قراءات ودراسات

ملف المرأة الكاتبة.. سؤال الحرية والإبداع

سمر محفوض*

صوت واحد فقط يكفي  كي يبدل الكون لون عينيه وليمزق صمت حياة كاملة لأن الأدب حاجة يومية  لتأكيد إنسانية الفرد بكل  بوحها وفصاحتها كحرية تؤكد دائماً وأبدا على الاحتفاء  بتفاصيلها دون النظر  إلى ما ستجره عليها من عواصف. ولأن الأدب حاجة يومية بكل  بوحها وفصاحتها هي حرية تتقن صفاتها الأليفة وصواعق عدوانيتها في ظل ثقافات الرياء والازدواجية حرية تصر على عدم احتراف قهر الكائن فينا فلا نبقى فقراء إلى لجوء دافئ وذكريات رشيقة ..يأتي الإبداع ليكون نشيد مديح للحياة من شأنه أن يشدنا  ترقباً وانتظاراً  وخفقان  قلب  يتصاعد  انتباهاً  للحظات  النازفة  على شواهد احتفائنا والخطى  المديدة  وبقدر ما تكون هذه الوسيلة مستحيلة التحقيق  في لحظتنا  الحاضرة، يرسمها المبدع أو المبدعة ببراعة  كمرجعية  سلوكية ومعرفية…

لتشمل مساحات ومناطق ليس من باب التورط وليس من باب الاحتمال  والرؤى  إنما هي العلاقة مع الروح  بهذا المستوى من القلق، والهاجس  الذي يستوجب البحث  الذي لا يقبل بأقل من هلاك في مخاضات السؤال في بارقة واحدة يحمل كل عكر وصفاء الكون…أسئلة تتكرر تختزل التفاؤل لا تبدده فقط تجمده  لتبقى الأصداء تلاحقنا، وأنت  لا ذنب لك في كل ذلك سوى انك تحسس حتمية دخولك في العتمة لكي تقرأ من جديد مفرداتك بلغة مخترعة من زمن بعيد، إنما هي معلقة في فضاء ذاكرتنا المتوقفة عن إنتاج الفرح كلعنة حاصرت الحلم حتى نتعلم من جديد القراءة بالحواس.

سيظل مفهوم الثقافة النسوية عموماً مفهوماً خلافياً بامتياز كونه يتشكل  باستمرار هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعلاقته مع ما هو إنساني وعدم قابليته للتأطير والتحديد. ولأن الأنشطة الإنسانية  متعددة ومتمايزة في مجتمعاتنا لذا يغدو من الطبيعي قابليته للخلاف والتأويل في الوقت الذي يجرب التعريف فيه لكي يقبض على الثابت فيه ليصبح تورط المثقفين عموما والمبدعة خصوصاً مصدر قلق سبب ما يمر به المجتمع من ضغوطات مادية  ونفسية تّكرس الإحباط وعدم التوازن حيث تجد المبدعة  نفسها مشدودة بين نمطين؛ ينحو الأول حيث تتطلع من متغيرات معاصرة وهي كثيرة ومتنوعة وشديدة السرعة  تشارك فيها المبدعة بطموحها لكنها تفتقد الأدوات لاكتشاف الطرائق المناسبة ماتعده هدفاً أو أهدافاً مجتمعية وفي ذات الآن يشدها النمط الثاني المتمثل بسلطة مجتمعية  لا سبيل للخروج من حلقاتها مهما بدأت ضعيفة في لحظة ما من مستوياتها المتعددة تمارس ضغوطاً لتحافظ من  خلالها على  تشكيل أنماطها الممانعة للتغيير، تلك السلطة المجتمعية التي استخدمت تسويغات  تطعن التجدد بشرعيات تفتقد للتماسك والأهداف وهي رغم ذالك قوية كونها ترسخت بأشكال متنوعة توجه دوافع المبدعة من حيث قوه ما تمثله  البيئة التي شكلت مركزا خارج حياتها النفسية وداخل بنيتها. لهذا أجد أن مفهوم التفاعل مع الثقافة في مجتمعاتنا محاصر في غياب إرادة  التغيير عند حدود تصورات وأفكار وطرائق حياة متناقضة لم تنضج فيها ثقافة مستقبلية ذات سمات تمكنها من تحريك الحياة  الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نحو التطوير على مستوى التحديات حيث المجتمع قابلا للاستهواء  بسبب النمط الثقافي المعتمد على الشعارات والذي لم يتمكن من  رسم ملامح أداء يقدر على تحويلها  إلى أفعال لتصبح الهوية المبدعة موضوع التساؤل ذات الشخصية المحورية بل تبقى هكذا مفتوحة على لا شيء غالبا. ربما هي أكثر من دعوة لإنخطافنا نحو البداهة في عنق مواسمنا كهتاف لمطر يغيم في سفوح الرؤى ويخنق شهقة عتب مباغت بيدين من شوق يرمي المارين بنتاج خصبها أشرعة عفوية باتجاه الود المتشاقي تعبيراً عن دهشة مبكرة كصيرورة لها توغلها وعمقها او  كعلاقة النص الإبداعي بالمجتمع .وهو على صعيد الإبداع النسائي طرح لدينا العديد من الأسئلة حول ضمير الغائب ولم يكن طرحا مفتعلا بل من وسط هذا الضمير بعالميه الروحي والجسدي كما في رواية الدكتورة هيفاء بيطار إمراءه من طابقين ليفيق القراء على مناطق مجهولة تعيش بينهم ولا يعرفون عنها شيء المسألة ليست دعوة  للاعتراف ولا للمعرفة  بقدر ما هي  كشف عن الواقع عبر نص إبداعي  قامت به مبدعات عديدات والملاحظ هو كثرة ردود الفعل الايجابية وان انقسمت مابين مؤيد ومعارض  مثل رواية بنات الرياض لرجاء عبد الله الصانع .لان المرأة اخترقت ببنائها الإبداعي محظورا تم بناؤه عبر ترتيبات قسرية لاتمت إليه بصله اعني هنا المجتمع لهذا كان سعيدا بالكشف حيث أتيح له إلقاء النور على العالم المجاور  وهذا طبعا يحصل عادة في المجتمعات  المحافظة إذاً العمل الإبداعي النسوي بشكل ما هو هنا عمل للمجتمع يتبلور مع تحولاته الكونية ويساعد على طرح أسئلة تعيد تفاعلاتها الذاتية بعيدا عن الضجيج أو المواجهات الحادة  لصالح المكان الافتراضي  الذي يتسلل إلى حياة المجتمع  متجاوزة الأمكنة بكل أنماطها  لصالح الاختصار( شاشة الكمبيوتر) التي تحرك عوالم في غاية الدقة والخطورة دون أن يخطط المجتمع لذالك هي منظومة تابعة لشبكة الانترنيت التي تتجاوز الخصوصية  والموروث بجيل لم يحدد موقف نهائي منها وجيل يحتفي بها في الرؤية والعبور نحو المستقبل  كعمل إبداعي سهل التناول والنشر فردي لا ينتمي إلى مختبر الفعل الذهني فقط بل يتجاوزه كنتاج عربي  له ملاقته الكونية كما في تركيا مثلا  عند الكاتبة نازلي رأي وفي امريكا الجنوبية جواكيم  ماشادو دي أسيس  هذا النتاج بقدر ماهو متاح للكشف عما يحدث بالقاع  الإنساني عموما و العربي تحديدا  تتقاطع فيه الحقيقة مع الأسئلة عنها والشكوك مع حتمية انتماء الفعل الإبداعي  إلى شرط ترتيب حالة جديدة وجعل الحدث هوية  وفضاء للخيال ضمن الخيالي أننا أمام فضاء جديد للإبداع لاهو سّّيري ذاتي ولا واقعي سحري ولا نمطي كلاسيكي  ولا علمي بحت أو حتى خيال علمي بل هو مزيج من فلسفة الخيال الافتراضي كما عند الكاتبة الجزائرية ياسمينة صالح في روايتها “بحر الصمت” أي هي أحداث لا يمكن التحقق من صحتها  لكنها تروى وكأنها اليقظة الذهنية المفتوحة على الاحتمالات كلها, ابرز ما يميز ذالك المنجز النسوي  هو فيض التفاعلات  النصية على المستوى الحكائي الذاتي  أي تفاعل  نصوص المبدع/ة الواحد/ة مع نفسها ليس على المستوى البنائي بل على النحو الدال على ان ثمة محورا ومعيارا  ما ينفك يتراكب  ممثلا جذرا مركزيا في مجمل فعاليات الشخصية المبدعة وعلاقتها بما حولها لأننا كثيراً ما ننشغل بالمفاهيم الفيزيائية للشكل والمضمون ونهمل مفهوم الحرية ونحن بحاجة لإضاءة مفهوم العمل الحر  لا بل بإضافة الحب بمفهومه الشامل  بدمجه مع عالمنا المقلق بتركيبة ما لنشكل مسارا لتحقيق صيغ أكثر إنسانية وأكثر انتماء واشتباك بالبنى الروحية ..وبالتالي التراكم ليس معزولا عن الواقع المعايش فالابداع كائن بفضائل يافعةٍ .. تتبوتقُ في تأملات متوحدة .. تَمنحُ حقيقةً سيكولوجيّةً جماليةً  للحياة .. تتجاوز تفاصيلَ العلاقاتِ اليوميّة، نَحو ديالكتيك القمَّةِ   كل ذالك والمبدع/ة قابضاً/ة على شريانه، وهو يضع مباضعَ الكلماتِ تَحتَ إمرتهِ بشكلٍ ملائم، وترتيبٍ أكثرَ مُلائمة، لتجعل الحياة  من لوحاتِ قَصائدها تعاويذَ لِمردتها تضجُّ بالحياة بالتوق وتنبض بالطفولة …. تستفزِّك لتفتح نافذةً للجرحِ بدءً من أَخمصِ الاعتذارِ حتى جنون الانسكاب .

.. وتَمتدُّ بعيداً عن مَركزيَّة الذَّات، والأنا المتفرِّد،.. لتشحذ قَناعتنا بأن التجربة والمعايش تَجعلان النص الإبداعي حَقلاً للاستقصاءاتِ والأخلاقيّاتِ المستمرَّة، لطرح الأسئلةِ الصَّغيرة، وإعادة صياغة الأسئلةِ الكُبرى .

شخصيا أنا أكتب لأنني أعيش هزائم و محنا  وأشراقات مختلفة و أتمنى أن اكتب أشياء جميلة تشبه الحياة، لان الحياة برأي وبمنظوري جميلة، عظيمة، رائعة ونستحقها بالكامل وبحقيقتها،الكتابة فعل حياة نستحضرها  بأحاسيس عالية لان صوتا ما بداخلنا  يطالب بالخروج ولأننا كذالك  يجب ان نكتب ما بداخلنا  لا ما يريد منا الآخرون  أي ان نكون ذاتنا   المتفردة  عندما تصل إلى التعبير عن ذاتها  تصل الى المصالحة مع الكون نستحضرها كمن يتلو صفات  اله عتيق بموسيقى الضوء  والارتحال بالزمان والمكان الى وتريات الخفق  ونحن مخفورين بنبع جاري بلا أوامر حيث لا مفر ولا اكتمال  للطقس الإبداعي الا بالتفاصيل  ودلالاتها

ولان الكتابة تجعل من الممكن قبول المتغيرات الهائلة في سمات الإنسان فينا ومن حولنا  كدخول عارم بالفتنة واقتراف الحياة عبر الحرف المسيج بالسؤال   بشغف  كما يكتب الموج  أزمنته، حتى أخر قطرة ملح  من المشهد العميق بما يشبه الحياة كشكل من إنعتاق  الصحو  إلى أطراف حلمنا نتفقد أصابعنا بشغف بعيدا عن الضجيج لوقت قابل للرفض والقبول بكل الكلمات الطيبة ثمة أشياء لم أكتشفها بعد خارجي وداخلي طبعا اعرف أن ما لدينا يكفينا وكذلك الأشلاء المتطايرة أيضا لعشرة ألاف غد يمد

أصابعه كالنهر ويربت بسخرية على خد العطش وهو يركل الكرة الأرضية في المرآة ويقفز مندهشا من كثرة الهشيم بينما نحن  في غمرة انشغالنا نسينا طفولتنا و هذا الوقت ضائع مثلنا يتكاثر في أقوالنا جملا مفككة كما السنابل المؤجلة لنكتشف كم  متخمين نحن بتوهمنا . . . . . والكون حولنا مساحات ضاقت بأنبياء الروح واتسعت لقطاع الطرق وال…..وشرخ الذاكرة المبرقعة،  فلنحذر من الأسئلة، فكل الإجابات ماكرة تمارس الطواف فوق يبوسنا مطرا متقطعا ونحن نقرأ أحوال الطقس في فناجين قهوتنا وفي خطوط الطول والعرض بكف الأرض المتجعدة ظمأ. ما أقسى أن تتفرغ الحياة لنفسها ولا تجد راحة ولا توق. فإذا كانت أحلامنا قد خمدت، من عذوبة الترقب الذي يشدنا حتى الانشداه، فثمة شوق يستمد قوته بأكبر قدر ممكن من البراعة من المهزلة، كما من النزف في داخلنا، لذا فهو يخربش صورا وأشكالا على جدران الحاضر وأرصفته بطاقة خلاقة، وتجربة مذهلة ونحن وسط محرقة صنعناها من نسيج الروح لأمل يزغرد فيها ووقت قرر أن يستقل برائحته التي كانت أول دفق إنساني يطالعنا بمدينة حجرية وغير محايدة كما المطر الذي ينهمر بشوق والناس يحثون الخطى إلى شؤونهم غير مبالين وكأنهم دمى متحركة بفعل آلي. فهل الأعمال أكبر حجما من الزمن والمتغيرات؟ العمر يصيح مزعجا إذا توقفنا عن استعماله لذا نفسح في الروح حيزا للمفاجآت ونجتاز ممر الشجن مبالين بمطر متهشم على امتداد الورق….وأنا مازلت أنتظر ثم أليس غريبا أن يكتشف سندباد وهو يبحث عن مدينته المقهورة أن غصن شوق يمتد من أنكيدو إلى عمر الخيام إلينا…..  فكيف نهدأ؟ هل يكون باكتمال القصيدة المترصدة زمنا يأتي إلينا من غفلة الوقت عنا أم من جراحنا المبحرة في أنقاض الجسد المجزئ، السراب الفراغ وحكايانا وحدنا وحسب؟ أعرف وأعرف كم أسكرتنا انتظارتنا للعبور نحو الجسد المقيد بالصفات النازفة منه لا تتساءل لماذا… فالكتابة مخاتلة وأنا ببساطة اكتب لأصيغ روحي فيصير لها شكل.

…………..

*شاعرة وناقدة من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق