قراءات ودراسات

نصّية الخروج في رواية “غابت سعاد” للروائي بوشعيب الساوري

بقلم:عبد الحفيظ بن جلولي.

تعتبر الرواية الحديثة منتج الخيبة المستثمِرة للافعالية، يظهر ذلك من خلال محاولتها تنصيص سلبية الواقع عبر الحدث الروائي وتصدير فعل الإحالة في عملية ارتدادية صوب ذات الناص وفق تقنيات تقحمه في مسار السرد، تماما كما ترجم جيل الضياع الذي أنتجته خيبات الحرب الكونية دمار البنية في عناصرها الإنسانية والموضوعية، والإحالة تتركز حول ذات المبدع كقيمة مخالفة لحدث المنجز الروائي السلبي، باعتبار النص قيمة بنائية مناقضة تماما لقيمة التدمير المحيطة بالكاتب. توافقا مع هذا المنوال، راحت رواية “غابت سعاد” تشتغل على الخيبة المُستثْمَرة نصّيا والمُصَدَّرة نسقيا عبر الإحالة إلى ذات الناص، بمعنى أن تداعيات الغياب في العنوان والتي تتمحور تأويليا حول غياب الفعالية المجتمعية…
انطلاقا من احتمالات ممكنة، يتسع لها المعنى في قرائن نصّية معيّنة، تؤسّس لحضور الذات الناصة إبداعيا والمهيمنة على مسار الحكي بتبوّئها مركز الراوي العليم، الذي يعلم أكثر عن الشخصيات ويتحكم في مصائرها ويوجّهها، وهي العناصر التي وُظفت لترتيب الحضور الإبداعي في دائرة “الإنتاجية النصية”1 بتعبير جوليا كريستيفا، كبديل لغياب القيمة، وكأنّ مسار السّرد/ألحكي يفتح مفاهيمية ذهنية حول العنوان الدائر في سياق موضوعة الغياب، تنبني حول موضوعة استتباعية بالضرورة ومناهضة لفعل الغياب، متمثلة في الحضور، من خلال ما نستشفّه نصّيا من واقع السّرد:

“لكنّها ظلت حبيسة الشفهي. إلى أن- أثارت الحس الإبداعي لأحد الكتاب فقرّر أن يجعلها روايته الأولى وسمّاها “غابت سعاد”.” ص/3

دلالة تحويل شفهي الحدث إلى سرد ينطبع كتابة كخطاب روائي، يعبر عن تحريك قيمي يتحوّل بالثقافة والوجود الواقعيين، من الشفاهة التي تتحكم في سيرورتهما إلى الكتابة التي تنخرط بالوجود في سياق الفعل الحضاري أو “الوجود ـ في ـ العالم”2 بمفهوم هايدغر، وهو ما يحمل أحد وجوه الدلالة في معنى الخروج الذي تبنّاه معمار الرّواية ومخطّط السّرد، أي الخروج من الشّفهي إلى الكتابي، أما الوجه الآخر للخروج فيتعدّد بتعدّد وجوه انزلاقات الشخوص نحو مصائر مغايرة، كالتقاعد الذي هو خروج من عالم العمل إلى عالم العطالة.

معمار الرّواية/بنية الخروج:

لذّة الإنغماس القرائي تنمو حسب الرّغبة المكتشفة في النص والتي تتحد مع رغبة القارئ، ولا يكتمل شكل هذه الخطّاطة إلا إذا استطاعت الرّواية أن تؤسّس معمارها البنائي، ورواية “غابت سعاد” قاربت أن تكسّر العرف المتداول نقديا والذي مفاده عدم قدرة الروائي على التخطيط لكل التفاصيل، حيث أحدثت بنية محكمة تقدّم منتوجا نصيا متقاربا من حيث التسلسل المعماري في هندسته التخطيطية، فالعنوان يهيّئ القارئ لولوج عالم الحكي من خلال الكاتب الذي تحوّل إلى راو عليم، ويقدّم تيمة الغياب كانتظار حتمي لقراءة المتن من زاوية واحدة، لكن مفاجأة السّرد ترتّب منتظما تخييليا يستلهم معمارا ذو أبعاد متعددة، تمتح من هندسات مختلفة، فالعنوان يؤسّس للغياب، لكن لا يمكن أن نقرأ هذا الغياب دون ملامسة المتن، حيث نكتشف أن سبب الغياب هو الهجرة، وبالتالي فهو إحالة مضمرة على المكان من حيث أن الهجرة هي انتقال بين مكانين، فالمعمار الروائي قاد العنوان إلى شبك علائقه معرفيا بالمتن، وهو ما يجعل العنوان “كثريا بحكم كونه معلقا على سقف النص”3 وفق رؤية دريدا، وتتأسّس الكثرية من كونه احتمالي متعدّد القراءات، ومنه تتشكّل الدّلالة الأساس في نسيجية النص والمتمثلة في الخروج، فالهجرة بمعنى من المعاني هي خروج من مكان إلى آخر، أما كونه معلقا على فضاء النص فهو ما يمكن تصوّره على أساس الإشراف على فضاء النص، ومن ثم اعتباره جزءا منه، فهو بتعبير جيرار جينيت في كتابه الهام “عتبات” يمثل عنصرا من جملة “تعيينات تحيط بالنص”4، وعند الدلالة المباشرة للعنوان تتأسّس الدلالات الإيحائية التي تُطيّف الرؤية للنص خارج مضمون الغياب القريب الدلالة، حيث أن الغياب هو خروج من لحظة الظهور إلى لحظة الخفاء، وهو ما استطاعت الرّواية أن تدمجه ضمن المخطط الهندسي لمعمارها، حيث أرست المفتتح الروائي على موضوعة الخروج، ولعلّ القراءة في رواية “غابت سعاد” تؤكّد ما ذهب إليه ميلان كونديرا في تأمّلاته حول “فن الرواية “من أن “الرّوائي يهدم بيت حياته كيما يبني بالحجارة بيت روايته”5، فمن ضمن الشخوص الرئيسة في الرواية، شخصية عزّوز الذي يتم خروجه وفق المخطط الروائي أولا من الشفاهي إلى التوثيق السردي، وثانيا من النص إلى الغياب، أما شخصية الزّوجة فاطمة تستمر في الخروج السّردي وفق مخطط السّارد/الراوي، أما سعاد فتبني خروجا إبداعيا يتماهى مع الحدث الروائي في إطار بنية حضور الغياب، وعلى مستوى آخر تبني على هامش السّرد حركة موازية تقدّم الغياب من حيث هو خروج عن متن النص لكن وفق مخطط حضور ذهني لا يفلت إحداثيتها نظرا لتداعياتها المتناسلة من صدى العنوان.

برنامج الخروج/استقطاب العلامة:

تتوخى الرواية برنامجا يسهّل حضورها في العالم ويعمّق من تجذّرها في الوعي القارئ، فيحقق النص ذلك عبر نحت منحنيات حادة تصدم القارئ، وتحثّ انهماكه التفتيشي على تطويع المعنى، حتى يستخلص منه دلالة قائمة بأمرها من حيث تَرَصُّدها للتلقي لكنها غير معزولة عن سياق الحدث، بما يعزّز نظرية بول ريكور في رؤيته للبنيوية، من حيث هي “تجريد موضوعي تُختزل اللغة في خلاله إلى نشاط نسق من العلامات من دون تثبيت ذاتي”10، وبالتالي تَتَبُّع الرواية في نشاطها التوليدي يحرك رغبة التلقي في انتزاع مظهر علاماتي يسند الزاوية القرائية التي تدعّم عملية الفهم.

إن الرّواية عن طريق تقسيمها إلى فصول، إنما تمتلك بذلك طرحا تعريفيا يسهّل عملية اقتحام النص، والاستئناس إلى فضائه، ففصل “سفر الخروج” يشكل من حيث المظهر اللفظي علامة دالة على فعل الخروج، وبالتالي نستطيع أن نحدّد من حيث المظهر الدلالي، انطلاقا مما انغلق عليه النص من رصد لغياب “سعاد”، وتتبع لحركة شخصية “عزوز”، انه يقدّم للقارئ مفتتحا خروجيا لما قد أنبأ به الكاتب من رغبة في تحويل الشفهي إلى سردي(خروج من الشفاهة إلى السرد)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فسفر الخروج يختزن مفردات حياتية ذات حركة ساعية، تترجم كبد “عزوز” في مضمار الكينونة، وهي بذلك تمثل خروج عزوز إلى فضاء ألحكي/السرد.

يتأسس برنامج الخروج حدثيا عند الوحدات السردية التالية:

ـ “منذ ثلاث سنوات تقريبا من تقاعده”/ص6 ــــــــ  زمن تقاعد.

ـ “..المتزامن مع حلول الألفية الثالثة”/ص6 ــــــــ  زمن انتقال.

ـ ” الاستيقاظ المبكر..”/ص6               ــــــــ   زمن انبعاث.

تمثل الأزمنة الثلاث بنيويا كما في فهم ريكور، بنية دالة من العلامات الشاهدة على انبثاق موضوعة الخروج، فزمن التقاعد هو خروج  إلى العطالة، أو خروج من العمل، وزمن الإنتقال في جملة السرد المتعلقة بالألفية، هو زمن خروج من قرن إلى قرن جديد، أما زمن الإنبعاث في جملة الإستيقاظ، فهو خروج من النوم إلى الإستفاقة.

يتأسس أيضا برنامج الخروج تقنيا، عند البنيات المؤسّسة لمفاهيمية المتن والهامش، بما يخرج بالنص من صمت المعنى إلى إفصاح الدلالة، كما أن توظيف مفهوم السِّفر تقنيا هو خروج بالمعنى من التركيب الحداثي إلى الدلالة التراثية.

أما من الناحية الإخراجية، ففعل التعريف الذي درج عليه السرد، من تعريف بالشخوص إلى تعريف بالأمكنة إلى التعريف بحركة الشخوص في أدق تفاصيلها، إنما هو خروج بالموضوعات من حالة التنكير إلى حالة الهُويّة.

الذات والمكان/الخروج كعلاقة:

تندمج الكتابة الروائية في غزل عالم من المكوّنات المختلفة، لتجعل عملية الإنتقال من عالم الواقع إلى العالم الروائي مفاجئة، تستمد انتباهها اللاقط من معبر يمتد في زمن تواصلي برزخي، يتموقع بين الواقعي والتخييلي، بما تنغلق عليه هذه المنطقة من اندماجات إلهامية تشبك الرّوائي في أحابيل المدهش.

الروائي خلال حركته العادية يمارس تهريبا لمفردات الواقع من حيث هي مُغرَّبة في عاديها، منفتحة على تجليات أسطورية تمتح من غرابات الذات الروائية المهيّئة للانبثاق حال توفّر لحظة الإنقذاف من البرزخ الروائي لتقول مغاير اللحظة الوجودية المستهلكة، ذلك ما دأبت عليه رواية “غابت سعاد”  في استبصارها لوعي المكان، من حيث هو منجز تضادي يبرّر صراعية إبداعية مع الناص خلال بناءه لفعل الكينونة النصية المستمد من فعل الكينونة الواقعية، لذلك فالنص كتب راويه، لأنّه فرض طريقة انكتابه استلهاما من مخزون الروائي خلال سعيه في المكان، ولعل رواية “غابت سعاد” اكتسبت شعريتها من هذا المجال الذي يفتح أفق الحفر للقارئ حسب تداعيات الخطاب المنجز انطلاقا من فضاء تركيبي ودلالي، تشكّلت علاماته من إدراك قيمة الحرية في تسريح فعل الكتابة، وهو ما عمّق شعرية الرواية، حيث أن موضوع الشعرية يتحدد بسعيها “للكشف عن قوانين الإبداع في بنية الخطاب الأدبي بوصفه نصا وليس أثرا أدبيا”11.

حسب مسار النص، يشكل المكان امتلاكا جماليا، جعل من الناص بنية تندرج ضمن منظومة علاماتية، ليبني حوارية نصية تتمتع بتبادلات خطابية تضع كلا من الذات والمكان في موقف تقابلي يندفع صوب الصراع الإنتاجي، فالجملة السردية التالية:

“شارع تمارة بالحي العتيق المُشيّد زمن الحماية الفرنسية..”/ص10

توطّد هذه الجملة علاقة الذات بمكانها كفضاء للتخييل والديمومة، بدليل تطويع هندسته لصالح هندسة النص، وبالتالي انفتاح النص على جماليات المكان المتحرك بفعل علاقة الصراع وليس المهادنة لفعل الصيرورة، فالحي العتيق في الجملة السردية يبني انوجاده حسب جمالية القِدَم، بما يعني اركيولوجيته التي ساهمت في مدِّ علائقها مع النص عبر الناص، وبالتالي تستقل العتاقة عن مسار التّشييد التاريخي المحدّد بالحماية الفرنسية، لأن منجز لحظة الحماية لا يصبّ في مرجعية الذات المحدّدة بالعتاقة، وهو ما يرمم المفهوم ويُنضجه على مستوى الجمالية المرتبطة في أحد مستواياتها بالذات، والجملة التالية تبرهن نصيا على ذلك:

“اتجه يسارا ليجد أمامه الحمام العتيق..”/ص10

تقدم مفردات الجملة على المستوى اللفظي الدلالة الممكنة على بنية نصية تضادية، تضع هندسة المكان في جمالياتها المنبثقة على حواف صراعية تفضح أيلولة الذات إلى مخزونها التاريخي في انطراحه في دائرة الوعي والذاكرة المسايرين لتطورها، فمفردة يسارا تعني ايديولوجيا المعارضة المناهضة لليمين الذي تشكله الحماية في دائرتها العقائدية، وبالتالي يشمل مفهوم اليسارية نصيا الضدية التي تحاول الحفاظ على مكتسباتها الذاتية، وهو مكمن من مكامن جمالية النص، ثم يكشف سياق الجملة على موضوعة الحمّام الملحق بصفة العتاقة، وهو ما يقدّم الدليل المادي على أن العتاقة تنفصل عن زمن الحماية، لأن الحمام من منجزات المكوّن الثراتي للناص، بينما الحماية تخلو رؤيتها كمشروع استعماري من التفكير في توفير العوامل الضرورية للمعيش وتحقيق المستوى الإنساني للمَحمِيّ، فالنص يفصل بنائيا بين زمن الحماية، كمجال تَشكَّل في فضاءه المكان، وبين المكان كمكوّن ثقافي ـ ذاتي ـ تراثي تدل عليه صفة العتاقة التي لا تعني القِدَم وحده، بل تشير إلى الذاتية، اي الخصوصية، وهو المعنى الأعمق الذي ترمي إليه، وبالتالي نقع على جوهر الصراعية بين هندستين بنيويتين جاءت إحداهما لتركز الصراعية الموضوعاتية، فعتاقة المكان تقابلها حداثة الحماية، فالنص لم يقابل المكان بالمكان مباشرة بل أسس للصراعية بعنصر قوي من حيث المفعول متمثلا في زمن الحماية وأدمج في خلاله عنصر المكان لإبراز التناقضات الدافعة لحراك الواقع، الداعمة لخروج جماليات خاصة تنسجم معها الذات، من خلال استنكار التنافر الذي تحدثه بنية مماثلة لموضوع العتاقة من حيث المفهوم لكنها مختلفة عنها من حيث المضمون، كما يظهر من الجملة التالية:

“والمدرسة الخصوصية الناتئة منه حتى أفسدت جمال معماره”/ص10.

أنجزت جمالية المكان مفهوما للخروج يتواءم وغياب سعاد، حيث الهاجس أسس لبنية الغياب المعرّفة في دائرة الهجرة، والهجرة دوما لها مفهومها الاغترابي، وهو ما دأبت جمالية توظيف المكان على الوصول إليه، فالبنايات الحديثة التي تماثل زمن الحماية في نشازه وتناهض مكان العتاقة في انسجامه، تشكّل هجرة بالمفهوم السلبي الاغترابي للانتقال، الذي يعمل على حركة محو للذاكرة بدلالة مفردة العتاقة التي حفرت علاميتها في النص، وبذلك يصبح مفهوم الخصخصة في الجملة دالا موضوعيا على خصخصة المشاعر والذات في تنميطها حسب دواعي النماذج الحمائية المستلبة، وهو ما تبئّره الجملة السردية التالية:

“ظهور صيدليات وحمامات وأفران جديدة في الأحياء المتاخمة له المتناسلة في غفلة من الزمن ملتهمة أراضي أولاد حدو الفلاحية الخصبة.”/ص11

فالمكوّنات الجديدة جاءت في غفلة والتهمت مكونات أخرى، صفتي الغفلة والالتهام، تكشفان مدى وحشية المنجز العقاري الحديث، لاندراجه ضمن مرجعية الحماية، وهو ما يعطي للخروج مفهوما انبثاقيا يتجاوز ظاهر الفعل الخروجي الى اندراجات تاريخية في مسار الكينونة الفاعلة التي لا تتفجر ايجابياتها إلا في محيط الهويّة المعبّر عنها نصيا بالعتاقة.

تحولية المكان/مخيال الخروج:

تجتمع العناصر التعبيرية لتمنح إمكان إخراج المكان من حالة الإعتياد الحركي في دائرة اليومي، إلى مدارات الرؤية التخييلية التي تضيف إليه أبعاد رؤية النص، وبالتالي يتحول المكان من الإجتماعي المحدّد بالمشاركة، إلى النّفسي المتفجر من كمون الخصوصية، التي تتعامل معه تبعا لتجليات اللحظة الدامجة بين هندسة الإسطيطيقي الظاهر وجمالية إعادة الإنتاج في تكثيف اللغة، وهو ما دأبت رواية “غابت سعاد” على ترتيبه في أفق تلقي القارئ من حيث تفرّدت برؤيتها للمكان ضمن بانوراما الرواية المغربية، لأنه وحسب عبد الرحيم العلاّم، فإن “ما يميز الحضور المهيمن لهذه الفضاءات المركزية في النصوص السردية المغربية، هو كون كل فضاء يؤسس خصوصيته وصورته الخاصة به، بحسب ما تمنحه له النصوص من دلالات وأبعاد.”12

فمن الناحية الشكلية المحدَّدة في الوحدتين السرديتين التاليتين، يمكن أن نحصر موضوعة المكان من اللاحقة الدلالية التابعة له والمتمثلة في “الرّصيف” وحركة الناص النفسية في خلاله طبقا لما يتوفر من معنى فعل “ننتظر”:

“حتى كاد أن يسقط أكثر من مرة بفعل أكياس الأزبال البلاستيكية السوداء المرمية عشوائيا فوق الرصيف..”   ــــــــــ 1 ــ  / ص11

“تنتظر قدوم شاحنة جمع الأزبال التي قد تأتي أو لا تأتى.” ـــ 2 ـ /ص12

وعليه تتعرّف تحليليا الجملة الأولى في مجال الرّصيف، وتتعرف الجملة الثانية في مجالية الإنتظار، بما يعني ترتيب الحركة النصية وفق حركة مماثلة على الواقع تنبني من موضوعتين مؤسَّسَتين على المكان والعلاقة معه، فالجملة الأولى تحمل دلالة الإرباك من حيث تنغلق على فعل السقوط:

“حتى كاد أن يسقط أكثر..”

بينما تحمل الجملة الثانية دلالة الإحتمال من حيث تنغلق على شكوكية الحضور:

” قد تأتي أو لا تأتى.”

فعلي الإرباك والاحتمال، يروّجان لإنفتاحات نصّية عميقة من حيث التركيب الدلالي في الجملة الثانية التي يفتتحها فعل الإنتظار، والذي يُثوِّر بؤرة الهاجس، وهو المعنى الذي يتوافق دلاليا مع موضوعتي الإرتباك والإحتمال، وينتقل بالمكان من مجرّد بُعْدٍ جغرافيّ إلى اندراج نفسي يمنح المكان خصوصيته كمعيش، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يطيّف انوجاده تبعا لتداعيات المتخيّل الذي يرى المكان كما يجب أن يكون لا كما هو كائن، وهو المدلول المبتغى بمفهوم المخالفة من تشريح سلبية المكان والحركة فيه، ففعلي الإرباك والإحتمال يتعلقان بالزمن الحاضر الذي خصخص المكان، كما ورد في الجملة السردية السابقة:

“والمدرسة الخصوصية الناتئة منه حتى أفسدت جمال معماره”/ص10.

وخصخص بذلك الذّات، فراحت تذكّي الجمال في واقعها غير مبالية بمآلات الواقع الجمعي، وهي القيمة المضافة التي استطاع النص أن يفتكّها دلاليا من منعرجات المعنى في تراخيه الواقعي، فخطر الخصخصة كنسق في انتقالها من الموضوعي إلى الذاتي، حيث تؤسّس للعزلة حين تتجاور الأنساق، وهو ما يستفاد نصّيا كإضافة جمالية في إدراج المكان النفسي، إذ عند هذا الحد، يتأسّس الخروج من المكان الواقعي إلى المكان النفسي، الذي يعاد إنتاجه عبر المتخيّل، وهو ما يمكن اعتباره من الناحية النصية خروجا فنيا، إلا انّه من الناحية الدلالية المترتبة في مضمون الحدث، يشكل غيابا للقيمة في واقع علاقة الذات بالمكان، أي تأسيس الخروج كعلاقة عكسية من الايجابي إلى السلبي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق