ثقافة المقال

كوستي خلاسية الفكر والهوية

عبد المنعم همت*

كوستي مدينة الأحلام التي تقع في قلب السودان قديما وجنوبه بعد الانشطار الذي جعلها تتنفس برئة عليلة بعد أن تقاذفت السياسة الوطن الى سودان شمالي وسودان جنوبي . المدهش ان تلك المدينة كانت تمتاز بسمو الوعي الانساني فنمت هوية جديدة اسمها كوستي . تم ذلك الوعي من خلال الانصهار الاجتماعي والمعرفي لعقول وشجون كل من سكن فيها . هنالك معطيات فرضت التنوع الثقافي وهو الموقع الذي جعل كوستي عاصمة الوعي الاجتماعي .. القطار يستأذن مدارات المدينة فيعبرها حيث يتم استقباله بهيبة ناظر المحطة وعمال وموظفي السكة الحديد بهمتهم وادراكهم بان القطار المار يستنشق من اوكسجين الود للبلاد المغروس في انفاسهم ومسامهم .. يتزود بالماء وبائعات الشاي والفول والاقاشي وابتسامات النقاء والايادي الملوحة استقبالا ووداعا .. تعود كل اهالي كوستي التلويح للقطار وهو نشيدهم الوطني بايقاعات صوت عجلات القطار التي كان يجب أن تقول ( هذا رمزكم ) .
النيل الابيض يمثل العطاء وغناء المعاني .. عمال النقل النهري يتجهون باكرا نحو الميناء ليعلنوا عن استقبال ووداع البواخر النيلية وهي تحمل النبض للسودان .. عرفنا الباباي وقصب الجنوب ذو اللون الاحمر المميز , تذوقنا الاناناس والمانجو والشاي الكيني والموز الضخم المملوء بلحن الجنوب .. كل هذه الاشياء تأتي محملة من الجنوب .. كان الناس يعرفون بوصول الباخرة حين تطلق صافرتها عند الكوبري ..حينها تضج المدينة وتعلن عن فرحتها لأن العيد في كوستي يرتبط بتلك التفاصيل ..(الكارو ) العربة التي يجرها الحصان او الحمار تدخل شوارع المدينة النظيفة حاملة العيد المعبأ في ابتسامات عمال النقل النهري القادمين من الجنوب .. محملين بالفواكه والسلع وقصص جوبا وملكا ل وياي ورمبيك وهم يلعنون تلك النبتة التي تنمو على النيل الابيض لتعيق الملاحة وهذا ما صنعه ابناء كتشنر دعاة الحرية والديمقراطية والسلام عندما استعمروا السودان ..تبا للانجليز صناع الكذب الرخيص حاملي الوعي الزائف والتناقض المميت .
في مدينة جودة الصغيرة والتي تقع جنوب مدينة الجبلين طالب اتحاد المزارعين بتأجيل ترحيل القطن الى ربك الى حين سداد مستحقات المزارعين للعام الماضي وتطور الى صدام بين الشرطة والمزارعين مما جعل الحكومة ترسل الجنود من كوستي مدججين بالاسلحة وتعتقل 250 مزارع حيث تم ترحيلهم الى حامية كوستي وادخالهم جميعا في عنبر من الزنك بلا نوافذ وظلوا على هذه الحالة دون ماء وهواء ومات 247 مزارع في ساعات وقال عن ذلك صلاح أحمد ابراهيم :
لو أنَّهُم فراخ

تصنع من اوراكها الحساء

لنُزلاء ((الفندق الكبير))

لوُضعوا في قفص لا يمنعُ الهواء

وقُدم الحب لهم والماء

لو أنهم …
ما تركوا ظماء

ما تركوا يصادمون بعضهم لنفس الهواء

وهم يُجرجرون فوق جثث الصحاب الخطوة العشواء

والعرق المنتن والصراخ والاعياء

ما تركوا جياع

ثلاثة تباع

في كتمة الأنفاس في مرارة الأوجاع

لو أنهم

لكنهم رعاع

من ((البرقو))
من الفلاتا
من المسليت
من الفور

من ((الحسينات))

من ((المساليت))
نعم …رعاع

من الحُثالات التي في القاع
هكذا كانت احداث عنبر جودة 16 – 18 فبراير 1956 ..موت جماعي للمزارعين .. من المؤكد أن هنالك أحداث تحفز الوعي والانتماء ومن هنا صارت كوستي مدينة خط المقاومة للانكسارات والطلاء القاتم للعقول فأعطت بلا حدود .. وتشكلت مدارك جديدة لانسان كوستي ضد الظلم .. هكذا ظلت كوستي خلاسية الفكر والتلاقح .. نواة الوحدة الوطنية .. تمتد فيها أعراق السودان بلا استعلاء أو تحقير .. مدينة العشق للسودان فالجميع يمر من هناك ..
يمر الصباح والمساء على انغام( تومات) كوستي وايقاع التمتم المميز ..حيث يعود للتومات ( أم زوايد و أم بشائر ) في تقديم هذه الايقاع الافريقي والمعروف بالتمتم والذي انتشر من حي الرديف كوستي الى سرور وزنقار .. الايقاع الافريقي الحار يشبه ملامح وقلوب اهل كوستي الذين يعرفون صناعة الأمل وكل الحياة ..امتد الغناء في كوستي وايقاع التمتم حاضر في كل مناسباتهم …
اذكر ان ادارة شرطة كوستي قامت بإنشاء نقطة شرطة في حي النصر لبسط الأمن وظلت هذه النقطة بلا عمل لأن أهل الحي يعرفون معنى حل النزاعات دون محاكم وشرطة .. كل الأحياء كانت تدار بوعي جمعي عالي ويكفي أن الشوارع نظيفة ماديا ومعنويا .. كانت كوستي قطعة خضراء نظيفة الشوارع والمنازل رغم أن سكانها لا يمثلون الطبقة الارستقراطية فهي مدينة عمال وصغار التجار .
كانت مدينة الهوية ترسم ملامحها أحياء الحلة الجديدة , الرديف , المرابيع , السكة الحديد , حي السرايات وحي النصر.. وبعدها جاءت الاحياء والامتدادات الجديدة جميعها تلتقي في ميدان الحرية والجامع الكبير وصافرات البواخر والقطارات العابرة للجمال . المساجد والكنائس سلسلة التسامح والتعايش السلمي .. نادي التنس , نادي الخريجين .. استاد كوستي .. سينما كوستي ( السينما الكبيرة ) .. سينما النصر .. السوق الكبير .. استاذ صلاح فضول .. استاذ صلاح كونجا .. استاذ عمر المكي .. استاذة امنة قرنده .. استاذة صفية اسكودر ..زيكو الكبير , الجيلي عبد الخير ..ابشر .. الحريف دحدوح .. قيادات العمل النقابي ..المبدعين بكافة الوانهم ..حملة مشاعل الاستنارة المدرسين ..المعلمات رواد الوعي النسوي قناديل الوعي .. جميعهم ..جميعكم .
عرفت المدينة معنى التعاون والعمل الجماعي والطوعي بأشكاله المختلفة .. اثرياء المدينة شيدوا بحر مالهم قطاعات التعليم والصحة والمساجد . في كل ناحية من كوستي تجد عمل خيري غرسه الانقياء دعاة الحياة .. امتد العون الذاتي كوعاء عظيم يرفد المدينة بسد النقص والتشييد والمساهمة في استقرار الاسر المتعففة .
الان نبحث عن كوستي لنجدها في مسام الوعي السوداني الرافض لزيف ( لا لدنيا قد عملنا ) .

*كاتب وناقد أكاديمي سوداني مقيم في سلطنة عمان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كوستي خلاسية الفكر والهوية”

  1. الرائع منعم. .
    أبدعت في السرد واستعملت اسلوبك الجميل في الحكي والحكايات. انا شخصيا استمتعت كتير وعملت لينا سياحة في كوستي الجميلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق