قراءات ودراسات

فرحات حشاد في مرآة المفكر عبد الحميد مـهـــر

بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة

كتب المفكر والمجاهد الكبير الأستاذ عبد الحميد مهري(3 أبريل1926 – 30 يناير2012م)-عليه رحمة الله-مجموعة من المقالات المتميزة بجريدة«المنار»الجزائرية العريقة،ومن بين المقالات المهمة التي كتبها ذلك المقال الذي خصصه للحديث عن شخصية الزعيم النقابي والمناضل السياسي التونسي المعروف فرحات حشاد(2 فبراير 1914-5 ديسمبر 1952م) الذي أسس الاتحاد العام لعمال تونس سنة:1946م،بعد أسبوع على اغتياله من قبل عصابة«اليد الحمراء» الإرهابية المدعومة من قبل سلطات الاستعمار الفرنسي،حيث نُشر مقال الأستاذ الكبير المجاهد عبد الحميد مهري في العدد:13 من جريدة«المنار»السنة الثانية،يوم: الجمعة26 ربيع الأول1372هــــ-12ديسمبر1952م.
ويتضح للمطلع على فهرست جريدة«المنار» أن الموضوع الذي كان يستحوذ قدراً كبيراً من اهتماماتها،و يشغل حيزاً كبيراً من صفحات الجريدة هو موضوع الحركة الوطنية على مستوى المغرب العربي،حيث نلفي عدداً كبيراً من المقالات تركز على الحركات التحررية في دول المغرب العربي،وأغلب المقالات تنتقد بشجاعة نادرة في ذلك الزمن ممارسات الاستدمار الفرنسي وجرائمه ضد سكان المغرب العربي،كما نلفي في الكثير من المقالات دعوات واضحة لإعلان ثورة شاملة في المغرب العربي للتحرر من مظالم الاستعمار الفرنسي.
وهذا ما جعل الكثير من الدارسين والمؤرخين يذهبون إلى أن الجريدة الوحيدة التي نظمت استفتاء حول اقتراب اندلاع ثورة التحرير الجزائرية المظفرة هي جريدة«المنار» الجزائرية لصاحبها محمود بوزوزو-رحمه الله-،
عندما نقرأ المقال الذي كتبه الأستاذ عبد الحميد مهري عن شخصية الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد ،نحس وكأن الأستاذ عبد الحميد مهري يصف نفسه، فقد اهتم الأستاذ عبد الحميد مهري في هذا المقال الذي جاء تحت عنوان:»فرحات حشاد المناضل«اهتماماً بالغاً بالأبعاد الأخلاقية في شخصية المناضل فرحات حشاد،ويمكن أن نصف مقال الأستاذ الكبير عبد الحميد مهري بأنه بمثابة مرثية لشخصية فرحات حشاد كتبها وهو في غاية التأثر بعد مضي أسبوع علىاستشهاد المناضل الكبير والمجاهد الفذ فرحات حشاد،يقول الأستاذ عبد الحميد مهري في مستهل مقاله: »لم يمنعني الحزن العميق لاغتيال المرحوم السيد فرحات حشاد من التفكير في شخصية هذا الفقيد الشهيد وأعماله العظيمة لفائدة بلاده،بل لعلني كنت أجد في إحياء ذكراه في فكري واستعراض أعماله بعض ما يسليني عن مصاب تونس العزيزة ومصاب المغرب العربي في هذا الرجل العظيم.
وقد حدا بي التفكير إلى التساؤل عمن يستطيع أن يخلف فرحات حشاد ذلك المناضل البسيط المتواضع الذي لا يلفت أنظار الناس إليه بمنظره،وإنما يلفت أنظارهم بأعماله التي تطير أنباؤها إلى مختلف أطراف البلاد التونسية،وتتجاوز أحياناً حدود البلاد التونسية إلى أطراف العالم.
هذا المناضل البسيط المتواضع لا يمكن أن يخلفه أحد بعينه.لأن شخصيته الفذة وأفكاره النيرة وأعماله العظيمة طبعت جيلاً كاملاً من الشغالين التونسيين وتركت خطة واضحة المعالم لرفاقه المقربين ومساعديه الأوفياء،فهذه النخبة المختارة من مساعديه وهذا الجيل الذي طبعه فرحات حشاد بطابعه الخاص هو الذي يخلف فرحات حشاد ويضطلع بإتمام رسالته في البلاد التونسية«.
إن الأوصاف التي أطلقها الأستاذ عبد الحميد مهري من خلال هذه الكلمة التمهيدية تنطبق أتم الانطباق على شخصية الأستاذ مهري الفذة،وجهوده العظيمة التي بذلها في سبيل الإعلاء من شأن الأمة الجزائرية والنهوض بها،فالأستاذ عبد الحميد مهري-رحمه الله- رزئت بفقده الأمة الجزائرية كلها،لأنه كرس حياته في سبيل خدمتها منذ النشأة إلى الأيام الأخيرة من حياته،فهو ابن الجزائر البار الوفي والمخلص والغيور على قيم وثوابت الأمة الجزائرية،وما ذكره عن شخصية فرحات حشاد،وإشادته بشخصيته الفذة وأفكاره النيرة وأعماله العظيمة،إضافة إلى تأكيده على بساطته وتواضعه،يذكرنا بشهادة شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله التي أدلى بها عن شخصيته الفذة،ولا سيما بقوله«…كثر هم الزعماء الذين نسجوا حول أنفسهم هالة الزعامة بحق أو بغير حق.أما عبد الحميد مهري(رحمه الله)فهو زعيم بالطبيعة رغم أنه ابتعد عن الهالة،ولكنها بحثت عنه وأحاطته بضوئها.فأنت إذا رأيته في تواضعه تقول ما أبعده عن الزعامة التي يتبختر في حللها الأدعياء،ولكنك إذا تأملت في عمق تفكيره وطريقة إقناعه حكمت بأن الزعامة خلقت له أو خلق لها…
وأقول بالمناسبة إن سي مهري بعيد عن الحماس والاندفاع،فلا تراه يقذف قادته أو زملاءه بالتهم المباشرة أو يكيل لهم المدح والثناء،أو يجعل من نفسه بطلاً والآخرين أقزاماً.كان يجيب وكأنه يخشى وخز الضمير أو سيف التاريخ أو إدانة قاض صارم الأحكام…رغم أنه رجل سياسي عريق،فإنه كان لا يتحفظ من اطلاق نكت جادة ودعابة،وهي في العادة نكت أطرافها جزائريون وشرقيون حدثت خاصة أيام الثورة.وكانت له قدرة نادرة على إطلاق النكتة-وهي غالباً سياسية-بشكل عفوي هادئ تنتهي بفرقعات من الضحك البرئ.وله عند سرد النكتة حركات بطيئة،جسمية ويدوية،كالتلفت والإشارة ورفع العينين المختبئتين وراء نظارات سميكة.
بداية من التسعينيات اتسع جرح الجزائر أمام سي مهري،وكمناضل غير أناني كان يرقب السفينة وهي تشق عاصفة هوجاء وتتدحرج على صخور حادة،وكان يريد إنقاذها فكان دائم البحث عمن يمد إليه يده،وفي النهاية بقي في قلة من الأوفياء للثورة في طهارتها الأولى،فكان يكتب الرسائل لأولي الأمر ويرسل إشارات الخطر لأولي الألباب،فيقرأ الناس رسائله وتحذيراته ويعرفون أنه لا يقول إلا الحق.وقد ظهر الفساد في البر والبحر وارتفعت أصوات أغنياء الحرب والإرهاب حتى غطت على صوت الحق، صوت سي مهري وأمثاله ممن بقي على الدرب،فكان حريصاً على نشر مقترحاته لتجاوز الأزمة،وكان كثير التحذير لأصحاب السلطة وحتى لخصومه الذين لا شك أنهم مسرورون اليوم باختفاء صوته وتوقف قلمه…،البيئة التي أنجبت سي مهري قد حملته مسؤولية حماية الهوية الوطنية المتمثلة في الإسلام والجزائر واللغة العربية،ثم زكتها الدراسة بجامع الزيتونة ودعمها وجوده في دمشق خلال حرب التحرير،فكانت العائلة والزيتونة والروح القومية والبيئة العربية في المشرق خلال الخمسينيات قد دفعته إلى الدخول في معترك النضال الوطني والقومي،فكان سي مهري،رغم هدوئه وتحفظه رافعاً لواء الاتجاه العربي في جبهة التحرير والحكومة المؤقتة ومجلس الثورة،وعندما استقلت الجزائر دافع عن العربية والعروبة الثقافية بتوصيات لجنة التعريب المنبثقة عن اللجنة الوطنية العليا لإصلاح التعليم، ثم من خلال المدرسة الأساسية التي دافع عنها وطبقها في الميدان رفقة إخوانه المخلصين لنفس الهدف».
إن القارئ لمقال المفكر الأستاذ عبد الحميد مهري الذي كتبه عن المناضل التونسي فرحات حشاد،يقف على جملة من الرؤى العميقة التي قدمها الأستاذ مهري عن فرحات حشاد ويستجلي بعد نظره ودقة تحاليله، فمما لفت انتباه الأستاذ مهري في شخصية فرحات حشاد قوة شخصيته وثباته،وعدم الحياد عن مواقفه،وصبره ودأبه،حيث يقول في هذا الشأن»كانت شخصية فرحات حشاد شخصية قوية ولكنها كانت لا تفرض نفسها على الناس فرضاً عنيفاً،بل كان الناس أنفسهم يحبون قوتها فينجذبون إليها مختارين ويهرعون إليها يلتمسون العون في الملمات.وكانت هذه الشخصية القوية تتدثر بدثار من الخلق المتين والبساطة في المظهر والحديث والاتزان في الأعمال والأقوال وضبط النفس في الشدة واليسر.وكان هذا الجانب اللين الناعم هو كل ما يظهر من شخصية فرحات حشاد القوية لمن يعرفونه من بعيد أو يجتمعون به مرة أو مرتين«.
كما عرض الأستاذ عبد الحميد مهري منهجه في العمل،ورؤيته لطرائق نجاح العمل النقابي والنضال،كما لم يغفل الحديث عن ثقافته الواسعة واطلاعه العميق،فقد أشار إلى متانة ثقافته،وعمق حسه الاجتماعي في قوله»وكان فرحات حشاد واسع الأفق متين الثقافة السياسية والاجتماعية،وكان مع هذا واقعياً لا يجمح به اتساع أفقه عن الرأي الصائب والخطة الحكيمة في كليات الأمور وجزئياتها،كان يرى أن واجب الطبقة العاملة في بلاد محتلة هو أن تكون في طليعة الكفاح التحريري قبل كل شيء.وكان يرى أنه من الغلط الفاحش أن ينزوي العمال في نقاباتهم ويعكفوا على أنفسهم يطالبون بترفيع الأجور وتحسين ظروف العمل في بلاد مهددة كلها بالابتلاع الأجنبي، وهذا هو الذي ينقمه عليه المستعمرون ويصفونه بالعمل السياسي«.
كما أعجب الأستاذ عبد الحميد مهري أيما إعجاب ببعد نظر الزعيم فرحات حشاد،وإيمانه بضرورة الوحدة بين أجزاء المغرب العربي، وأشار إلى إدراك فرحات حشاد بتفكيره الواقعي الرزين أن الاتحاد العملي بين الأقطار المغربية ضروري لنجاح قضاياها،فكان لهذا شديد الإيمان بالوحدة المغربية.
يقول الأستاذ مهري في هذا الصدد:«وكان يصنع الخطط لتنظيم العمل التونسي والجزائري والمراكشي في جامعة نقابية واحدة».واستشهد بقول فرحات حشاد:«ما معنى إضراب عمال الفسطاط في تونس إذا كانت الشركات المستغلة توجه كل قواتها لإنهاك عمال الفسطاط في مراكش لتعوض خسائرها؟».
وينبه الأستاذ مهري إلى حس فرحات حشاد وحرصه على الوحدة،و ابتعاده عن حب النفس في قوله« وكان لهذا شديد الاهتمام بكفاح العمال الجزائريين والمراكشيين،كثير الاتصال بهم وله بينهم أصدقاء عديدون.ولم تكن هذه الجامعة النقابية المغربية غاية عند حشاد،بل كان يراها خطوة أولى تفتح الطريق لتكوين جبهة سياسية بين الأحزاب والهيئات المغربية،ولم يغب عن فرحات حشاد-وهو الرجل الواقعي-أهمية كسب الأنصار في الخارج فكان يعمل جاهداً في هذا المضمار يراسل ويسافر ويحضر المؤتمرات ويكتب في المجلات العالمية،ويدعو الشخصيات العالمية لحضور المؤتمرات والاجتماعات التي يشرف على تنظيمها وإدارتها ويعرضها على العالم صورة حية ناطقة لمجهود الطبقة العاملة التونسية وقدرتها على التنظيم في الكفاح».
ويؤكد المفكر الأستاذ عبد الحميد مهري على أن فرحات حشاد قد تمكن من تحقيق الكثير من أفكاره في صبر وأناة وعمل متواصل وجعل الكثير من قادة الرأي في المغرب العربي يؤمنون بأفكاره التي لم يتح له أن يشهدها حقيقة قائمة.
في ختام مقال الأستاذ مهري عن فرحات حشاد المناضل توقف مع جهوده ومنجزاته،حيث ذهب إلى التأكيد على أن فرحات حشاد تمكن من تنظيم الطبقة العاملة التونسية و تحقيق تكتلها حول الحركة التحريرية التونسية ونفخ فيها روح الكفاح والصبر،فكانت دائماً في المقدمة تكافح في سبيل تحسين حالتها المادية والمعنوية وتكافح من أجل تحرير بلادها وكانت تضحي-راضية- بمصالحها الخاصة في سبيل التحرير القومي العام.
ووفق منظور الأستاذ مهري ففرحات حشاد-رحمه الله- تمكن من تغذية بذور الوحدة المغربية في صفوف العمال من جزائريين وتونسيين ومراكشيين وجعلهم يتطلعون إلى اليوم الذي تبرز فيه جامعة النقابات المغربية إلى الوجود،وقد ظل فرحات حشاد يبشر بأفكاره هذه في الأوساط النقابية العالمية ويكسب لها الأنصار،فأعلن بذلك عن إخراج القضايا المغربية إلى النطاق العالمي.
وينتهي الأستاذ مهري إلى أن التأثير العميق الذي كان لاغتيال فرحات حشاد في المغرب العربي والعالم هو خير دليل على أن فرحات حشاد نجح في مهمته أيما نجاح،وأدى رسالته خير أداء.
فقد استدل الأستاذ مهري على نجاح فرحات حشاد بآثاره التي بقيت وجهوده الخالدة التي يعترف بها العالم كله،كما ذكّر كذلك بالمظاهرات والاحتجاجات العارمة التي اجتاحت العالم عقب اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد،فكما هو معروف أن عشرات الآلاف من المواطنين الغاضبين خرجوا في مظاهرات غاضبة بعد سماعهم نبأ استشهاد فرحات حشاد عبر جهاز الراديو،ولعل أكبر المظاهرات كانت في مدينة«الدار البيضاء»المغربية التي قتل بها في نفس اليوم الذي اغتيل فيه فرحات حشاد ما يزيد عن ثلاثين شخصاً. كما احتج السكان بشدة في دمشق وبيروت والقاهرة،وخرجت مسيرات تنديد في جاكارتا وكراتشي،وفي بعض المدن الأوروبية مثل بروكسل وستوكهولم.
ختم الأستاذ عبد الحميد مهري مقاله بالقول«رحم الله فرحات حشاد فقد سقط شهيد الكفاح ضد الاستعمار والرأسمالية الجشعة،و عوضنا عنه خير العوض».
إن تركيز الاستاذ المفكر عبد الحميد مهري على شخصية فرحات حشاد له أكثر من دلالة،ومن أبرز الدلالات التي تتراءى لقارئ مقال الأستاذ مهري هي إيمانه العميق والكبير بضرورة تحقيق وحدة المغرب العربي والأمة العربية،وتفاعله مع كل ما يصيب أجزاء العالم العربي وشخصياته المناضلة والمكافحة من أجل تحقيق الانتصار على الطغيان والمظالم الاستعمارية.
فحينما نقرأ مقال الأستاذ عبد الحميد مهري عن المناضل فرحات حشاد بعد أكثر من ستين سنة على كتابته نستشف تحقق آمال وتطلعات الأستاذ مهري الذي أراد بعث رسالة واضحة إلى الاستدمار الفرنسي الذي يحتل دول المغرب العربي في تلك الفترة مفادها حتمية تحقق الاستقلال بفضل جهود أبناء المغرب العربي الذين لا يكلون من الدفاع عن حقوقهم.
والحق أن كل من عرف المفكر العظيم والسياسي المحنك عبد الحميد مهري يستنتج أن الرؤى التي قدمها عن شخصية فرحات حشاد،و إشادته بجهوده وأخلاقه الفاضلة هي صورة لشخصية فقيد الجزائر العظيم عبد الحميد مهري ولاسيما حينما يؤكد في مقاله على إيمان فرحات حشاد بوحدة المغرب العربي والأمة العربية، فالأستاذ مهري استطاع أن يوفق بنجاح نادر بين اهتماماته بالمغرب العربي والمشرق العربي،وهذا الأمر لا يتحقق إلا لقلة قليلة يأتي في طليعتها المفكر الكبير عبد الحميد مهري،ونستشهد في هذا الشأن بما جاء في شهادة الأستاذ معن بشور عن شخصية المجاهد عبد الحميد مهري«كان عبد الحميد مهري مؤمناً أن مستقبل أمته مرهون بوحدتها،سواءً كانت الوحدة على المستوى الإقليمي كما هو حال بلدان المغرب العربي،أو على المستوى العربي الشامل كما هو حال الأقطار العربية،وسواء كانت هذه الوحدة تنسيقاً أم تعاوناً،كونفدرالية أم فدرالية… لقد كان الراحل الكبير يؤمن بقوة أن هذا العصر هو عصر التكتلات الكبرى،وأن لامكان فيه للكيانات الصغرى التي لا تستطيع بدون سوق إقليمية مشتركة ودفاع إقليمي مشترك،أو مشاريع اقتصادية وثقافية مشتركة أن تصون أمنها وتحمي أوطانها وتحقق الكفاية لأبنائها.
لذلك كان عبد الحميد مهري ذا نظرة ثاقبة يحاكم السياسات والمواقف والإجراءات بمقياس وحدوي واضح،كما كان يدعو إلى سياسات مواقف وإجراءات تعكس هذه النظرة الوحدوية.من هنا كان للأستاذ مهري دور بارز في العديد من الهيئات والمؤسسات ذات الطابع العربي العام،كما كان يسعى مع إخوان له إلى إطلاق منتدى المغرب العربي ليشكل خطوة باتجاه الاتحاد المغاربي الذي لم يناضل مهري من أجله فحسب،بل عاش حياته متمسكاً به كروح ونهج…كان مهري ككل ثائر متفائلاً بأن مستقبل الأمة العربية مستقبل مشرق،رغم كل الظواهر المحبطة والمحيطة والعقبات التي تعترض مسيرة الأمة نحو تحررها وتقدمها ووحدتها… كان عبد الحميد مهري في دفاعه عن هوية أمته العربية والإسلامية صاحب قيم ومبادئ تماماً كما قاده دفاعه عن القيم والمبادئ إلى أن يكون أحد أبرز المدافعين عن العروبة والإسلام داخل الجزائر وعلى مستوى الأمة،ولم يكن مهري في ذلك كله رومانسياً أو حالماً،أو مشدوداً إلى التاريخ فحسب،بل كان واقعياً إلى أبعد الحدود،لا يرى مستقبلاً لوطنه الجزائر إلا من خلال دور متميز له في قضايا الأمة،تماماً كما كان يدرك جيداً أن انتصار ثورة الجزائر العظيمة كان في أحد جوانبه نتيجة لوقفة الأمة العربية والإسلامية كلها إلى جانب تلك الثورة…وكان مهري مؤمناً أن تنمية أي بلد عربي مرتبط بالتنمية العربية الشاملة… كان عبد الحميد مهري رجل مواقف بكل ما في الكلمة من معنى،سواء داخل الجزائر أو على مستوى الأمة،لذلك من الصعب الحديث عن موقف أكثر أهمية من الموقف الآخر،ولقد تميزت مواقفه كلها بالشجاعة والجرأة والرصانة والثبات على المبادئ،فكان نصيراً للتحول الديمقراطي في بلده دون مساومة،وكان نصيراً ثابتاً للحق الفلسطيني الكامل دون تنازل،وكان مدافعاً عن الشعب العراقي ضد الحصار والاحتلال غير راضخ لأي ضغوط،وكان نصيراً للبنان في رفضه للحرب الأهلية،وكان رائداً في الدعوة إلى وحدة المغرب العربي ووحدة الأمة العربية».
وبالنسبة إلى إشادة الأستاذ عبد الحميد مهري بأخلاق فرحات حشاد الفاضلة وتواضعه وبساطته،فكل من عرف الأستاذ مهري وتعامل معه عن قرب يؤكد على أنه كان نموذجاً راقياً للدماثة والنبل وسماحة الخلق والتواضع،وكما يصفه الدكتور علي بن محمد فهو المثال والقدوة لتلاميذه وزملائه،ويجد الجميع في شخصه ذروة سامقة يلتقي فيها العلم والأخلاق وعزة النفس في تواضع يمهد الطريق السالك إلى كل القلوب.
وما نلاحظه بالنسبة إلى الجوانب الأسلوبية واللغوية في كتابات الأستاذ عبد الحميد مهري،هو أن أسلوبه يتميز باستقامة العبارة والوضوح والدقة، والمتأمل في كتابات الأستاذ مهري يعجب بأسلوبه الطلي في الكتابة،ويشعر بلذة في يسره وانتقاله بالقارئ من فكرة إلى أخرى،ومن معنى إلى آخر،إضافة إلى تميز كتاباته بشحنات دلالية عميقة ومواقف إنسانية نبيلة،وقد وصف الدكتور علي بن محمد مقالات الأستاذ عبد الحميد مهري بأنها تتميز ببساطة لا متناهية وفيها يسجل مواقف لابد من صفحات وصفحات للتعبير عنها،دائماً ينطلق من مقاربات سياسية وسرعان ما يربطها بالواقع،فهو براغماتي وواقعي وبارع في اختيار الكلمات،ومن هنا كان نجاحه في المؤتمر القومي العربي.
والحق أن مقالات الأستاذ مهري المنشورة في مختلف الصحف والمجلات الوطنية والعربية هي كنوز متناثرة تستصرخ الباحثين والدارسين للنهوض بجمعها وللملمة شتاتها وطباعتها،وإنجاز أبحاث ودراسات عنها لاكتشاف مضامينها العميقة،وأفكارها النيرة التي تعود بالفائدة الجمة على شباب هذه الأمة. فالأستاذ مهري هو كتاب يختزن مسيرة شعب ونضال أمة.

* قسم اللغة العربية-جامعة عنابة-الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق