حوارات المجلة

الأديبة السعودية بلقيس ملحم لمجلة أخبار الثقافة: العراق بالنسبة لي هوية ووطن ومن حيث لا أدري أجدني أنساق خلفه كظل نخلة

بلقيس ملحم، شاعرة وقاصة سعودية مبدعة، شفافة في لغتها الشعرية، وحارة في جملتها القصصية.. عندما قرأت مجموعتها “أرملة زرياب”(الصادرة عن الدار العربية للعلوم ببيروت) شعرت أنني أمام كاتبة تختزل حميمية النثر في الجملة القصصية، مرتبطة بذاتيتها الموزعة بين الحلم كإنسانة وبين الأرض كمواطنة، بحيث يتحول نخيل العراق إلى مشهد استثنائي يجعلك تتساءل عن عراقية بلقيس السعودية، التي لا تنسى جذورها الممتدة من الفرات إلى الإحساء.. في هذا الحوار، كان لنا لقاء معها على بعد أيام من صدور روايتها الأولى من بيروت، حاولنا أن نقترب من بلقيس الأديبة ومن بلقيس القارئة ومن بلقيس الإنسانة…

مجلة أخبار الثقافة: لو طلبت منك أن تقدمي بلقيس ملحم للقارئ.. ماذا ستقولين عنها؟

بلقيم ملحم: مستقبل حلم لوالدي رحمه الله! والدي الذي كان يُلقِّني حذافير رؤيته المستقبلية نحوي، حين كنت أردد على مسامعه ترتيل الآيات. وأسترق غفوته في تقليب أورقه الصفراء التي كان يخبز بها قصائده المُحلاّة بالدبس!

مجلة أخبار الثقافة: كإعلامية وقاصة، كيف تعرفين العملية الإبداعية انطلاقا من كونك ممارسة لها؟

بلقيم ملحم: لعل الكتابة أجمل شيء أخترعه الإنسان، لأنها وسيلة تعبير وتواصل بلا شك. لذا يعيش الإنسان بما تركه من بصمة إبداع. أستطيع القول بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي توحد الشعوب وتبقي أثرا في النفس. ويبقى الإبداع محركا لكوامن التغيير التي ينتظرها المتلقي.

مجلة أخبار الثقافة: لعل ما نشاهده عبر الشبكة العنكبوتية أو حتى عبر بعض الإصدارات الأدبية أنها تركز على الشكل أكثر من تركيزها على المضمون، بمعنى أنها مجرد نصوص آنية.. ما رأيك؟

بلقيم ملحم: كل ما هو زبد يذهب مع الأيام. وهذا كفيل بأن يُطمئن المثقف بشكل خاص. فالعمل الجيد يُثبت نفسه ولو بعد حين. علينا أن نتذكر مثال سلسلة بورتر لنعرف أن الإبهار يذهب مع ظهور من هو أجمل منه شكلا ومضمونا!

مجلة أخبار الثقافة: هذا يقودني إلى الحديث عن الكتب الأكثر مبيعا أيضا والتي تكرس معظمها للكتابة الاستسهالية التي تتعاطى مع الجسد كشكل من أشكال الانتشار على حساب النص نفسه، وعلى حساب الإبداع.. كيف تقرأين هذه الإشكالية كأديبة؟

بلقيم ملحم: الإشكالية التي ذكرتها هي إشكالية ذاتية مع نفس الكاتب لا المسوِّق للكتاب في رأيي. لذا حين يكون لدينا وعي بالمشكلة ذاتها فإننا سنبحث عن النص الجيد أو قل ربما عن غير المنتشر وغير المعروف لنكتشفه أو نعيد اكتشافه. إذْ يمكن تلخيص العلاج في تعاملنا كمثقفين مع الكتاب ككتاب لا كأكثر مبيعا..

مجلة أخبار الثقافة: ماذا عن الأدب السعودي؟ حدثينا عنه انطلاقا من كونك كاتبة وقارئة لما يصدر في السعودية..

بلقيم ملحم: سأكذب عليك إن قلتُ لك بأني مطلعة بشكل واسع على الأدب السعودي. لكن إطلاعي على بعض الأعمال السعودية الجيدة يجعلني أعتز بها باعتبار أنها جاءت متأخرة كثيرا عن الكتاب العرب الآخرين. لكن الكثير منهم أثبت بأن استشرافا للمستقبل يحذو اتجاهه..

مجلة أخبار الثقافة: لعل ما يميز السعودية عن غيرها من دول الخليج هو ظهور “رواية فانتازية” سعودية بأقلام نسائية شكلت في السنوات الماضية ظاهرة بعينها سميت بتسونامي الرواية السعودية.. كيف تقرأين هذا المشهد كأديبة سعودية؟

بلقيم ملحم: السعودية بدأت تنفتح على كل شيء. أقصد هنا الفنون بأشكالها منها الرواية النسائية. بالرغم من ثقل خطواتها وتأخرها. ولما فتح مجال قبول فكرة كتابة المرأة خرج الطوفان ومن حقه أن يخرج. فنحن في زمن يشعر فيه المثقف السعودي خصوصا بمسؤولية الكلمة تعويضا لما فاته من زمن التلقي فقط.

مجلة أخبار الثقافة: ثمة من اتهم دور النشر بالتسويق للرواية الرديئة على حساب إبداع جميل وحقيقي في السعودية تم إهماله لأجل أدب تجاري متسرع.. ما رأيك؟

نعم هذه مشكلة واقعة للأسف. ودور النشر تتحمل مسؤولية كبرى في ذلك. فهناك فساد ثقافي كما هو الفساد الإداري. هناك من يكتب عن الآخر بمقابل. هناك من يسرق النص. ويفضح الآخرين بحجة الكتابة أو الانتقام.. وهناك من يصمت عن مثل هذه التجاوزات.

مجلة أخبار الثقافة: سأنتقل إليك: قبل أكثر من عام، انتشرت عبر المواقع الإخبارية خبر اغتيالك على يد شقيقك بسبب مقالة كتبتها عن حسن نصر الله؟ أرجو أن تحدثينا عن هذا الأمر..

بلقيم ملحم: الإشاعة تفاجأت بها كغيري. ملصقة بي ما هو زور وبهتان. إلا أنها تركت في نفسي ابتسامة عريضة. كونها جاءت على ما أظن ممن يعرفني شخصيا بهدف لفت نظر عائلتي وعشيرتي لما أكتب لأنه فقط سقيم القلب يؤمن بالرأي الأوحد. أما نفي الإشاعة فقد نفيت وكذبتها من أول يوم ظهرت فيه ونشرت ذلك في عدة مواقع.

مجلة أخبار الثقافة: هل تشعرين أن الكاتب جزء من الخبر أم أنه صانع للخبر؟

بلقيم ملحم: هو صانع الخبر بمعنى أن يكون هو الخبر نفسه أو من يكتب عنه..

مجلة أخبار الثقافة: لعلي أقصد ان يلجأ بعض الكتاب إلى “الإشاعة” للفت النظر إليهم مثلا.. أليست هذه حالة عودة على ظهر دبابة الإشاعة على حد تعبير الشاعر العراقي “سعدي يوسف”؟

بلقيم ملحم: أنت ذكرتني هنا بموقف أحد الأخوة حين قال لي بأنه كان يتمنى أن ترد إشاعة في حقه مثلي, بل وفكر جديا في صناعتها بنفسه ليعرف فقط مدى حب الناس له. كما أنه عاتبني على سرعة التكذيب الذي لو كان متأخرا لعرفوا من هي بلقيس أكثر.

مجلة أخبار الثقافة: أريد أن أنتقل إلى عوالمك الأدبية.. كيف تولد القصة لتصبح نصا إبداعيا كامل الدهشة؟

بلقيم ملحم: كتابة القصة تختلف عن القصيدة. القصة تأتي مثل ضوء سريع يشعل تفكيرك أو ضوء خافت مستقر يطبخ الفكرة. كما أنها تُمثِّل خلفية شفافة لرؤيتي للأشياء من حولي. وتحويلها إلى قالب نصي قصير أو مكثف. بإمكانك أن تقول أنه انتماء أكثر من كونه عشقا. لأن الانتماء باق أكثر. العراق بالنسبة لي هوية  ووطن ومن حيث لا أدري أجدني أنساق خلفه كظل نخلة. فكل نخلة عراقية قصة وهناك 28 مليون عراقي بمعنى أننا لم نؤدِ بعد حق هذا السواد.

مجلة أخبار الثقافة: يبدو العراق حاضرا فعلا وبقوة في نصوصك القصصية، هل هو عشق أم انتماء روحي؟

بلقيم ملحم: الدافع العاطفي لا يكفي أن تكتب عنه. لذا فالبيئة العراقية بكل مضمونها السياسي والاجتماعي والثقافي لا تكون حاضرة في نصوصي إلا بعد البحث المضني عنها والمعاناة أحيانا في إيجاد الروابط المادية للنص عن طريق البحث المستمر والقراءة المثابرة عن العراق وناسه.

مجلة أخبار الثقافة: هذا يدعوني إلى سؤالك عن ماهية وأهمية البيئة كأداء إبداعي داخل النص بالنسبة إليك؟

بلقيم ملحم: دعني أقول لك ما قاله أحد الكتاب المعروفين – لا يحضرني اسمه الآن- حين سأله مقدم البرنامج عن إحجامه عن كتابة نص روائي تدور أحداثه مثلا في مدينة دبي.- مع احترامي الشديد لها- بينما كتب عن القاهرة ودمشق التي لم يعش فيها أو حتى يراها. فقال في مجمل حديثه بأن المدن الجديدة ذات طابع الحضارة الإسمنتية لا يمكن أن تكون دافعا أو محفزا للكتابة عنها حتى ولو عشت فيها عشرات السنين. لأنها لا تملك المكان القديم برائحة أهله ولم تمر بها أحداثا أو مأساة يمكننا الحديث عنها بعمق التفاصيل. أما كتابتي عن العراق فهو اكتشاف لعوالم خفية ربما أجدها في نفسي قبل كل شيء ولا يخفى عليك بعد ذلك متعة اللعب بالكلمات.

مجلة أخبار الثقافة: تعيش الأمة العربية تحولا مذهلا في الوعي الشعبي نتج عنه سقوط نظامين عتيين في ظرف شهرين.. ما الدور الذي يجب أن يلعبه المثقف في هذه المرحلة المهمة من تاريخ أمته؟

بلقيم ملحم: بداية تحية للشعبين التونسي والمصري ولكل الشعوب العربية التي ترنو للحرية. أما عن دور الكاتب فهو شاهد عيان. وينتظر منه أن يقول كلمته في الوقت المناسب. والشعوب تحيا بالكلمة الصادقة كما تحيا الجزائر! وربما ما تفضلتَ به هو جواب لسؤالك عن البيئة التي يتناولها الكاتب بشكل عام. ومدى فاعليتها في خلق أجواء حية للنص. ومن هذا المنطلق سنرى في القادم الأعمال الكثيرة عن الثورات التي قامت لأنها قدمت أغلى ما يمكن في سبيل الحرية. ودعني هنا أذكر بما قاله أحد الكتاب العالميين: أصدق ما يُكتب عن الحرب هو ما يُكتب بعد أن تنتهي!

مجلة أخبار الثقافة: سأتطرق الآن إلى الرواية التي تشكل اليوم عصب الكتابة الإبداعية من حيث انتشارها ومتابعيها.. كيف تقرأ بلقيس ملحم المتن الروائي العربي الراهن؟

بلقيم ملحم: الرواية العربية في تطور ملحوظ نحو الأفضل. رغم ما يطلب منها من إعادة النظر في المتن الروائي ليكون أكثر تكثيف وتجديدا وملموسا إبداعيا ضمنيا لا شكليا. في الوقت نفسه تواجه ظلما أو قل ربما تجاهلا من بعض المؤسسات الدولية والعربية الداعمة للرواية.

مجلة أخبار الثقافة: ثمة أيضا ما يعرف بالمتن السردي النسوي الذي ظهر بقوة في السنوات الماضية.. ما هي قراءتك له والمآخذ التي تعتبرينها مشوهة له مثلا؟

بلقيم ملحم: ربما ما يؤخذ على النص النسوي العربي، هو تكرار الشكوى دون الخروج من حلقة الذات إلى عالم أرحب من عالم النساء. لأن عالم النساء في رواياتنا العربية وللأسف أصبح مشوها لربطه بالغريزة الجنسية فقط أو ضحية لسلطة هي أقوى منه في الواقع لو أحسنت التدبير. لذا فهي لم تعد تمثل أدوارا رئيسية – فاضلة – في النص العربي.

مجلة أخبار الثقافة: وهل فكرت في اقتحام عالم الرواية؟

بلقيم ملحم: حاليا روايتي الأولى تحت الطبع وفي حال صدورها ستكونون في حسبان إهدائي للأصدقاء والأحبة.

مجلة أخبار الثقافة: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري، ومن المتن السردي النسوي في الجزائر على سبيل المثال؟

بلقيم ملحم: إذا تكلمنا عن الرواية بمفهومها الحقيقي فإننا نعني بذلك الرواية الجزائرية. لا أقول ذلك مجاملة ولكني حقيقة وجدت فيها النص المتين المتماسك والحبكة الاستثنائية واللغة الفريدة في تكوين شخصيات تلاحق ظلك أينما كنت. لازلت ولا أزال أؤمن بأن الرواية الجزائرية هي الرائدة سواء كتبها رجل أو امرأة، وإذا كنت تبحث عن الجيد بمعنى الباقي في ذاكرة المتلقي فإنك لن تجد في المائة سوى رحالة واحدة! وأنا وجدتها حقيقة إذا عنينا بالخصوص الرواية الجزائرية في رواحل عدة هذا ما يعني تميزها عن غيرها باعتبارها الرائدة في هذا المجال الأدبي. وجدتها في المرحوم الطاهر وطار وواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وياسمينة صالح وجميلة طبلاوي. لكن تبقى مشكلة الانفتاح المتأخر على المغرب العربي بشكل عام هو ما جعلنا نكتشفه متأخرين لكن سرعان ما أدرك القارئ العربي بأن عليه استدراك ما فاته من نتاج الأدب المغاربي ليعوض ما فاته من جمال لا يمكنه أن يجده في مكان آخر..

مجلة أخبار الثقافة: ماذا تقرأين الآن؟

بلقيم ملحم: اقرأ الآن البيت الأندلسي. ذاك الأعرج خلاب بمعنى الكلمة. إنه عرَّاب الرواية الحديثة.

مجلة أخبار الثقافة: ماذا تكتبين؟

بلقيم ملحم: حاليا أنظم مجموعتي الشعرية التي ترى النور قريبا بإذن الله.

مجلة أخبار الثقافة: كلمة لقراء مجلتنا؟

بلقيم ملحم: لو كان للحاسوب يدا لصافحتكم فردا فردا، ولكنه بياض المسافة التي بيننا كاف لخلق أجواء من الصداقة والمحبة. كل ما أتمناه أن أكون ضيفة خفيفة عليكم. متطلعة لكل نجاح يطوقكم بياسمينه. دمتم وسلمتم ولتحيا الجزائر واشهدوا..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق