ثقافة النثر والقصيد

وقفة فى محكمةِ الصمتْ !

حسن حجازي حسن*

أيها الكون العابث أصمت
إليك َ شهادتي الأخيرة
ثم أصدر حكمك الأسود !

أرجوك اسمعني مرة
واعطني من وقتك لحظة
ربما تنسى أني مثلك حشرة
لا تستحقُ هذي الحياة !

أيها الكون
لن ترهبني النهاية
إنى لا أخاف القيامة
لأني والموت سواء !

قيامتي كانت بالأمس ِ
عندما مات
فى القلبِ نبضي
فحفرتُ بيدي رمسي
ودفنتُ فيهِ نفسي
بعدما مللتُ الحياة !

أيها الكون
لن اطيل عليك
إني مخلوقٌ صغير
تعرفُ عني أكثر مني
قضيتُ عمري أبحثُ عن نفسي
وفى لحظات ِ يأسي
مللت ُ بحثي
عن نصفي الآخر
عن نصفي الأبيض
لأتطهر من ذنوبِ البشر
لأنسى من طغى
وأنسى من هجر
أعفو ع َمن خان
وأصفحُ عَمن غدر !

أيها الكون
أنا منك َ
وأنتَ مني
وأحمل ُ فى دمي
معاني الفناء
وأنا هالك
فأنتَ هالك !

فجرك من فجري
زهرك من زهري
عمرك من عمري
لأني انا منكَ
وأنتَ مني
أنتَ الماضي والحاضر
وأنا صفرٌ ضائع
فى تاريخِ الأيام
أنا إنسان ٌ يائس
أتعثرُ بين الوديان
أنا شبح ٌ راكض
فى سفري عبر الأكوان !
أيها الكون تمهل
لا تصدر حكمك
فقد حكمتُ على نفسي بنفسي
سأعيشُ خلفَ الجدران
أضاجعُ الصمتَ
في مملكةِ الصمت
تلهو على صدري الجرذان
بأنى منبوذ ٌ
بين المخلوقات
بأنى تائه
فى سفري بين الفلوات !

أيها الكون أنظر
لو كان لديك قلبٌ يشعر
كيف يموت الحبُ
فى دنيا البشر
أنظر لو كانت لديك عينٌ تبصر
كيف يموتُ الصدقُ
فى سراديبِ الحفر
فى متاهاتِ الغجر
فى دروبِ الإنتظار
ليل نهار
فلتنسَى!
قالها العصفور الهارب
من مملكة الصمت

أنسى ؟!
كيف انسى
والناسُ تهيم ُ فى الأشعار ؟
يقرؤون الكف
يطالعونَ الأسرار ؟
ليعرفوا السرَ المزعوم
سرَ الأسرار !

يا إله الكون
يا عالم الأسرار
انجدني من هذا الكون
وأرحني منه اليوم
فقد أتعبني طول النوم
بعد صدور الحكم
بعد تفشي الظلم
وسفري عبر الأكوان
عبر دروب التاريخ
عبر دروب الوهم !

يقولون بأن التاريخَ يعيدُ نفسه
وعند ولادتي
كانت صرختي
عند الميلاد أبكي
والآن كما تراني اليوم أبكي
أبكى نفسي والبشر
أصفح عَمن خان
وعَمن غدر
ونفسي بيضاء ُ الصفحة
بغير ذنوب ٍ بشرية !

لست ُ بشيخ ٍ أو
أحد الرهبان
أو فرداً بينَ القطعان
إنما ضيعني الإنسان
إنما ضيعني الإيمان
حباً في السرِ الأوحد
حباً في الفيض ِ الأسعد
حُبا ً فيك َ وفى ذاتك
فالهمني سرَ الذات
قبل َ رحيلي الأول
فى الزمنِ الأول
قبل َ ضياعي الأول
في التكوينِ الأول
قبل َ عذابي فى الميلاد
فانقذني قبل سماع الحكم
أنقدني يا رب الكون
أنقذني من هذا الكون
فقد صدرَ الحكم
وحُكِمَ عليَّ بالحياة
وما أتعسها حياة !

*عضو اتحاد كتاب مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق