ثقافة المقال

إدريس المسناوي والكتابة بالمغربية الدارجة: “قالّي راسي…”

أحمد العمراوي

إدريس المسناوي والكتابة بالمغربية الدارجة: “قالّي راسي…”
“اللي قال لكتابة باردة يعمل فيها يديه بجوج. لكتابة مسخوطة مفلسة، يكذب عيك الكذاب ويقول لك لكتابة عودة مسلسلة. لقلال ولقلال هما اللي تايعتروا لها على سر الحكمة”

(إدريس المسناوي، أسئلة السفر أو سفر الأسئلة، مجلد خاص، 1999، ص: 71)

لغة الكتابة. لغة القراءة. التواصل. البوح وأشياء أخرى. علاقات من الذات إلى الذات، من الأنا إلى الأنا أولا، ومن الأنا إلى الآخر بعد ذلك. يتوجه الكاتب والشاعر بخطابه، بشعره، للآخر بعد توجهه لذاته بوسيلة أساسية هي اللغة، وبيد تكتب وتركب الحروف، وبمجمع ورقي أو إلكتروني.

اللغة هي الأساسية. لغة التخاطب. تنوع اللغة هو امتلاكها أولا، واللغة لغات: عربية، فرنسية، إنجليزية، أمازيغية، أو دارجة بالنسبة لحالة المغرب وغيره من الحالات المشابهة.

هل اختيار شاعر معين للكتابة بالدارجة هو اختيار مقصود أم هو رغبة سرية دفينة مكنونة لا مجال للاختيار فيها؟ في حالة إدريس المسناوي تأخذ مسألة الاختيار بعدين عميقين، فهو شاعر زجال أصدر مجموعة دواوين زجلية من بينها مجموعته المتميزة “تراب لمعاني”. وهو كاتب بالدارجة، دارجة عميقة في سفره: “أسئلة السفر أو سفر الأسئلة”.

للشاعر اختياراته، ولا أظن أن إدريس المسناوي مخير في هذه الاختيارات (التشاكل اللفظي مقصود هنا). اكتب واكتب وقل. الكتابة كتاب مكتوب عليك، تقولها للنفس أول: ” قلتْ لْرَاسِي ما قُلْتْ لْحَدْ” (إدريس المسناوي، “تراب لمعاني”، ربا نيت ماروك، ط 1، 2004 ص: 6).

خطاب عميق من الذات وإليها. خطاب نفسي، داخلي حين ينساب إلى الخارج تتداخل ذات الكاتب/ الشاعر مع ذواتنا، وكأننا نحن من يقول لرأسه: “قالْ لي راسي ما قالْ لي حَدْ” (ص 9).

لم يقل لي أحد: اكتب، أنا من اختار هذه اللذة المتعبة الضرورية. معتز أنا بتعبي، بلغتي الدارجة التي تسير على أرض الناس لأنها ” تراب لمعاني”.

لإدريس المسناوي اختيارات أخرى وهو ليس مخيرا فيها. فهو يصدر كتبه على حسابه الخاص، ويوزعها على أصدقائه الشعراء مجانا في غالب الأحيان كما هو شأن بعض الشعراء المغاربة. إصرار على التوريط في القراءة/ الكتابة خاصة في سفره الهائل: “أسئلة السفر أو سفر الأسئلة” الصادر في مجلد من 202 صفحة من القطع الكبير سنة 1999.

كتابة فلسفية بالدارجة، يصعب أن يكتب كاتب بشكل تأملي بالدارجة، فالدارجة ليست لغة منظمة القواعد والمفاهيم فلسفيا لنخلق معها حوارا فكريا عميقا وتأملا في أحوال العالم والناس، هي لغة إبداع بامتياز، ولكنها ليست لغة مناقشة لقضايا شائكة، ولذلك فكتابة المسناوي التأملية هي خوض في المحظور. الملحون شعر. والزجل شعر. وأغاني العروبيات والأغاني الشعبية تؤدي إلى متعة حقيقية لدى المتلقي المغربي وغيره، ونحن نعرف أن الأدب العالمي هو الأدب الأكثر محلية. وغارثيا ماركيث، نجيب محفوظ، إرنست همنغواي، محمد شكري وغيرهم ارتبطت كتاباتهم بوضع محلي دقيق هو ما أدى بهم إلى العالمية.

يقول إدريس المسناوي في “تراب لمعاني”:

زَدْتْ للْحْياةْ حُبْ

وللْحُبْ حْياةْ

سخرتْ قولي للتغييرْ

سَخّرْتْ فَعْلِي لَلْخِيرْ

زَدْتْ لَلْحْيَاةْ مَا بْقَى في حْياتي مَنْ حْياةْ

حب الناس وحب الحياة هو المهم، ولا تهم لغة التخاطب ما دام السر المكنون هو المتحكم في الذات القارئة لنفسها، ثم للآخرين بعد ذلك.

يورطك الشاعر في الدخول إلى حالات وجودية عميقة. الحقيقة حقائق لها نفس البعد، أي هي حقيقة الكينونة الكبرى التي تحدث عنها الصوفية الكبار.

قالي راسي ما قالي حد

الحقيقة زْواقْ…

الحقيقة سْرابْ…

قُلتْ لْرَاسِي مَا قُلْتْ لْحَدْ

الحقيقة رعدْ وسْحابْ

الحقيقة زَرِّيعَةْ تَحْتْ تْرَابْ

قَالّي راسي مَا قالْ لِي حَدْ

الحقيقة سفرْ

يا مَنْ بْغَى فالحقيقة للحقيقة يْسافرْ

الحقيقة في البْدُو

الحقيقة في اللّخّرْ

العقل هو فين تَكْبَرْ (ص 13).

هكذا تتحاور الذات مع نفسها جسدا وروحا وفكرا، كل هذا من أجل البوح العالي والعاري والدفين:

حَقيقتَكْ أنْتَ

نَصْها مَرْدومْ تحتْ قرونْ دَالسْكاتْ

ونَصْها لاَخُرْ عايَشْ مْعاكْ في تَشْتاتْ

بْغى لِّي يْعاودْ كْتابتُو بجْميعْ اللغاتْ

*****

في يدّكْ سْوارتْ ربحكْ وخسرانكْ

بِين نْقاطْ قوْتكْ وضعْفكْ رْهانكْ

كما في عيونكْ تساوي الأرواحْ

كما فوجدانكْ (ص 14)

حقيقتك هي حقيقتي. الكل بيدك. أنت من يختار. أنت من يعرف كيف وماذا يقال. الدارجة وسيلة هائلة للتعبير الإبداعي الشعري. يصعب ذلك في النثر، ورغم ذلك فالمسناوي أقحم ذلك كأنه مجذوب أسواق مغربي قديم، كأنه سيدي عبد الرحمان المجدوب أو سيدي بنهدون.

إدريس المسناوي ليس هداويا بالمفهوم الشعبي، ولكنه كذلك بالفكر الوجودي العميق، حيث حين تأخذ “تراب لمعاني” المكون من 221 ص من الحجم المتوسط، لا تستطيع الانفصال عنه. كلام منساب وكأنك أنت قائله، لكونه ينبع من نفس المنطقة، منطقة السر التي نحن فيها جميعا، يضاف إلى ذلك أنه صوت شفوي مكتوب، حين تقرأه أمام الناس، يثير الانتباه في أي مكان في البادية، في المدينة، في السوق، في المغرب وخارجه. كتابة تعميم انطلاقا من التخصيص، من أرض المغرب، بلغة المغاربة التي يصرخ بها إدريس المسناوي، ولكن بمفاهيم كونية تمس كل الناس، وفي كل الأوقات، انطلاقا من أسئلة عميقة:

شْحال فالسّاعةْ

شحالْ الضّوْ

شحالْ الهَوَا

شْحالْ الخَطْوَه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق