قراءات ودراسات

جماليات السرد في رواية “عصفور الفولاذ”

الواقع في مرآة التاريخ

مونيت بركات

سينتصر الحب حتما إذا لم تشبه شائبة من الكراهية ، عبارة تحكم الرؤية السردية للروائي المصري نادر حلاوة في سياق أحداث روايته الجديدة “عصفور الفولاذ”

الرواية التي صدرت مؤخرا من دار الثقافة الجديدة بالقاهرة ،يمكن اعتبارها نافذة تاريخية يطل منها القارئ على الواقع ، فرغم ان أحداث “عصفور الفولاذ” تدور خلال حقبة محددة في القرن الرابع عشر ، إلا أن ملامح القرن الواحد و العشرين تكاد تقفز من بين السطور لتذكرنا أن لعنة تكرار التاريخ لنفسه لا تأتي الا عندما نعجز عن استيعاب دروسه .

فالتطرف الديني الذي تمتد جذوره عميقا ، لا تزال نبتته الشريرة تنتج ثمارها الدموية في عصرنا ، وهنا تقدم الرواية رؤية لمرتكزات التطرف الديني منذ مئات السنين ،عبر شخصية “نوير” الفتى الذي انتزع التطرف عينيه ، لكنه عجز عن ترويض عقله الحر أو تدنيس روحه النقية ، وداخل الحصن النائي الذي عاش فيه نوير أسيرا للعمى ولقبضة “القوصي” الشيخ المتطرف ، تتداخل حكايات شخوص الرواية ، وتتقاطع تجاربهم الحياتية ، ليبرز أحد العناصر الرئيسية في هذا العمل حين يحتمد الصراع بين الروح و الغريزة و العقل ، تظهر إذا تلك الشخصية الغامضة التي هيمنت على جانب كبير من الأحداث وهو “ضيف الله” الصوفي الذي يتأرجح وجوده بين الوهم و الواقع ، لكنه بالنسبة لنوير هو البوصلة التي منحته القدرة على اكتشاف طريقه .

يقول “ضيف الله” لنوير : “لا أحد يقدر على ظلم نفسٍ لا تعرف الكراهية .. لا أحد يستطيع أن يسلِبَك شيئاً أنت قد استغنيت عنه .. ولا أحد بمقدوره أن يسجن نفساً تؤمن أنها حرة”
وفي موضع آخر يشرح “ضيف الله” رؤيته الفلسفية لمعنى الحب :
“.. ومما تعلمته في هذه الرحلة الطويلة أن الخير واحد والشر واحد وأن المحبة هي دواء الشرور وأن الكراهية لا تَجتمِع مع أي خير أبداً، فكراهية الإنسان للعقائد الأخرى لا تزيد من حبه لعقيدته .. فالكراهية يا بني لا تَبني حباً أبداً بل تُساهم في تَقويضِه وتحويله إلى شيء آخر قد يظنُّه البعض حباً وهو ليس كذلك .. كما أن الفضائل لا تتعارض ولا تتناقض فإن وجدت فضيلة من الفضائل المعروفة قد اختلطت بشيء من الشر فاعلم أنها زائفة واعلم أيضاً أن أشد الشرور في هذا العالم هي الكراهية وإن أعظم الخير فيه هو الحب”

وإذا كان “ضيف الله” قد منح “نوير” شعاع الضوء الذي أبصر به أعماق ذاته ، فإن “زين العابدين” الذي ظهر فجأة في حياته ، قد أعطى لعقله قدرة فهم وتحليل كل ما يجري حوله من أحداث
كان “زين العابدين” عقلانيا ذكيا وعنيدا وشهوانيا أيضا ، ورغم التناقض الواضح بين شخصيته و شخصية “زين العابدين” إلا أن “نوير” لم يخف إعجابه بهذا الرجل الذي أعاد ترتيب أفكاره بطريقة أخرى ، تعتمد على الشك والمنطق، والنظرة العلمية للأمور والحرص على بلوغ الهدف بأسلوب عملي ، فحين يتساءل نوير في وجل :
“_ ما العمل إذن؟
رد المعلم “زَيْن العابدين” متنهداً وهو يدق بمطرقته فوق أزميل على رقاقة نحاسية ..
_ العمل هو أن نُحسن العمل يا “نُوَيْر” .. تعلمت أن أحسن عملي فحسب”
ويقول “زين العابدين” في موضع آخر
“الشر لا يزول أبداً من تِلقاءِ نفسه .. الحياة كما عرفتها وخبرتها تَدين لصاحب الغَلبة لا فرق في ذلك إن كان خيِّراً أو شريراً .. هكذا تسير الدنيا”

ثم يتوقف متأملا أزهاره صحراوية يرى فيها ذاته :
“هذه الأزهار يا “نُوَيْر” لا تنمو إلا ليلاً .. ثم تَذبُل نهاراً .. ولن تَجِدها في أَوج بَهائِها إلا قُبَيْل الصباح .. وشيئاً فشيئاً تموت لِيَنمو غيرها بِحلول الليل .. عجيب أمرُها أليس كذلك يا “نُوَيْر”؟ فهي لا تَكتَرِث بمن يرى زُهورها .. هي فقط تُنبِت الزهور وتواصل الحياة في صمت .. هذه النبتة لا تبحث عن المجد ولكن عن الحياة”

الحياة في حد ذاتها هي الغاية في نظر “زين العابدين” لذلك كان يحرص عندما يغادرها أن يترك أثرا باقيا

“يا بني الحياة مُداوَلة بين الموتى والأحياء .. الحياة ليست في نفس تتنفسه أو في قلب ينبُض بين ضلوعِك .. بل فيما تتركه لغيرك قبل رحيلك .. فالأعمار تُقاس ببقاء أثر صاحبها في الحياة بعد موته .. فهناك من يعيش عمره المحسوب من الميلاد إلى الوفاة ويموت دون أن يذكُره أحد بشيء وهناك من يعيش قرناً أو قرنين أو ربما إلى الأبد .. فبقدر ما يترك الإنسان خلفه من أثر في الحياة بقدر ما يطول عمره”

وبين هذين القطبين “ضيف الله ” و “زين العابدين” تمتد تجربة “نوير” التي يتوجها بالحب دون ان يلوثه أي شر فيكون انتصاره الصعب في النهاية .

رواية “عصفور الفولاذ” رغم ما تطرحه من رؤى فلسفية وما تتناوله من أحداث تاريخية في حقبة السلطان “حسن”، إلا أن الإيقاع السريع و اعتماد التشويق واستخدام اللغة البصرية في الوصف يجعل منها تجربة إبداعية تستحق التوقف عندها كثيرا خاصة فيما يتعلق بكيفية تناول المادة التاريخية في الأعمال الروائية .

              مونيت بركات: كاتبة مصرية

القاهرة/ الأول من مايو 2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “جماليات السرد في رواية “عصفور الفولاذ””

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق