يتوقف عندها.
وفى جو تمتزج فيه روح الطفولة بالسعادة والمرح يتسابق الصغار.. للوصول إلى دكان عم”حسن” البقال.. كانت أختهما الصغرى فى المقدمة، وكانت سعيدة مبتهجة وهى تعلن بطفولية محببة كعادة الصغار دائما “سبقتك يا “أحمد”.. وسبقتك يا “محمود”.
تضحك أكثر وهى تقول:” أختكما الصغرى أسرع وأشطر منكما”
بينما شقيقيها يضحكان، فهما برغم طفولتهما الطازجة إلا أن النخوة والشهامة دفعتهما ـ بكل حب ـ لأن يسمحا لها بالتقدم عليهما مادام ذلك يفرحها..
“..أضحك ويضحك محمود
ونقول لأنفسنا:
ـ دعها تسبقنا. هذا يفرحها ويفرحنا..”

لكن المفاجأة الغير متوقعة هى اصطدام أختهما الصغرى بقطة ظهرت فجأة لتسقط الصغيرة فريدة وتطير النقود من يدها.. ثم يصطدم شقيقها محمود بها وهو يحاول أن يمسكها.. لتطير نقوده هو الآخر.. ويطير معها الأمل فى شراء الحلوى اللذيذة.. لكن شقيقهما أحمد يخرج نقوده ويقدمها لفريدة لتشترى الحلوى ، ثم يتولى شقيقه محمود تقسيمها بينهم بالتساوي..
هكذا ، وبمنتهى البساطة يقدم الكاتب درسا بليغا لمعنى الايثار، فضلا عن صفات النبل والشهامة، التى ينبغى علينا أن نلقنها أولادنا لينشأوا على تلك المعانى النبيلة، السامية.
وفى قصة “الذكريات الطيبة” نجد قيمة أخرى وهى أواصر المحبة التى تربط بين الجيران وبعضهم. فرغم ما قد يحدث من خلافات أحيانا (وهذا أمر طبيعى يحدث كثيرا )، إلا أن العلاقات الإنسانية والذكريات الطيبة تظل هى الأبقى .. وهى تعد من رسائل الإسلام السمحة. فها هو الطفل الراوى يسرد لنا قصة الجارة أم خالد التى أعلنت عن نيتها بالانتقال قريبا الى بيت جديد. لنجد أم الراوى تعد لها بعض الهدايا من كعك وفاكهة وغيره، ثم تحمل كل ذلك برفقة ابنتها الكبرى، وطفلها الأصغر ليقوموا بزيارتها
إنها قصة تدعونا لنحسن إلى الجار، ونتجاوز تلك المشاحنات حتى لا تعكر صفو العلاقة الطيبة، والقصة تحمل قدرا من الحميمية، والدفء.. وتبرز واقع اجتماعى يحتمل الخلاف، ويعلى من شأن التسامح،وأواصر المودة والمحبة .
وفى قصة ” الكلب صديقى” نجد قيمة أخرى يؤكد عليها كاتبنا المبدع “طارق سعد” وهى صفة الوفاء.. من خلال مجتمع الصغار الذين يتحاورون بجدية فى أمر “أسد” ذلك الكلب العجوز، الذى لم يعد يتمتع بلياقته ومهاراته كالسابق، إنهم يتحدثون فيما بينهم بجدية واهتمام. مالذى يجب فعله مع هذا الكلب، وكيف يمكن التخلص منه. والحيوانات كما هو معلوم لها اهتمام خاص عند الأطفال، فثمة علاقة حميمية تربط بين الصغار وبين عالم الحيوانات.. والكلب تحديدا له خصوصية فى قلوبهم، لما يمتاز به من صفات محببة. أهمها الوفاء، والشجاعة. والصبر، والذكاء بالطبع، واستجابته لهم ومشاركته اللعب والمرح معهم.. ولعل الكلب “أسد” قد استشعر اجتماع هؤلاء الصغار ومحاورتهم الجادة فى أمر يخصه، قد دفع به لأن يظهر قدراته التى لايزال يحتفظ ببعض منها ليبرهن على مدى ارتباطه بهم وتمسكه بصحبتهم. وقد ظهر ذلك جليا فى سلوك “أسد” والتصاقه بصديقه راوى القصة. ومحاولة لفت انتباهه بأنه لا يزال يتمتع بخصائصه ككلب شجاع، لايهاب الذئاب، وأنه جدير بلقب “أسد”..
“سكت “رفاعى” و”متولى”.. وتبادلا النظرات فيما بينهما وبين “أسد” الراقد عند قدمى بصمت..قمت ومشيت ببطء. فقام”أسد” ومشى بقربى..طوحت يدى،ركلت الهواء، زفرت،عقدت يداى خلف ظهرى,حككت رأسى بيدى، وعدت لأجلس،فرقد بجوارى..نظرت اليه ،فشعرت أنه يفهم كل مايدور حوله، ويفكر باضطراب وتوتر..أفهم جيدا ماذا تعنى نظراته،حركة عينيه، سكون ذيله أو تحريكه باضطراب..”
انظروا إلى أى مدى بلغ الشعور الانسانى المتبادل بين الكلب وصاحبه. والكاتب هنا يؤكد على قيمة الوفاء، ليس فقط عند الكلب، ولكن وفاء صاحبه، ومدى تعاطفه معه،مما جعل الكلب يستشعر هذا الشعور العميق المرهف.ويعبر عنه بنباحه الخفيف المرح.
ولم يهمل الكاتب الجوانب الخلفية للقصة بوصفه الدقيق للطبيعة ، والطيور.. والحيوانات.. ليصنع أجواء ثرية، تعطى عمقا وظلالا للقصة.. بلغة رشيقة ومرحة .
ويختم الكاتب مجموعته القصصية بقصة “فى مدينة الملاهى” وهى تعد القصة الرئيسية والتى يحمل عنوانها اسم المجموعة.
نحن هنا بصدد رحلة تجمع بين مجموعة من الأصدقاء الصغار.. خرجوا بغية الترفيه والاستمتاع.. ولما لا.. أليست مدينة الملاهى، والتى تعنى من اسمها أنها البيئة المناسبة لكل مفردات الطفولة المبهجة من سعادة ولعب وسباق ومرح.. بيد أن الكاتب يضعنا أما موقف انسانى مهم. عندما رفض صديقهم ( مسعود ) أن يشاركهم اللهو واللعب.. وقد حاولوا اقناعه ، لكنه كان يقدم لهم المبرر المنطقى من وجهة نظره لعدم اللعب.. فالأرجوحة مثلا تسبب له التعب والإغماء.. وبيت الأشباح فظيع لا يمكنه تحمله.. ولعبة القطار السريع قد تؤدى للموت.. وبيت المرايا السحرية تعد من الجنون.
وهنا يتبادلون الحوار، وعرض وجهات النظر فيما يخص صديقهم مسعود، الرافض المشاركة . حتى اتهمه أحدهم بالبخل..”..يموت لو صرف شيئا من نقوده فى اللعب مع أصحابه ولو مرة كل عام”
لكن صديقهم صلاح يرفض مثل هذا الكلام الذى قد يجرح صديقهم.
ويتصاعد الحوار، ليكتشف مسعود فقده لنقوده التى معه.. وهنا تنتابه حالة حزن شديد..وجلس كالمهدود يكلم نفسه بذهول”
ـ ضاعت النقود..كانت كثيرة!
وهنا يقدم لنا الكاتب قيمة أخرى جديدة، انها قيمة التعاون،ومساندة الصديق وقت الشدة، ومؤزرته، ومحاولة التخفيف عنه بقدر الإمكان.. الصداقة تحتم ذلك..وعليهم ألا يسمحوا لشىء يفقدهم متعتهم،وسعادتهم التى جاءوا من أجلها..فهم جميعا أصدقاء، والصديق الحق صديق الحاجة.. والصديق وقت الضيق.. وهكذا عادت الابتسامة المشرقة إلى وجه مسعود، الذى أعلن بمزيج من الفرح والخجل:
ـ أنتم أفضل أصحابى.
لقد قالها من قلبه لما رآه من صدق مشاعرهم، وموقفهم النبيل. وهكذا عادوا جميعا الى اللعب والمرح.
هذه مجموعة تعد إضافة جديدة الى مكتبة الطفل.. تحمل مجموعة من القيم النبيلة بطريقة شائقة وماتعة.. تعلمنا أن الخير والسعادة تتحقق دوما بالتعاون والمحبة، والأثرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبد الظاهر المطارقى
قاص وكاتب أدب أطفال

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق