قراءات ودراسات

المحاولات الإسلامية المعاصرة في المجالين: الإبداعي والنقدي

بقلم : أ . عباس المناصرة

1- في المجال الأول (الإبداعي: إنتاج الأدب الإسلامي)

وهو التيار الذي ركز جهوده لإنتاج أدب إسلامي في: الشعر والرواية والقصة والمسرحية، والمقال، والحديث الإذاعي،…. وغيره من الفنون.

وقد نجح هذا التيار في كثير من الفنون الأدبية، وقدم لنا نصوصاً إسلامية المضمون والروح، جيدة المستوى من الجانب الفني، حيث اعتمد كل واحد منهم على خبرته الشخصية في تكوين واختيار أداته الفنية، ضمن فنيات الأدب العربي المعاصر المتأثرة بالقديم والجديد، لأنه لا يملك نظرية إسلامية في الأدب.

وفي ظني أن سبب نجاح هؤلاء في إنتاجهم الأدبي يعود لتوظيف مواهبهم في التعبير عن ذواتهم، وهذا شيء طبيعي لكل من امتلك موهبة؛ أنْ ينجح في التعبير عن نفسه من خلال الفن الذي أبدع فيه.

ومع ذلك، يجب أن نتذكر أنَّ هذا الأدب بقي دون نقد يقيمه، لأنه لم يتواجد الناقد الإسلامي المجتهد الذي يستخرج النظرية الإسلامية في الأدب، ويحاكم هذا الأدب إلى مقاييسها من خلال تطبيقاتها، ولذلك هو أدب إسلامي يقوم على التصور الفردي للفكرة الإسلامية وأدبها، وبمقاييس الأدب العربي المعاصر وما اعتوره من تيارات نقدية متعددة المشارب. ومن أسماء هذا التيار الإنتاجي التي نجحت في الوصول للقارئ العربي.

1- في فن الشعر:

احمد محرم، عمر بهاء الدين الأميري، محمود حسن إسماعيل، علي أحمد باكثير، هاشم الرفاعي، سيد قطب، أمين شنار، يوسف القرضاوي، يوسف العظم، محمد محمد التاجي، الحبيب المستاوي، محمد علي صوان، مبارك الخاطر، كمال رشيد، مأمون جرار، احمد مظهر العظمة، عبد الرحمن العشماوي، عبد الرحمن العبادي، محمد المنتصر الريسوني، محمد كامل الآني، عصام العطار، احمد محمد صديق، عبد الرحمن بارود، شريف القاسم، جمال فوزي، محمد الحسناوي عبد الله عيسى السلامة، محمد منلا غزيل، احمد حسن القضاة، محمد مصطفى حمام، عبد الله كنون الحسنى، عدنان النحوي، زهير المزوق، كمال الوحيدي، علال الفاسي، وليد الأعظمي، يحي الحاج يحي، محمد صيام، خالد عبد القادر السعيد، داود معلا، غازي الجمل، بسام ساعي، خالد أبو العمرين و حسن الأمراني و أيمن العتوم ومحمد الكندري وغيرهم …

2- في فن القصة والمسرحية:

نجيب الكيلاني، أحمد علي باكثير، أحمد بدوي، أمين شنار، عبد الله عيسى السلامة، محمود شيت خطاب، احمد العناني،عبد الله الطنطاوي، زياد أبو الحمص، يوسف القرضاوي، جهاد الرجبي، عماد الدين خليل , وأيمن العتوم ….

3- وفي فن القصة والكتابة للأطفال:

عبد الحميد جودة السحار، محمد عطية الأبراشي، محمد أحمد يرانق، محمد موفق سليمة، محمد علي قطب، محمد إبراهيم سليم، نزار النجار، علي يوسف علي، سيد قطب، عبد التواب يوسف و غيرهم ….

4- وفي الدراسات والأبحاث:

وهناك جهد مبارك لعدد كبير من الباحثين والعلماء في مجال تعميق العلاقة مع التراث، ومواجهة التغريب وكشف مخاطره، وهو جهد عريض من جميع الأوساط القومية والجامعية والإسلامية، وحيث قام علماء المجامع اللغوية والأدباء والنقاد الذين يقتفون آثارهم، بإحياء مخطوطات التراث الأدبي للأمة، بهدف زيادة التأثر به والتلاحم معه، والاستفادة من عملية الإحياء في تأصيل الالتحام الثقافي العام بجذور الأمة، ومن أشهر دعاة الثقافة العربية الإسلامية في هذا المجال:

العلامة شكري فيصل، محمد محمود شاكر، العلامة الدكتور محمد محمد حسين، علي الطنطاوي، أحمد راتب النفاخ، أنور الجندي، عوض القرني، محمد أحمد الحوفي، شوقي ضيف، محمد أحمد الغمراوي، محمود شيت خطاب، سعيد الأفغاني، محمد المبارك، فخر الدين قباوة، عمر رأفت الباشا….. وغيرهم.

2- في المجال الثاني: (النقدي: التنظير للأدب الإسلامي)

” نظرة تاريخية عامة “

ويهمنا الوقوف على جهد هذا التيار، الذي أخذ على عاتقه قضية التنظير للأدب الإسلامي، والتعرف عليه من خلال ما قدم في هذا المجال:

1- مقدمة: يطيب للكثيرين من دعاة ” النظرية الإسلامية للأدب ” أن يعتبر الرافعي والمرصفي… وغيرهم، أصحاب الخطوات الأولى في التنظير للأدب الإسلامي.

ومع أن هؤلاء يحملون قسطاً كبيراً من العواطف والمشاعر والمواقف الإسلامية في نقدهم، إلا أن مسارهم، بقي متأثراً إلى حد كبير بالنقد العربي القديم.

ولم يطرح الرافعي بالذات نظرية للنقد الإسلامي، وإنما دار في فلك النقد العربي القديم، وكذلك تأثر بمرحلة الصراع الدائر بين دعاة الإحياء التراثي وبين دعاة النقل عن أوروبا، وكانت آراء الرافعي في معظمها تدور حول الأفكار النقدية التالية:

1- جودة الأدب في نظرته الشاملة، وتمثيله للطبيعة ومطابقته للواقع، وحسن لفظه ونادر معناه.

2- إن شخصية الأديب، في تصويره لمذهب جماعة وطريقتهم في الأدب، على أن يتبع أسلوبه الخاص، لأن الأسلوب صورة صادقة لنفسية الأديب وفكره.

3- إن تقدير الناقد للأديب، يجب أن يكون بناء على قيمته الأدبية فقط.

4- أن يحتذي الشاعر حذو فحول الشعراء الأقدمين محنـكاً بالتجربة والحكمة…. (5)

وفي نهاية العقد الخامس من هذا القرن، عادت تيارات الصحوة الإسلامية، لتطرح مفهوم الشمولية الإسلامية، وصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، لأنه دين الله سبحانه وتعالى، وبدأ المهتمون منهم بقضية الأدب الإسلامي، استكمالاً لشمولية الإسلام، ومواجهة لسيل التغريب الجارف، الذي يقوده تلاميذ (جحر الضب الأوروبي).

ولكن هذه التنظيرات، كانت تفتقد إلى المرجعية الشرعية، والمرجعية الأدبية المتخصصة، وبقيت تدور في فلك العموم والشمول الذي تحكمه النظرات الفردية المتعسفة التي حكمت فكر الصحوة الإسلامية، لأنها لم تستطع الانتقال من الشمولية العقيدية إلى الشمولية النظرية المتخصصة. وإن كنا لا ننكر أن هذه المحاولات كانت تحركها النوايا الصادقة، من أفراد تدفعهم الغيرة على مصلحة الأمة، لأنهم أرادوا لهذا الثغر أن يُسد فلا يؤتين من قبلهم.

وفي ظني أن اكثر هذه المحاولات فشلت في تنظيرها للأدب الإسلامي؛ لأنها لم تكلف نفسها عناء البحث عنه في التجربة الإسلامية الأُولى للأدب، التي تمت في (السيرة النبوية المباركة) هذا من جانب ومن جانب آخر أن هذه الفئات المنظرة، انطلقت من منطلق يخالف منهج العلم، لأنها ابتعدت عن التأصيل الشرعي والتخصصي، وركبت حماسها الفردي وتصورها المحدود في جو من الهزيمة، أمام النظريات الوافدة للأدب الغربي، على يد دعاة التغريب، ولذلك جاءت تنظيراتهم أشبه بردود الفعل على بضاعة الغرب الأدبية، ولأنهم صمموا على الانطلاق من طموحاتهم وهواجسهم ومخاوفهم، ولأنهم أداروا ظهورهم لمنهج فقهاء الأمة المطروق في استخراج أحكام هذا الدين في نظرية الأدب وفي كل النظريات. والفقيه الأدبي (الناقد المجتهد) لا يبدأ من ذاته ولا من هواجسه، ولا من الصفر، ولا من ردود الفعل، وإنما يبدأ مما بدأ به فقهاء الأمة ومجتهدوها، في كل العصور، وفيما يخص النظرية الأدبية واستخراج المقاييس النقدية، فإنني أتصور أن مصادرها التي يجمع عليها أهل الفقه والعلم لا تتعدى (القرآن الكريم، السيرة النبوية الشريفة وأدب الصحابة الكرام (الشعر والنثر).

هذه هي المصادر الشرعية للنظرية، ثم تأتي المصادر الأدبية المتخصصة في تاريخ الأدب العربي، ومدارسه الفنية، وإنتاجه عبر العصور…، ولكنهم تعاملوا مع هذه المصادر بطريقة باهتة، وأهملوها وركبوا رؤوسهم في كثير من الأحيان(6).

ويمكن رصد المحاولات والجهود المبذولة مـن دعاة نظرية الأدب الإسلامي ضمن مسارين، هما:

الأول: مسار أهل التخصص

وهم جماعة من دعاة الأدب الإسلامي في الجانب النقدي، لديهم من العلم في الجانبين “الشرعي والأدبي ” ما يؤهلهم للخوض في مشروع كهذا.

وكان من الممكن لأربعة من كبار النقاد الإسلاميين هم: الإمام الشهيد سيد قطب، والعلامة الدكتور محمد محمد حسين، والعلامة الدكتور شكري فيصل، والباحث المنقب عمر رأفت الباشا، أن يقدموا للنظرية الإسلامية في الأدب كل ما يخصها في الجانب التنظيري وفي بعض الجوانب التطبيقية، من (الوثائق الثلاث الأولى) لأنهم من أهل العلم والإبداع والتخصص والقضية الأدبية، فسيد قطب: جمع بين الموهبة الأدبية، والعلم بتاريخ الأدب العربي، وتفسير القرآن الكريم. ومحمد حسين: جمع بين علمه بتاريخ الأدب العربي والصراعات الثقافية الفكرية، وتمكنه من لغة القرآن الكريم وشكري فيصل عالم جمع بين تاريخ الأدب العربي، والتيارات النقدية، والتجربة النقدية الذاتية، والعلم الواسع بتاريخ السيرة، وتفسير القرآن الكريم، وعمر الباشا: صاحب علم وخبرة واسعة في النصوص الأدبية المتناثرة ولم شتاتها.

ولكن هؤلاء النفر، انشغلوا عن البحث الأدبي بقضايا الإحياء العام للتراث، وبالتحصين الثقافي لفكر الأمة، مما حرم النظرية الأدبية من خيرة فقهاء النظرية الأدبية في عصرنا. وبذلك قضوا نحبهم – رحمهم الله – جميعاً قبل أن ينجزوا فيها كثيراً مما يؤمل منهم، ومع ذلك نجد لهم جهوداً مباركة متناثرة هنا وهناك، هي افضل ما طرح، لو أنه استفيد منها(7).

الثاني: مسار مدرسة (منهج الفن الإسلامي):

وقد سمينا هذه المدرسة، باسم اشهر الكتب التي نظَّرت لفكرتها، وهو كتاب (منهج الفن الإسلامي) للمفكر الإسلامي الكبير محمد قطب، حيث يُعتبر هذا الكتاب الضخم المرجع الأساس الذي تحلق حوله مجموعة من الكتاب المنظِّرين لفكرة الأدب الإسلامي، وكان محمد قطب قد أخذ أصول فكرته من صلاح الدين السلجوقي وشقيقه الشهيد سيد قطب، حول (انبثاق الفن الإسلامي من التصور الإسلامي للكون والحياة) وحيث انحرف بها محمد قطب من عالم التنظير الأدبي إلى عالم التنظير الفكري، وحتى نتعرف على قيمة هذا الكتاب وخطره، لا بد من معرفة المنطلقات التي بدأ منها محمد قطب عمله، وقد كان لهذا الكتاب الأثر الكبير في تشتيت جهود العاملين للنظرية الإسلامية في الأدب، لأنهم التفوا حول كتابه وجعلوا منه منهجاً يحتذى، وكانت معظم الدراسات التي قدمت للفن الإسلامي أسيره لمنهجه الفكري المغرق في عموميات التصور الإسلامي، والبعيد عن منهج الدراسات النقدية، لبعده عن التأصيل الشرعي والمنهجي لأهل العلم في الصنعة الأدبية.

محمد قطب و”منهج الفن الإسلامي”

مقدمة: لا بد من الاعتراف في البداية أن التنظير للأدب الإسلامي هو قضية فقهية متخصصة، وليست قضية فكرية عائمة، ولذلك لا يحق لأصحاب الفكر العام أن يدلوا بدلوهم فيها، إلا إذا وصلوا إلى مرحلة امتلاك الأدوات والمناهج العلمية، التي تقودهم فيها إلى بر الأمان.

ويؤسفني أن اكرر كلام الأستاذ برغوث بن المبارك حين قال عن المفكرين المسلمين المعاصرين (نتأسف كثيراً لما يحدث في عالمنا الإسلامي، عندما نشاهد متخصصين مطلقين يتكلمون في كل العلوم بلا علم ولا دراية، ما زالت تراودهم فكرة الموسوعية)(8).

ويتضح الأمر جلياً، عندما ندرك الفارق بين الفقيه، والفقيه الأدبي المتخصص (الناقد المنظر) وبين المفكر الإسلامي العام:

1- عمل الفقيه: ويبدأ عمل الفقيه من خلال فهم مقاصد القرآن الكريم جملة وتفصيلاً: الآيات العامة في دلالتها، تفصيل الآيات العامة بآيات مخصصة لها، تفصيل مجمل القرآن بتخصيص الحديث الشريف، تفصيل مجمل الحديث بالأحاديث المخصصة له، ثم الاستفادة من سنة النبي عليه السلام (التقرير والعمل) وعلوم السيرة وتفسير القرآن الكريم وسيرة الصحابة الكرام وعلماء الأمة، وجمع النصوص التي تخص القضية الواحدة، ويلزم نفسه بالإطلاع عليها عند علماء الأمة، ويخضع نفسه لمعطيات النصوص وما تريده منه، ويبذل أقصى ما في وسعه لاستخراج الأحكام القطعية، والاجتهاد في الأمور التي لم يقطع بها النص، ووظيفة الفقيه وظيفة عملية هدفها إرشاد الأمة، إلى الأحكام العملية لدينهم، حتى يتضح للمسلمين وجوه الحلال والحرام والمندوب والمكروه. وهو متخصص في كل قضية يفتي بها، يجمع فيها بين علم الشرع وعلم القضية في واقعها. وهو مأجور من الله، له أجران إن أصاب، وأجر واحد إن أخطأ.

2- الفقيهُ الأدبي (الناقد المتخصص في التنظير)

والفقيه الأدبي، على وجه الخصوص، لا يختلف في عمله عن بقية فقهاء الأمة، إلا بتعمقه وتخصصه في القضية التي يفتي بها (الأدب) فهو لا ينطلق من ذاته ولا حماسه، فعمله يقوم على جمع النصوص من مصادرها الشرعية 1- القرآن الكريم: الآيات العامة، آيات الشعر في العهدين (المكي والمدني)، وما يخص الأدب والبيان البشري وخطر الكلمة من القرآن الكريم 2- السنة النبوية (الحديث والفعل والتقرير) فيما يخص الشعر والأدب والبيان والكلمة وأثرها 3- أدب الصحابة الكرام (الشعر والنثر) وهو الذي نال رضى الله وتقرير رسوله وقبول المسلمين، وبالإضافة إلى علوم القضية الأدبية: تاريخ الأدب العربي، ثم علوم اللغة العربية.

ويكرس جهده لاستخراج ثوابت القضية الأدبية (النظرية الإسلامية، المقاييس النقدية، نموذج الأدب الإسلامي و التطبيقات العملية) ثم ينتقل بهذه الثوابت (النظرية الإسلامية) ليحاكم الأدب العربي في عصوره المختلفة، حتى يكتشف الفارق بين (النظرية) وامتدادها من خلال التطبيقات، ليرى مدى استجابة المسلمين في أدبهم، للفهم والنظرية الإسلامية في الأدب وفنونه على اختلاف أنواعها؛ وبذلك يصل إلى مرحلة تفسير الظواهر وتعليلها، وهو بهذا يرشد الأديب المسلم إلى طريق النهضة الأدبية، ويحميه من مخاطر الانزلاق والضعف.

3- المفكر الإسلامي العام:

أما المفكر الإسلامي العام، فهو إنسان، يدرك الخطوط العامة للإسلام، وقد يتعرف على بعض التفاصيل التي تهمه أو تخدم ملاحظاته، ويكون عمله قائماً على ملاحظة عمل الفقهاء والمجتمع الإسلامي من خارج التطبيق العملي، ليسجل ملاحظاته العامة، إنه يشبه المراقب العام للتنفيذ، يرى العموميات والعلائق، ولكنه لا يدرك التفاصيل، ويملك من الحرية ما لا يملكه الفقيه، وقد يشتط في هذه الحرية فيبتعد عن الهدف الذي يقصده النص الشرعي.

من خلال هذه المقدمة، نحاول أن نتعرف على الجهد الذي قدمه المفكر الإسلامي الكبير محمد قطب للنظرية الإسلامية في الأدب من خلال كتابه المشهور (منهج الفن الإسلامي) ومن خلال النقاط التالية:

أولاً – انطلق محمد قطب في تنظيره للأدب الإسلامي، من خلال العناوين التالية: طبيعة الإحساس الفني، طبيعة التصور الإسلامي، الإنسان في التصور الإسلامي، الواقعية في التصور الإسلامي، العواطف البشرية في التصور الإسلامي، الجمال في التصور الإسلامي، القدر في التصور الإسلامي حقيقة العقيدة في التصور الإسلامي، الفن الإسلامي حقيقته ومجالاته، القرآن والفن الإسلامي من خلال مشاهد الطبيعية، القصة، مشاهد القيامة، في الطريق إلى الأدب الإسلامي، نماذج من الشعر: محمد إقبال، عمر الأميري، طاغور الهندي، سكينة بنت الحسين، ابن الرومي.

نماذج من القصة والمسرحية: عبد الحميد جودة السحار، أمينة قطب، ج. م سينج الايرلندي.

والقارئ للكتاب يلاحظ أن محمد قطب انطلق في تنظيره مما انطلق منه دعاة الصحوة الإسلامية ” الشمولية العقيدية ” وكانت أفكاره تدور حول انبثاق الفن الإسلامي من التصور الإسلامي (العقيدة) للكون والحياة، ومن خلال سمات هذا التصور (التوازن، الشمولية، التوحيد، الربانية، الإيجابية، الواقعية) وبدأ يستعمل أدلته من الآيات ذات الدلالة العامة، وهي بداية موفقة إلى حد ما، في جلاء المضمون العام للأدب الإسلامي، شريطة أن يتبعها تخصيص وتحديد وتفصيل لهذه الدلالات العامة، من خلال الآيات التي خصصت هذا العام وفصلته.

ويكون التخصيص بالانتقال إلى “الشمولية النظرية ” حيث يتم جمع شواهد القضية الأدبية من القرآن الكريم والسنة الشريفة وأدب الصحابة الكرام (الشعر والنثر) في كل ما يخص الآيات ” التي تفصل قضايا الأدب، والشعر، والبيان، واللغة،ووظيفة الأدب،وطبيعة الأدب، بهدف تفصيل الشمولية العقيدية بشمولية نظرية تطرح نظرية الإسلام في قضية الأدب من مصادرها الشرعية والأدبية، حتى يكون التنظير حاملاً لصفتي (الشرعية والأدبية المتخصصة).

ولكن الرجل ظل سابحاً مع شطحاته الفكرية المغرقة في العموميات، من خلال الآيات العامة، إلى نهاية الكتاب. وحيث قام بإهمال جميع (الآيات) وجميع (الأحاديث) التي تفصل قضية الشعر والبيان وطبيعة الأدب وأهمية الكلمة، ثم اتبع ذلك بإهمال وتجاهل (أدب الصحابة الكرام). وأخذ ينظر لأدب إسلامي من خلال عموميات التصور وثقافته الفردية الخاصة المتصلة بالأدب الإنجليزي.

وبذلك خالف منهج فقهاء الأمة في فهم هذا الدين، وفتح الطريق لنفسه ولأصحاب الفكر العام للإفتاء في قضايا، لا يستطيع الإفتاء بها إلا الفقيه المتخصص، فكيف يكون التنظير إسلاميا؟! وصاحبه يدير ظهره لمفصل القرآن الكريم ومفصل السنة الشريفة وأدب الصحابة الذي نال “تقرير” الرسول عليه السلام.

ومن المعلوم أيضاً في أصول الفقه: (تخصيص عموم القرآن بالقرآن وتخصيص عموم القرآن بالسنة وتخصيص عموم السنة بالسنة)(9) وتخصيص عموم السُنة فيما يخص الأدب بالتقرير النبوي لأدب الصحابة (النموذج الأدبي الإسلامي).

كما أن حكمة الله سبحانه فصلت آيات العموم بآيات الخصوص والأحكام، حتى لا تتفرق الأمة في التخصيص والتفصيل، والمسلم ملزم بالخضوع للآيات العامة والآيات المخصصة لها معاً، وإذا وقع في تخصيص العام على هواه، وقع في الانحراف والضلال، واخذ يفتي بما لا يعلم.

وبذلك وقع محمد قطب في الإفتاء المتعسف، الذي وقع فيه كثير من دعاة الصحوة الإسلامية، فكان صورة عن ” الشمولية الفوضوية ” التي نزلت بالإسلام إلى الواقع من خلال عموميات متناثرة، ودون جمع لشواهد القضية الأدبية من مصادرها الشرعية والأدبية، وتحكم المزاج والانطباعية والثقافة الشخصية في فهم الإسلام.

ثانياً: وخرج محمد قطب من كتابه بعد أن ضيع النظرية والمنهج، ومن ضيع النظرية أضاع التطبيقات، لأنها تصبح تطبيقات عمياء لا تهتدي بفقه أدبي واضح.

وتبين أن محمد قطب لا يملك من العلم بالأدب العربي إلا ثقافة سطحية، لا تؤهله للتنظير، فهو لا يعلم تاريخ الأدب العربي ولا مدارسه الفنية عبر التاريخ ولا يلم بإنتاجه عبر العصور، ومن هنا لم يجد نماذجه الأدبية، التي ترضي ذوقه، فاختار نماذجاً مضحكة لتمثيل الأدب الإسلامي، يقول الدكتور نجيب الكيلاني: وهو واحد من رواد مدرسة “منهج الفن الإسلامي ” معترفاً بذلك (وقد لاحظت في كتاب منهج الفن الإسلامي، إن المؤلف لم يقم بعملية مسح أدبي، يحصر ما يسمى بالأدب الإسلامي في القديم أو الحديث، سواء في عالم القصة أو المسرحية أو الشعر، ومن جهة أخرى عندما أراد أن يقدم بعض النماذج للاستشهاد بها، لم يجد سوى قليل من الأدب العربي والإسلامي، ومن ثم استشهد ببعض إنتاج لطاغور، والكاتب المسرحي الايرلندي سينج و(وهما ليسا مسلمين) وإن اتفقنا في كثير من وجهات النظر مع المفهوم الذي حدده)(10).

وبذلك كان محمد قطب داعية من دعاة الفوضى في التنظير النقدي، وفشل عندما حاول أن يدخل عالم التنظير النقدي بعقلية ” المفكر العام “، وبذلك ضيع على النظرية الإسلامية الأدبية المبحوث عنها، فرصة البداية العلمية والمنهجية للتنظير المؤصل شرعياً وأدبياً.

وظهر خطر منهجه عندما التف حول كتابه مجموعة من المنظرين، الذين يجهلون الجانبين الفقهي والتخصصي، فأخذ كل واحدٍ منهم يُفصل لنا أدباً إسلامياً، على رغبته وهواه معتمداً على الوثيقة الخامسة (وثيقة الطموحات) بعد أن أداروا ظهورهم للوثائق الثلاث الأولى، أما الوثيقة الرابعة (وثيقة الاستمرارية) فلم يستثمروها إلا في الإنتاج الإسلامي المعاصر وبطريقة ضيقة.

واستطاع هذا التيار، أن يسيطر على دفة التنظير في هذا الاتجاه اكثر من ثلاثين عاماً.

وكان من اشهر المنظرين لهذه المنهجية العامة الطبيب الروائي الدكتور نجيب الكيلاني في كتابه (الإسلامية والمذاهب الأدبية) والمؤرخ الدكتور عماد الدين خليل في كتابه (النقد الإسلامي المعاصر)، والدكتور صابر عبد الدايم في كتابه (الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق) واحمد العناني في كتابه (الأدب الإسلامي).

وتابعهم على نفس المنهج بنسب متفاوتة مجموعة من أهل التخصص، ثم بدت تظهر عليهم علامات الاستقلال في كتاباتهم المتأخرة أمثال: الدكتور عبد الباسط بدر، والدكتور مصطفى عليان، والدكتور بسام احمد ساعي، والدكتور عبد القدوس أبو صالح، ومحمد أحمد الحسناوي، ومحمد حسن بريغش، وصالح حكمت، ويوسف العظم، ويمكن للقارئ المدقق أن يرى بعض السمات المشتركة لهؤلاء الكتاب والنقاد، منها:

1- تنظير نقدي يتحرك من خلال أفكار فردية عائمة، تميل إلى الدراسة التطبيقية من خلال منظار ذاتي، لأن من ضيع (الوثائق الثلاث الأولى) أضاع أصول النظرية ومن أضاع النظرية ضل في التطبيق.

2- ميل هؤلاء إلى تبني المواصفات العالمية، لنظريات النقد الأدبي، المسيطرة على الساحة الأدبية على علاتها، ودون تحديد أو تمحيص لما يُراد ولما يُرفض.

وبذلك جرت هذه المدرسة النظرية الإسلامية المبحوث عنها، إلى تبني الأعراف النقدية المسيطرة، دون أن تبذل جهداً في بلورة النظرية الإسلامية، وهكذا وقعت في فخ الانتماء للعالمية، تحت لافتة (الحكمة ضالة المؤمن) قبل أن تحدد الفهم الإسلامي الأصيل للأدب، وتنطلق من هذا الفهم نحو العالمية للمشاركة فيها، وهذا الموقف الذيلي ينمي التبعية للخصوصية الأوروبية المسيطرة، وهذا هو انفتاح الضعيف الذي لا يميز حكمته من حكمة الآخرين، والسبب في ذلك عائد لغياب النظرية الإسلامية عندهم، والأساس أن نرى منهم إبداعا واجتهاداً يوضح الخصوصية الإسلامية، التي نتسلح بها ضد الغزو الثقافي، فننافس الثقافة الأوروبية في بناء الثقافة الإنسانية، ولكنهم اختاروا موقف المُحتمى بالسقف الثقافي الأوروبي، تحت اسم العالمية، واكتفوا بطرح قضايا المضمون في الأدب الإسلامي، لأنهم عجزوا عن تقديم النظرية. يقول الدكتور نجيب الكيلاني (التنظير للأدب الإسلامي لا يثير كثير جدل في ناحية المضمون، لكن الأشكال الفنية التي لا تكاد تستقر على حال، والتي تختلف فيها الأذواق والأفهام والمناهج الفلسفية هي المشكلة، بل أكاد أقول هي العقبة التي تعترض طريق الباحثين عن نظرية سوية للأدب الإسلامي)(11).

3- توزعت جهودهم بين الفكر الإسلامي والحماس للقضية الأدبية إسلامياً، وحاموا حول النظرية الأدبية دون أن يدخلوا إلى صميمها، لغياب الخبرة الكافية في الجانبين الشرعي والأدبي، فعلى سبيل المثال نجد تناقصاً غريباً في المنهجية لغياب هذه الخبرة، يقول عبد الباسط بدر (لا يمكن أن تكون هناك نظرية للأدب الإسلامي بدون نصوص أدبية تقوم عليها وتستخرج منها)(12) بينما نجد نجيب الكيلاني يناقضه بقوله (فليس خطأ إذن ان نحاول التخطيط للإسلامية (في الأدب) وإن لم يكن لدينا النماذج الكاملة المحددة كل التحديد)(13) لقد تجاهل دعاة الأدب الإسلامي المعاصر أدب الصحابة في بحثهم عن نماذج ونصوص تستخرج منها مقاييس الأدب الإسلامي، واعتبروا أدب الصحابة نتفا لا تروي غليلهم، لأنهم لم يتعبوا أنفسهم في تحقيق نماذجه والبحث عنه لا من مصادره الأدبية ولا من مصادره الشرعية.

ثالثاً: وبعد اكثر من ثلاثين عاماً من سيطرة هذه المدرسة بدأت جهود أهل التخصص تعود إلى الساحة الأدبية، وهذه الجهود تبشر بتصحيح المسار الإسلامي لهذا التنظير، وحيث بدأت تظهر علامات الاستقلال والتمرد على منهجية مدرسة الفن الإسلامي، في جهود عدد لا بأس به من النقاد، أمثال:

والدكتور صالح آدم بيلو في كتابه (من قضايا الأدب الإسلامي)(16)

والدكتور احمد بسام ساعي في كتابه (الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد)(17)

والأستاذ يوسف العظم في كتابه (الشعر والشعراء في القرآن والسنة)(18).

و الأستاذ محمد الحسناوي وغيرهم من الكتاب.

شريطة أن يتخلص هؤلاء الكتاب من بقايا تأثير مدرسة منهج الفن عليهم، وضرورة الانتقال من العمومية التي شجعها الفكر الإسلامي العام إلى منهج الفقيه الأدبي، والبحث عن خصوصية الفن الإسلامي، وعدم تبني الأعراف الأدبية السائدة، لأنها سوف تتغير، والعودة إلى التأصيل الشرعي والأدبي، وضرورة البحث عن النظرية ثم الانطلاق منها إلى التطبيق.

رابعاً: وأخيراً وليس آخر، فقد كان الهدف من التركيز على محمد قطب واخوانه، هو ايضاح مسيرة التنظير للأدب الإسلامي، وليس الانتقاص من فكرهم الذي قدموه للأُمة، فقد كانوا رُواداً متحمسين لإسلامهم، حاولوا أن يسدوا ثغرة من ثغرات الضعف، ولكنهم تعثروا، لضعف الأدوات وسيطرة التفكير الموسوعي، الذي لم يستطيعوا التخلص منه وليس نقد مسارهم التنظيري إلا تقييماً لجهودهم، وتقديراً لفكرهم، ولا أحب مجاملات السكوت التي يمارسها بعض المحبين، حين أرى خضوعهم لهالة الشهرة التي تحيط بهؤلاء الرواد الكبار، لأنها تؤدي إلى إهمال فكرهم وركوده، مع أنَّ نقد فكرهم يعطيه الحياة والاهتمام ويساعد على الحيوية والاستمرار، وأن ترمي حجراً في بركة المياه الراكدة فتساعدها على طرد السكون والعفن، افضل بكثير من الخضوع لهالات الشهرة التي تؤدي إلى تراكم الأخطاء في فكر الأمة، ويقودها إلى العجز والكسل. وكل إنسان يجب أن يناقش في فكره ويُؤخذ منه ويرد، إلا صاحب ذلك القبر صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام مالك.

مع اعذاري لهؤلاء المفكرين، لصعوبة البدايات، عندما يتحسسون طريق النهضة لأُمتهم وسط الظلام، الذي يتحسس فيه الرواد الطريق تحسساً، واعتذاري لهم إن أغلظت في بعض الأحيان، ولو توقف محمد قطب عند إبداعه في (الفكر الإسلامي العام) ونجيب الكيلاني عند إبداعه في (الرواية الإسلامية) وعماد الدين خليل عند إبداعه في (الدراسات التاريخية)، لكان أفضل لهم وللأدب الإسلامي، لأن الله سبحانه وتعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.

هوامش الفصل الثاني:

(1) مقدمة كتاب ” مدخل إلى الأدب الإسلامي “نجيب الكيلاني / سلسلة كتاب الأمة 14/ قطر

(2) انظر مثلا مقدمة عمر رأفت الباشا لكتاب (شعر الدعوة الإسلامية) تحقيق عبد الله الحامد

(3) نقلا عن مجلة المجتمع الكويتية عدد 966سنة1990 عن مقالة عبد الرازق ديار بكرلي.

(4) راجع كتاب (أثر الفكر اليوناني على الجاحظ وابن قدامة) محمد علي المصري / دار عمار عمان .

(5) بتصرف بسيط عن كتاب (نشأة النقد الأدبي) عز الدين الأمين / دار المعارف المصرية.

(6) انظر تفصيل هذا في “الوثائق الخمس ” من هذا الكتاب.

(7) من كتب سيد قطب في النقد: مهمة الشاعر في الحياة، اسس النقد الأدبي، تفسيرآيات الشعر في الظلال، ومحمد محمد حسين له: الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي وشكري فيصل له: المجتمعات الإسلامية وتطورها اللغوي والأدبي، تطور الغزل، مقالات في النقد، وعمر الباشا: إشرافه على موسوعة الأدب الإسلامي في الدراسات العليا.

(8) كتاب (المنهج النبوي والتغيير الحضاري) مرجع سابق.

(9) كتاب (تيسير الوصول إلى الأصول ص 168-169) إعداد: عطا أبو الرشدة / عمان – الأردن / 1988.

(10) الإسلامية والمذاهب الأدبية ص6 / نجيب الكيلاني / مكتبة النور / طرابلس الغرب 1963.

(11) كتاب مدخل إلى الأدب الإسلامي ص 19 / نجيب الكيلاني / كتاب الأمة 14 / قطر.

(12) نقلاً عن مجلة المجتمع الكويتية / موجع سابق.

(13) الإسلامية والمذاهب الأدبية) ص 8 / نجيب الكيلاني مرجع سابق.

،(16)،(17)، هذه صدرت عن دار المنار – جدة – السعودية.

(18) هذا الكتاب صدر عن دار الأقصى – عمان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق