ثقافة المقال

المثقف والالتزام

كايد هاشم*

بعيداً عن أي مُقابلاتٍ مجرّدة أو مُشابهاتٍ نسبيّة بين الواقع وبعض -وهو بعضٌ غير قليل- مما في رواية “بقايا ثلج”، للكاتب د.عصام سليمان الموسى، من شخصيّاتٍ وأمكنة ووقائع، ووثائقيّات تسجيليّة تتخلل السرد، وبعيداً في الوقت نفسه عن محاولة فصم مكوّنات العمل الأدبيّ عن جذورها ضمن واقع البيئة الاجتماعيّة الثقافيّة التي أُنتجَ فيها، فإننا أمام عملٍ يرصدُ مجموعةً من الظواهر المُقلقة، بل والمؤلمة حدّ القهر والفجيعة أحياناً، التي طَفَت على السطح في مجتمع مدينة “كانت مدينةً هادئةً، ناعمةً، وسيدةً أنيقة، واليوم صارت غولاً مُشبعاً بروائح السولار والضجيج والازدحام، حبلى برجال طامحين لا يعرفون الحب” (ص 89)، في مرحلةٍ تاريخيّة مُتّسمة بسرعة التغيُّراتٍ والتحوّلات المُباغتة، خصوصا عبر العقدين الأخيرين، ما أحدثَ صدوعاً وخلخلةً في القيم الأخلاقيّة والحضاريّة، أصبح امتدادُها المتعرِّج خطِراً ينذرُ بشروخٍ أشدّ إيلاماً!..

 

تحفل “بقايا ثلج” بصور تداعيات الصدمة والتناقضات الصارخة في بنية المجتمع النفسيّة، وانعكاساتها على سلوكات وطرائق تفكير وتعامل ملتوية سقط في أتونها بعضهم، جُناةً وضحايا، في ما يشبه الإعلان عن الفشل في استيعاب قيم الحداثة والتطوّر، بل فشل الفكر والإعلام والجسم الثقافيّ في الحيلولة دون التراجع والانحدار في بعض الجوانب. ذلك على الرغم من أنّ المجتمع “يعيش عصر الاتصال وثورة المعلومات الثالثة، والأفكار تنتشر في عالمنا بسرعة، وليس مثل الزمن القديم” (ص 168).

لكن الرواية الصادرة بدعم من أمانة عمّان الكبرى (2007)، لا تفتقد أيضاً إلى روح التنوير والأمل بمستقبلٍ مختلف، ما من شأنه أن يحرِّك حسّ التيقظ والرفض ويحرِّض على التبصُّر في ذلك الزَّبَدٍ الطافي، الذي يتخذ لون الثلج الأبيض ليغطي وجه الحقيقة وأزمتها المريرة، فيخدع الرائين، من خلال تلوين هذه الحقيقة وتزويقها في الظاهر، ومن ثم يعمل على تغيير تركيبتها وموضعها لتغوص في الظلمة، ولا يبقى تحت الشمس سوى الزيف والمخاتلة والنفاق والفهلوة، وسائر ما يشُدّ إلى الخلف من مفاهيم غادرها الزمن، وجمود يُحاصر حريّة التفكير والتعبير والإنجاز الحقيقيّ.

ورغم مما يبدو سوادويّاً مُغلَّفاً بالتشاؤميّة في سياق المعالجة الروائيّة؛ فإنَّ العنوان نفسه (بقايا ثلج) قد يحمل، أو يمكن تحميله عند المتلقّي، دلالةً مزدوجة تبرّر السوداوية من جانب، ولا تلغي النقيض من جانب آخر؛ متمثِّلاً أكثر ما يتمثّل بالرُّوح المقاوِمة لدى الشخصيّة المحوريّة، الصّحفيّ في صحيفة “الحقيقة” (سلمان سلامة)، الذي يتسم بنقاء الوطنيّة وبياضها أخلاقيّاً ومهنيّاً؛ ما يكلفه النّفي في نهاية المطاف إلى مكتب الصحيفة في مدينة أخرى على طرف الصحراء، بسبب إصراره على كشف حقيقة “اغتيال” شاب بُتِرَت أصابع يده في مركز تدريبٍ مهنيّ، ونَزَفَ حتى الموت أمام أبواب المستشفيات التي رفضت استقباله وإسعافه لكونه لا يحمل أوراقاً للتأمين ولا نقوداً، ثم كشفه بعد ذلك حقيقة مصرع شابين كانا يعملان في توزيع الصحيفة في حادث سير هرب فيه السائق المتهور الذي تسبَّب بالحادث إلى حين أُلقي القبض عليه. ثم بسبب رفض هذا الصّحفيّ أيضاً رشوة رئيس التحرير المسؤول بتنصيبه مساعداً لرئيس التحرير ومنحة قطعة أرض، في محاولة إخضاع واحتواء غبيّة، لضمان سكوته عما تكشَّف من تقصير وسوء إدارة وإهمال في أكثر من موقع له عَلاقة بمصرع الشاب “غسان شيما”!

النّصّ الروائيّ ليس نصّ إدانة أو محاكمة – كما تشير إلى هذا المعنى الروائيّة الجزائريّة ياسمينة صالح– لكنّه نصّ سرد وتوصيف كاشف؛ له منهجيّاته الخاصّة في دراسة الظواهر، وتحليل علاقات الناس والأفكار والأشياء والمؤثرات بعضها ببعض، والمقارنة حين يستدعي الأمر ذلك، لا ليقدم من خلال ذلك كلّه أدلةً وبراهين وإثباتات، وإنّما ليُعيد في المحصلة تشكيل الواقع والوقائع في عالم الرواية الجديد، على نحوٍ يستجلي كُنه هذا الواقع وما يُصطَنع فيه من وقائع، وإنْ كان الاستجلاء من زاوية رؤية الكاتب وموقفه والقضيّة الأساس التي يدور في فلكها.

من هنا، يمكن القول إنّ “بقايا ثلج”، التي ينتصر بطلُها للحقيقة وللإنسان المُستقوى على إنسانيّته، لا تُدين بالضرورة المجتمع الذي تتحدَّث عنه ولا تحاكمه، وإنّما هي توصِّف من خلال نماذج محمّلةً بطاقة تعبيرٍ ما عن قضية أدرانٍ أصابت جوانبَ من البنية الاجتماعيّة، وجعلت المجتمع مغلوباً على أمره.

“سلمان سلامة”، بموقفه الملتزم ومحوريّته التي مكَّن لها الكاتب عن قصديّةٍ واضحة، يمثِّلُ الخطّ الصّراعيّ المحوريّ في الرواية، الذي تؤدّي مواقف الشخصيّات الأخرى والأحداث إلى تعميقه بالمزيد من الأسئلة، فتدفع به إلى الارتحال أو محاولة اختراق مجموعة رقع فسيفسائيّة مؤرِّقة، لا انسجام أو انتظام فيها؛ ما يُبرز فكرة الاغتراب الداخليّ للمثقّف، المفتوح على احتمالات الهزيمة والانسحاب، أو المواجهة والتضحيّة والقبول بالنتائج أيّاً كانت، دون أن يخسر نفسه.

فهل رُسِمَت شخصيّة “سلمان” بخطوط مثاليّة لتصمد أمام الضغوطات والمُغريات، فلا يسقط في هوّتها كما سقط زميله الصُّحفيّ “غيث”، ويظلّ الخطّ الصّراعيّ في الرواية محافظاً على الاستمرار والتوهّج؟ أو هل يغدو “سلمان” أقرب إلى شخصيّات أنصاف الآلهة الذين “يحاربون للوفاء بالشرف” (ص 79)، مثل عوليس في الأوديسّة، الذي يقول في أحد أناشيده: “لا أستطيع أن أتوقَّف عن الارتحال، سأشرب كأسي حتى الثمالة..”، وفيها أيضاً: “الموتُ يُنهي كلّ شيء، لكنَّ عملاً ما قد نستطيع القيام به قبل أن تحين النهاية، عملاً أصيلاً نبيلاً، قد يعطينا فُسحةً من الزمن، تتناسب وهِمم الرِّجال الذين حاربوا مع الآلهة” (ص 80-81)؟.

تعطينا الرواية جواباً عن هذا التساؤل في مغزى اكتشاف “سلمان” المدهش لتلك الشخصيّات الأسطوريّة، وليس في تجسيدها. والمغزى أن موقف المثقف وتأثير فعله في مجتمعٍ مأزوم يرتبطُ بمدى إحساسه بالزمن وحركة التاريخ والمجتمع، وبالمكان والهموم الحقيقيّة للنّاس.

هذا الإحساس المتداعي بالزمن غذّاه في نفس “سلمان” تاريخٌ عائليّ بعيد حدّثته به جدّته “وردة”. وقد طالت في هذا التاريخ أسرة جدّه -الذي يشترك معه بالاسم- أسبابُ الارتحال والتمزّق والهجرة من موطنهم في قرية “عولم” بين “بيسان” و”الناصرة”، التي احتلها عُصاة تمرّدوا على الدولة العثمانيّة وطردوا أهالي القرية، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فاستقرّ المقام بالأسرة في قرية “الفيجن”، في مغارة تنازل عنها “عضوب عذيبات”، الرجل الكريم “القوميّ بالفطرة”، الذي لم يسبق له أن التحق بمدرسة. وغذّاهُ أيضاً والده “حيدر” المثقف المهتمّ بالتاريخ والأدب، بأحاديثه ونظراته وما وثّقه الأب من تاريخ الأسرة مستكملاً هو الآخر ما كان بدأه والده وجدّه، كذلك بعض الأحاديث والنقاشات التي كانت تدور بين “حيدر” وصديقه المثقَّف “الدكتور كامل” ويشترك فيها “سلمان”.

وهناك شخصيّة “حوريّة”، الزميلة الصّحفيّة، تلك السمراء الجميلة أو اللوحة الشرقيّة التي “تناثَرَت عليها الألوان وتكسَّر الضوء فوقَها فلا يرغب الزمن في الانحسار” (ص 45)، التي أُغرم بها “سلمان” حتى النُّخاع -مع اختلافهما في الديانة- لتُلهب ذلك الإحساس بالزمن. فهي من جهة تؤدّي بحبها المتبادَل مع “سلمان” دور عامل استعادة التوازن والأمل الجميل المُرتجى، الذي يتحرّك حين تشتدُّ عليه وطأة الضغوط وترهقه التجاذبات، فيجدُ نفسَه مشتّت الذهن على تخوم الارتحال/عدم الاستقرار. وهي، من جهةٍ أخرى، صورةٌ ماثلةٌ في خيالهِ تقبض على الزمن في لحظةٍ معينة، وتُبطئ الحركة المتسارعة للأحداث، لتعيد الهدوء إلى “سلمان” وتنعش تأملاته.

تحظى شخصيّة “حوريّة” من خلال تقنيتين متضادتين، كما يراهما بعض النقّاد (يُنظر: د.عبدالملك مرتاض، نظريّة الرّواية، ص 289): السرد/الحركة، والوصف/بطء الحركة، بمساحة ممتدّة من أول الرواية حتى آخرها. فهي الشخصيّة التي تلي “سلمان” في محوريّتها، وتسير بخطّ متلاصق مع خطّ الشخصيّة المحوريّة للبطل، الذي يرى فيها كثيراً من طِباع أسرته (أسرة سلامة). فهي “امرأة شرقيّة متمرّدة لا تقيم وزناً للزمان والمكان” (ص 45)، وقد جَهِدَ الكاتب –في ما يبدو– لأن يجعلها شخصيّة غير تابعة، مؤكداً استقلاليّتها، خصوصا من خلال آراءٍ تراها في مواضيع متعدّدة، مثل موضوع حماستها لحركة تحرير المرأة، ورفضها دخول المرأة البرلمان عن طريق الكوتا.

وربما كان اختلافها مع “سلمان” في موضوع سلوكيّ يتعلَّق برفضها ترك عادة التدخين، فيه دلالة مُكمّلة على تمسُّكها بقناعاتها وشخصيتها المستقلّة. مع ذلك فإنّ صورة المعشوقة، بين الحلم والحقيقة، هي الطاغية على صورة الصّحفيّة المثقّفة، بل إن هذه الصورة تمتدّ بشكل رومانسي في خيال “سلمان” إلى قصة حب قديمة عاشها أحد أجداده مع “عوفة” في قرية “عولم”. فيرى في نفسه ذلك الجد، ويرى في “حوريّة”، “عوفة” التي أُبعدِت عن حبيبها قسراً.

تبقى ضمن الشخصيّات المثقّفة في الرواية شخصيّة المدرِّس الجامعيّ “خالد”، صديق “سلمان”، الذي يقدّم ملامحَ من معاناة الأكاديميّ، الذي يصرخ “في قاعة مغلقة” –على حد تعبيره– (ص 153). وهي شخصيّة تلتقي مع شخصيّة بطل الرواية في نقد الفرديّة النفعيّة وخطرها على الوطن، وفي رفض الانسحاب، وإنْ كان لا يخلو من الحَيرة: “أستطيع أن أعمل في الخليج بأضعاف راتبي وأعيشُ حياةً مُنعّمة. لكن كيف ننمّي مجتمعنا إذا هربنا كلُّنا للخارج. المجتمع مثل السفينة، وحتى نحافظ عليها من الغرق، على المعلم أن يعلِّم الركّاب الضرب بالمجاديف بتناغم، وإلاّ غرقوا وأغرقونا معهم.. لكن هذه مهمّة مستحيلة في مجتمعنا، فلكلِّ شخص مجداف متفرِّد يضربه بالاتجاه الذي يريد”! (ص 153).

وإذا كان “فايز بك الكارات”، رئيس التحرير المسؤول، يمثِّل عنصر فعل تلوين الحقيقة بصفاته الممجوجة، في مقابل عنصر فعل الكشف عن الحقيقة (سلمان)؛ فإنّ الفوز كان للأخير، حتى وهو مُبعد يقود سيارته في الطريق الصحراوية ليلتحق بعمله في مكتب الصحيفة بمعان، في إشارة إلى تجاوز منزلق الهزيمة من الداخل، رمَزَ لها الكاتب بعبارة “رحلة اكتشاف الحريّة”. قال (لحوريّة) على الهاتف: “إنه بهذه الطريقة فقط، وعبر هذه الرحلة سيلتقيها”، بل إنّه شعر وهو بعيد عن محبوبته بـ”نشوة الاقتراب” منها.. و”بأنّ القيود تتكسَّر.. فكّر أنّ الحريّة هي أن تهب الناس الأمل بأنّ اللحظة الرّاهنة أجمل من اللحظة التي سبقتها، وبأنّ الغد أفضل من الأمس” (ص 223).

*كاتب وناقد من الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق