قراءات ودراسات

“فريد معوض” يغرس حكايات دائمة الخضرة فى مجموعته القصصية “علمنا الطير”

بقلم/ محمد عبد الظاهر المطارقي

شخصيته تشبه الى حد كبير شخصيات قصصه.. كأنما خرج لتوه من بين الصفحات، بعد أن غرس فى فضاءاتها الممتدة حكايات طازجة بطعم الحياة..ثمة حالة من الاتساق العجيب تجمع بين هذه الشخصية العجيبة وبين أبطال قصصه.. فعلى نغمات صوته الدافىء كانت تبتسم الشمس وهى تفرد أجنحتها الذهبية لتفترش عالمه الأخضر..وتصدح العصافير بأروع الألحان.. وتنشد الأرض من أعماق قلبها أناشيد مشذبة فى شكل أشجار وأزهار.. وسلاسل ذهبية من السنابل .. وأنهار تتهادى فى سعادة كطفل متوقد الحركة، يقبض على حلمه ، ويسعى إلى تحقيقه مبتهجا.. وأذرع الطبيعة الخلابة تحيط بعالم عبقرى شائق.. شخوصه نحتت من طين الأرض، وطيوره وحيواناته تشكلت من فيض روحه ، وراحت تركض، وتطير، وتحوم فى ساحات قصصه وحكاياته المعجونة بطعم الدهشة..
إنه فريد محمد معوض.. الذى رحل عن عالمنا بجسده النحيل، ووجهه الهزيل.. لكنه خلف لنا عالم سخى..شديد الثراء.. وشخصيات ستظل باقية مابقيت الحياة، تحكى حكاياته، وتتغنى بمواويله وأحلامه.. وتنشد الخير والحب.. والسلام.. فريد معوض لم يمت.. فجميع شخصياته الطيبة لاتزال تضج بالحركة، وتنبض بالحياة.. ولقد تربى عليها ولا يزال أجيال من الصغار.. يكبرون.. وتكبر معهم أحلام دائمة الخضرة كحكاياته الناضجة، المثمرة والتى تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.
فريد معوض يمتلك سحر الحكاية، وروعة السرد، والقدرة الفائقة على صياغة الشخصية.. والحوار .. اختار عالمه، وانحاز اليه، وصار ملتصقا به لايحيد عنه قيد أنملة.. هاكم مجموعته القصصية (( علمنا الطير)) الصادرة عن هيئة قصور الثقافة ، ضمن سلسلة كتاب قطر الندى العدد رقم (36) الإصدار الثانى.
هى مجموعة من القصص تم نشر أغلبها ، إن لم تكن كلها على ما أذكر فى إحدى مجلات الأطفال المعروفة(مجلة ماجد ) فى باب “حكاية قبل النوم”.. وهو باب اشتهرت به المجلة فى وقت من الأوقات .. قدمت به عددا من كتاب الطفل فى عالمنا العربى.. منهم فريد معوض.. وكاتب هذه السطور…
“علمنا الطير” مجموعة قصصية.. تحتضن بين شاطئيها حوالى تسعة عشر قصة.. لاتتجاوز فيها القصة الصفحة أو الصفحتين.. اللهم قصتين أو ثلاثة فقط فى المجموعة مثل: ” عم سلامة”، “حتى تبيت العصافير”..و”غياب”.
والقصص جميعها تدور فى أجواء القرية، عالم “فريد” الخاص جدا، باستثناء قصص قليلة لم تبرز فيها القرية بقوة كبقية قصص المجموعة.. أو ربما تدور فى مكان أشبه بشارع أو زقاق، أغلب الظن أنها المدينة.. نظرا لطبيعة الشخصية، أو وظيفتها.. كقصة “عم سلامة”، “بائع الكتب”..”بيت النخلة”.

القرية لاتزال فى نظر “فريد” هى بؤرة الأمل، ومحطة الوصول إلى عالم أجمل .. فى زمن تحطمت فيه العديد من القيم، وتفسخت الكثير من العلاقات الإنسانية.. وتدافع الناس من أجل تحقيق مآرب أخرى ليست تمت بصلة إلى أخلاقنا ومجتمعنا..نظرا لإيقاع العالم السريع، المتلاحق..ومستجدات العصر، ودنيا التكنولوجيا المتطورة.. ووسائل التواصل الإجتماعى التى مزقت وكادت تقضى على البقية الباقية من أواصر المودة والتراحم. العالم كله بصخبه وضجيجه..وعنفوانه أصبح الآن فى غرفة واحدة.. والأسرة الواحدة صارت كجزر منعزلة.. هذا العالم القاسى بوجهه المضبب كان يدفع كاتبنا “فريد معوض” للاحتماء بعالمه الأثير، عالم وإن كان قد تغير إلى حد كبير على أرض الواقع، لاسيما فقد تحولت القرية لتصبح صورة شائهة من المدينة.. وتآكلت التربة الزراعية.. واختفت الكثير من الطيور المبهجة.. مما جعل القرية تبتعد حثيثا عن منبتها، ولم تعد تلزم غرسها كما كان فى الماضى، لكن فريد معوض يصنع عالمه الذى يحلمه، ينحاز اليه بقوة، ويبرز أجمل ما فيه، فالقرية ـ لاتزال ـ عند فريد هى أصل الشجرة.. وهى الأصالة المتأصلة فى وجدان الضمير الجمعى، يحرقه الحنين.. ويلهبه الشوق للعودة إلى نبع الخير، وقاموس المروءة.. عالم سمائه صافية، وشمسه حانية.. وطيوره مغردة.. ونهره يروح ويغدو فى سعادة وصفاء.. وشخوصه يتنفسون النقاء، ويرحبون بترابطهم، يأكلون من عرق جبينهم، بضربات الفأس المتناغمة، التى تنتج حياة ملؤها العزة والكرامة.
هكذا هى المجموعة الرائعة “علمنا الطير”.. التى حتما ولابد أن تقع أسيرا فى عشق عالم تسوده البكارة والطزاجة، وشخصيات فاعلة، تجتهد وتجاهد لأنها تؤمن بقيمة العمل، بجانب إيمانها بقيمة العلم..
فى قصة “عم سلامة” نجد ذلك الرجل الحريص على التعلم، هو الذى فاته قطار التعليم منذ سنوات طوال.. لكنه أبدا لم ييأس، فهو بائع الفاكهة الذى سعى لأن يتعلم.. حاول واجتهد.
سأله أحد المشترين:
ـ ماذا تكتب يا عم سلامة ؟
أجاب العم سلامة
ـ أكتب مثل المثقفين !
ـ لكنك تجهل القراءة والكتابة ؟
رد العم سلامة:
ـ هذا صحيح، لكنى أحب القراءة والكتابة.
ـ ولكنك كبرت يا عم سلامة..كيف تتعلم الآن؟
قال العم سلامة:
ـ الانسان يتعلم حتى يموت
ـ هل تستطيع أن تكتب فى يوم ما ؟
ـ نعم.. مادمت أحبها، عندما يحب الإنسان فهو يفعل المستحيل.” ((عم سلامة ص7،6)).
عم سلامة كان يمتاز بالأمانة، وبعد أن تحقق له ما أراد، وصار متعلما مثل المثقفين، يقرأ الصحف ، ويتابع أهم الأخبار، كان حريصا أن يعلم من حوله كما تعلم هو.. إنها قصة تعد من روائع قصص الأطفال.. و”عم سلامة” من الشخصيات التى لاتمحى من الذاكرة مهما تباعدت السنون.

وفى قصة “بكتاب واحد” يستطيع “فريد معوض” أن يجد لنا حلا مذهلا لهؤلاء الصغار الذين لا يملكون القدرة على شراء القصص نظرا لظروفهم المتردية فضلا عن حالة الفقر والعوز التى قد تحول بينهم وبين هذا الساحر العجيب الذى يسمى الكتاب.. فهذا الطفل يمكنه إذا استطاع فقط الحصول على كتاب واحد فهو بوسعه أن يتبادله مع زملاءه بالفصل .. وبذلك ينتفع بقراءة عدد كبير من القصص فى مقابل كتاب واحد شارك به.وهى فكرة كان يتم تطبيقها قديما فى مدارسنا وتم اهمالها فيما بعد.
وأروع مافى هذه القصة أنها تصنع من شخصية بسيطة ـ تكاد تكون مهمشة ـ بطلا لايقل بطولة عن شخصيات تاريخية ندرسها ، ونقرأها .. ونتحاكى بها .. مثل الزعيم الوطنى مصطفى كامل، والزعيم سعد زغلول.. والزعيم محمد فريد وغيرهم.. انها شخصية الفلاح والد أحمد، والذى طلب منهم معلم الرسم أن يقوم كل منهم برسم لوحة لأحد الأبطال، وقال أنه سيعطى قصة جميلة كجائزة لصاحب أحسن لوحة.. وهكذا تبارى الصغار، كل منهم يغوص فى أعماق التاريخ ليستخرج لنا ملامح أحد الزعماء الوطنيين العظام.. لكن أحمد رسم “أباه”..واجتهد فى وضع ملامحه على الورقة، ولم ينسى أن يرسم التجاعيد التى تزين وجهه، والشقوق الغائرة فى يديه وقدميه، ثم رسم وراءه شجرة ولونها باللون الأخضر، وفى منتصف الشجرة رسم الشمس حمراء وهى تحاول النفاذ إلى الأرض من خلال الفروع الخضراء” ((بكتاب واحد ص 10)).
وحين يسأله المعلم وهو يرقبه عن كثب ..ماذا رسمت يا أحمد..من هذا ؟
يجيب أحمد بكل فخر واعتزاز.. ” إنه أبى.. ثم يعطى مبررا منطقيا ومقنعا “.. يشقى ويتعب من أجلنا “..
وهكذا يحمل المعلم اللوحة ويعرضها على التلاميذ بالفصل مؤكدا أن أحمد قدم لنا بطلا جديدا لم يكتب عنه التاريخ، وإن فضله علينا جميعا وليس على أحمد فقط.
أليس هو الفلاح الفالح الذى نأكل من خير كده وحصاد زرعه، ونرتدى ملابسنا من نتاج قطنه .
“فريد معوض” قدم والده فى صورة بطل لا يقل بطولة عن هؤلاء العظام الذين يطلون علينا من كتب التاريخ ونوافذ التلفاز.. وانما قد يفوق هؤلاء جميعا، رغم كونه فى الظل.
وشخصية الأب هى الشخصية الأهم والأبرز فى جميع قصص المجموعة فالأب هو القدوة التى يتمثلها الابن فى سلوكه وأفعاله.. والأب هو الملاذ الآمن الذى يوفر الأمن والأمان للابن وللأسرة جميعها.. فهو عاشق الأرض، وهو الذخيرة الحية للقيم والمثل التى يتشربها الطفل..
“أذكر ذلك اليوم، كما أذكر وجه أبى الطيب وقد بدأ يذوى، وجسده النحيل وقد دب فيه المرض. كنا نجلس على العشب، والشمس كانت تلملم بقايا أشعتها لتسافر بعيدا، بعيدا، ثم تعود لتغمر قريتنا بالضياء. قال أبى:
كل شىء مصيره الزوال، ولا يبق إلا وجه ربك ذى الجلال والاكرام والعمل الجميل يعيش كثيرا” ((أبى وأنا والعشب ص 28))
” فى طفولتى عرفت العمل ،وأحببته، وتشققت يداى من أثره، فقد تفتحت عيناى على صورة أبى الفلاح، وهو يزرع، كان يزرع الحب مع الحب.. ولم تكن له أرض يزرعها، فقد كان يعمل أجيرا لدى الفلاحين الأغنياء، لكنه كان يؤمن بأن هذه الأراضى الواسعة ملك له” (( حتى تبيت العصافير ص40))
شخصية الأب تنفذ بقوة فى خلايا القصص.. ولعل “فريد معوض” كان يكن لوالده هذا الحب لكونه الابن الوحيد مع شقيقة تصغره.. ولعل مرض والده ووفاته المبكرة قد تركت أثرا غائرا فى قلبه، ولعل مرض فريد نفسه وشعوره بدنو أجله وأنه سيلحق بوالده فى نفس المرحلة العمرية جعلته يبدو جليا واضحا فى أغلب قصص المجموعة.
كما أن قريته “سامول ” لها حظوة ومكانة فى أغلب أعماله.. إنها المكان الخصيب، التى يستقى منها كاتبنا أغلب أعماله.. وهى نهر يتدفق فى عذوبة ، وفلاحة بكر تتمتع بملامحها الأصيلة.. وهو قد يذكرها صراحة كما فى قصة “تعالوا إلى سامول” أو نجدها تذوب بين المروج والحقول.. والبساتين المزدانة بكل ألوان الثمار.
“..رحنا ننظر حولنا كانت أشجار كثيرة، أشجار نحبها وأشجار لانعرف اسمها وأشجار عالية وأشجار صغيرة وبيوت قريتنا نفسها نراها من حقولنا غارقة فى الأشجار” ((“غياب” ص43))

قرية “فريد معوض” هى النموذج الأمثل لعالم مبهج، تتحقق فيه كل الأحلام المستحيلة التى يحلمها الكاتب . أليسوا هم الذين أخمدوا النار التى نشبت فى أحد بيوت القرية بالماء العذب الذي قطعوا المسافات الطويلة من أجل جلبه .. لم يكن لينتظروا أن تأتى المطافىء لتطفىء هذا الحريق .. هذا يعد عيبا فى حقهم، ولم يكن أمامهم وهم عائدون لتوهم من رحلتهم البعيدة يحملون الماء العذب الزلال ليندفعوا جميعا نحو النيران المشتعلة ويطفئونها. “وكأن النار اللعينة أبت إلا أن تشرب ماء مكررا نقيا.. لم نحزن فقد سعدنا بانتصارنا على الحريق..”((يوم أخمدنا النار ص19))
وهم الصغار الذين يلتفون من حول الخالة وطنية لتحكى لهم عن ابنها البطل الذى ذهب الى الحرب ولم يعد (( بيت النخلة))..
وهم الذين يحققون أحلامهم بأيديهم مهما كانت الظروف كعم صالح الذى كبر وشاخ وصار كشجرة عجوز، تنتظر موتها فى أى لحظة.. وهو ليس لديه أبناء.. ويعمل فى حقول الغير.. يريد أن يترك أثرا يبق ذكرى طيبة من بعده.. فما كان منه إلا أن قام بغرس شتلة شجرة وغرسها على الطريق..
” لقد غرسها يا أحبائى على حافة الطريق لسبببين.
الأول : لأنه لايملك أرضا يزرع فيها فهو يعمل فى أرض الغير.
والثانى: لأن السائر فى حر الصيف على الطريق لا يجد مكانا يستريح فيه” ((حكاية قبل النوم ص 35))
واذا كان “فريد” قد كتب “حكاية قبل النوم”.. فقد أصر على كتابة ” حكاية ليست للنوم” .. تناول فيها حادثة “مدرسة بحر البقر” من خلال مجموعة من الأطفال داخل الفصل يقومون برسم لوحاتهم الفنية.. فرسم حامد ورودا، وصابر رسم طريقا تظلله الأشجار.. وأحمد رسم حديقة جميلة، وعلى رأسها ساقيه، ولأنه لا يستطيع أن يرسم أنغام الساقية الجميلة فقد كتب فوق الساقية: نغم جميل جميل جميل.
ثم تحدث الفاجعة الكبرى والتى لا تزال تدمى القلوب وتعلن خسة وقبح هذا العدو الغادر بقتله أطفال أبرياء لا ذنب لهم، فى مدرستهم.. وهكذا تحولت أجساد الصغار إلى أشلاء.. استطاع “فريد معوض” أن يقدمها فى لوحة غاية فى الروعة والجمال بدون أن يجرح مشاعر القارىء الطفل.. وإنما قدمها فى براعة وذكاء، مع التأكيد على قيمة الإصرار.. فهو السلاح الصالح لاستعادة كرامتنا وحق هؤلاء الضحايا الأبرياء.
“كانت هديل البنت الرائعة قد رفعت العلم على صفحة كراستها، وكان عنوان الدرس قد نسيه الأستاذ بالأمس على السبورة ـ الإصرار ـ فجأة أغارت طائرات العدو على المدرسة فقتلت الوردة، وقطعت الطريق المظلل بالأشجار، وخربت الحديقة، ولم يبق بين الحطام غير العلم المرفوع على الصفحة فى كراسة هديل وكلمة “الإصرار” التى كتبها الأستاذ بالأمس” (( حكاية ..ليست للنوم ص 26))
المجموعة تحتوى على باقة فواحة بطعم الحياة ، تحتاج منا إلى وقفة أخرى لنطوف فى مناكبها ، ونستمتع بهذا العالم السخى، الرحب..
كما أنها تحتوى على مجموعة من اللوحات المعبرة عن عالم القرية.. قام برسمها مجموعة من الأطفال الصغار.. فكانت تجربة جيدة أضفت على العمل أجواء طفولية حقيقية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*محمد عبد الظاهر المطارقى
قاص وكاتب أدب أطفال
وعضو لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق