ثقافة النثر والقصيد

في مديح الهاوية

آمال نوار

تسلبُني روحُ الهاوية بعمقها الكابوسيّ.

أنزلقُ إلى عتمتها، كما لو إلى عُمْر الشيخوخة.

أَهوِي في هذا الشيء الأَسود الذي يستطيلُ ويضيقُ حتّى ليغدوَ أُنبوبَ عُوَاء.

أهبطُ في حُلمي، كما في حَسْرَتي هُبوطَ النِّعَم أو اللعناتِ مدفوعةً بقوى قدَرٍ خارقةٍ، لا تُميّزُ بين الرحمة والنّقمة.

كأنَّ الهُبوطَ يُعيدُ لَأْمَ المُدَمَّرِ فيَّ. يَضمُّ شُرُوخي، يَرِصُّ انكساراتي في مصيرٍ قاسي اللُبّ، وفي يقينٍ، يُشبهُ الشُّعورَ بالعَظَمة.

الهاويةُ لي، ألهو فيها وحدي، أتعشّقُ ذاتي، وأنا أُضَحِّي بها، لأنقذَها في عُمقِ مُنتهى العالم.

سأُسمِّيه ظلامَ السعادةِ؛ ذلك السُقُوطُ من بُرجٍ شاهقٍ في الرأسِ إلى حيثُ الروحُ تغتسلُ بالريحِ، والريحُ تمتزجُ باللامتناهي، إلى حيثُ الهذيانُ خريطةُ امرأةٍ، تُحِسُّ بعُريها وهو يَمضي في أحشائها، يُجَرِّدُها من كآبةٍ أثيثةٍ بين طبقاتها.

في طريقي إلى السماء أَرُقُّ كمَغْفِرةٍ، وأَشفُّ كالعَفاف، أمّا في هُبوطي، فأنا بُركانُ هَلْوَسةٍ يتشظّى من قاع طَبْع حيوانٍ أفريقي.

الصاعدُ يتوقُ إلى الوصولِ، أمّا الهابطُ، فتدفعُه رغبةُ عدم الوصولِ، إلى الرقصِ طويلاً في الخَطَر. ولذا أنا أُواصِلُ سُقوطي حتّى على سطحِ أشياءَ بلا عُمق، أُواصلُ شهقتي إلى تُخُومِ الفردوسِ والشَّقَاء.

في مقابلِ سَفَرٍ أُفقيّ، الهاويةُ سَفَري العَمُوديّ. أنزلُ بحُبِّي ودَنَسِي مُقمَّطةً بالسُّحُبِ ، حَنُونةً كرُقادِ القِططةِ، ومُسْرِفةً في مُداعبةِ ظُلماتي، كأنَّها وَبَرُ حياتي الحالِمة.

لا مكانَ هُنا للغضبِ أو الشجاعة، إنّه التّقزُّزُ، إذْ يغدو جميلاً بفعلِ رخاوةِ الكائناتِ من حولي. أفتحُ ذراعيَّ في هبوطي، ليخرجَ من صَدْري صدى جحيمِ العالمِ، ويتقطَّرُ صدأُ البلاهةِ من رؤوسِ أقمارٍ أرضيةٍ إلى أن أتنشّقَ ريحانَ الوجودِ ثانيةً، وتنمو في قلبي سُنبلة.

في المَجْهولِ، لا أضجرُ أبداً. أقعُ أنا الغريبةُ في حضنِ الغريب، رحلةٌ ساحرةٌ بلا انتماءٍ إلاّ لبَرْقٍ يُعْمِينا. شراراتُ طَرَبٍ أنهمرُ، حيثُ صوتٌ يدعُوني إلى التحليقِ عميقاً بين رُفاتِ نجومٍ وخلايا أشياء، تقفزُ بجنونٍ مثلي فاردةً جناح يأْسِها الحَجَر.

وأنا أسقطُ، لا أُبصرُ غيرَ رَوْعَةِ الانطفاء. سِتارٌ مُخمليٌّ من سَوَادِ اللُّغةِ، من عُصُور ما قبل الكلامِ، يُدَثِّرُ رؤيا سُقُوطي، فأشعرُ بالرضا، كقَدَرٍ طَيِّبٍ أَصابَ البَلاء.

ليس هروباً، إنّما انعتاقاً من طموحِ فكرةِ العُلُوِّ، أَهْوي بكلِّ ارتقاءاتي إلى جُرحٍ جَوْهَريّ، يُعَمِّقُهُ الشّفاءُ، إلى سّرِّ صلابةٍ يُحطِّمُها الماءُ، إلى عجزٍ يصيرُ وَحْشاً كاسراً في الهواء. أَنحَدِرُ بلا دليلٍ للعودةِ سوى أنَّ سمائي الخاصّة تَتَّسِعُ كُلما ضاقَ القاع.

ليس غيرَ الهاويةِ ملاذُ نَفْسٍ ضاقتْ عليها السماءُ، ضاقتِ الأرضُ والمعاني والبشر.

نَفْسي تَهْوي من خُرافةِ المعرفة، من ابتذالِ الأيام، من كُرْسيّ التأمُّلِ المُتَحَرِّك.

نَفْسي اللطيفةُ المَشْلولةُ الكامِنةُ وراء ابتساماتها، والتي فقدَت أفكاراً كثيرةً حفِظَتْها، وأُخرى اكتسبَتْها، تهبطُ نَيْزَكَ مشاعرَ مُلتهبةٍ بأنانيّةٍ ولا مُبالاةٍ نحو سعادةٍ مُستحيلةٍ،

كأنّها بطلةٌ من هذا الزمان.

*شاعرة من لبنان، وهذا نص

من مجموعة شعرية جديدة ستصدر قريبًا عن “دار الفارابي” بعنوان “امرأة الأدغال”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق