ثقافة السرد

“عذبة” رواية المأساة الفلسطينية الجزء 19-

صبحي فحماوي

يا حيف عليك يا حيفا، هكذا قال خالي أبو هاشم :
” طلعنا منها، وظل الراديو في البيت يغني”!
ترى هل خلصت بطاريات كهرباء الراديو يا خالي، فتوقف عن الغناء؟
أم إن الذين استولوا عليه، شحنوه ببطاريات جديدة، فصار يغني بالعبري؟
ولكن لا يهم ، فالعبرية مأخوذة من الكنعانية، ومهما عملوا فسوف يعودون لنا، كما عاد هولاكو فغرق في بلاد الإسلام، فواصل أحفاده فتوحات المغول الإسلامية حتى الهند… ترى هل سيُسلِم أحفاد شارون من بعده؟ لماذا تضحكين عليّ؟ أنا لست مجنوناً يا عذبة! ألم يُسلم فارس بن جلوب باشا، الذي صبغ أبوه ملابسنا البيضاء باللون الأحمر؟ فجاء ابنه فارس لبنة صالحة في بلادنا العربية”!
كنا نعود من المدرسة إلى البيت في الرابعة بعد الظهر، فتبادرني أمي قائلة: “مطلوب لأبوك عالجبل! أبوك يتحلَّف لك! والله ليذبحك، لأنك تأخرت عن العمل في الزراعة”! أَركُضُ مثل المفعوص ، وأَقطع الطريق من البيت إلى أرضنا، وأنا طوال الطريق أناجي الله قائلاً:” اللهم ربي ارحمني من بطش أبي! اللهم إني لا أطيق هذا العذاب! اللهم إني صغير ولا أتحمل كل هذا العمل، وشظف العيش! اللهم إذا كنتَ موجوداً، فأثبت ذلك لي، بأن لا تجعل والدي يضربني” وفعلا أتاكد أن الله موجود، لأن والدي لم يضربني بسبب التأخير المزعوم، فأمسك الفأس أو المنجل، أو أية أداة للعمل، حسب الموسم، وأضع رأسي مع العاملين .ومع غروب الشمس، ينتهي عمل العمال، أما أنا وعنان وفضيلة، فكنا نستمر في العمل تحت ضوء القمر، نُزيل الحجارة من بين أشجار اللوز، أو نروي الدخان المزروع لأول مرة، أو نخدم المزروعات البعلية من البندورة والبامياء والخيار والكوسا، ونعود بعد التاسعة ليلاً إلى البيت، فننام غير قادرين على مراجعة واجباتنا المدرسية، ولاحتى على غسل الأتربة من على أيدينا، أو الغبار من على وجوهنا، كنا ننام فوراً لشدّة التعب، فلا أحلم في الليل بشيء، حتى يأتي صباح اليوم الآخر . وهكذا تستمر رحلة الشتاء والصيف، رحلة العذاب؛ ففي الخريف، نبذر حبوب القمح، وننكش الأرض، وفي فصل الشتاء؛ نعشِّب الأعشاب البرية من بين القمح، ثم نزرع البطاطا والبصل، وفي الربيع؛ نزرع أشتال الدخان الصيفية، وفي الصيف؛ نحصد القمح، ونخلع البصل، ونقطف ورق الدخان على مراحل. وبعد موسم الحصاد ، نجمع قش القمح على البيدر، ويدور حصان فوق عيدان القمح، يجر خلفه لوح الدرس ، الذي يُقطِّع قش القمح، وكنت أركب فوق لوح الدرس بأمر والدي، لأزيد ثقل اللوح، فيزيد تقطيع القش، وتحويله إلى تبن، وفرز حبوب القمح من سنابله. كانت ضربات الشمس الحارقة صيفاً، وغبار التبن المتطاير، والمتسرب إلى رئتيّ، والتعب والمعاناة، كلها عواملٌ تتلف صحتي. وبعد الدرس تكون التذرية، ثم نجمع الحب في أكياس، والتبن في أكياس أخرى ضخمة، وتأتي قافلة من الِجمال، فتحمل القمح والتبن، وترسله إلى حيث يباع، أما نحن فنأخذ مؤونة السنة من القمح، ونحتفظ بالبذار في خوابي للموسم القادم.
على هذه الصورة بدأت أعي ما حولي! أرسل أبي ولده عنان إلى جارنا العجوز أبو الفهد، ليتعلم مهنة صناعة المكانس البلدية، المشغولة من قش السنام النابت في البر، أو من عيدان الذرة الحمراء. فقال له أبو الفهد: ” تعلّم يا عنان، فأنا عجوز هرم. اشرب الصنعة، وانقلها إلى الأجيال من بعدي، لقد تعبت يا عنان! أنا اشتغلت في حفر قناة السويس! كانوا يعطوننا ثلاثة قروش يوميا! تصور منذ أيام الخديو اسماعيل وحتى الآن، وأنا ما أزال أعمل! لقد سئمت العمل يا عنان”! وبالفعل، فلقد تعلم عنان صناعة المكانس اليدوية، كان يذهب مع العجوز أبو الفهد، فيحصدان نبات قش السنام البري. يجمعانه ويربطانه على شكل حزمة لكل منهما، ويحملانه من الجبال إلى فناء بيت أبو الفهد، ثم يصنعانه، ويبيعان المكانس في السوق الشعبي لمدينة أنصار13، أو في القرى المحيطة. ” والله رزقة “! قال عنان، وذلك الرزق جعله يفكر بالتمرد على المدرسة، فقال لنفسه: حياة أبي هذه ليست حياة! إنها عذاب مستمر، من أذان الصباح، إلى ما بعد صلاة العشاء! على الأقل هذا العمل مع أبو الفهد فيه قروش! وفيه استغناء حتى عن المدرسة والبيت”!
تعلّم عنان وعلّمني الصنعة، فكان موسم صناعة المكانس يبدأ مع موسم العطلة الصيفية. كنا نصحو أنا وعنان مع أذان الفجر. قال والدي بعد أن أيقظنا ذات فجر:” الأرزاق تحتاج للصحو مع العتمة، لأن ربنا يوزع الأرزاق بعد أذان الفجر، فإذا طلعت الشمس، يتوقف عن توزيع الأرزاق، فيأتي الكسالى النائمون حتى بعد طلوع الشمس، فيطلبون الرزق، فيقول الله عز وجل: (انتهت الأرزاق لهذا اليوم، تعالوا فجر غدٍ، وسيكون أمامكم رزقٌ كثير).” فهمنا من قصته أن من يطلب الرزق، عليه أن يصحو مبكراً. كنا نسير في طرقات الجبال مع عتمة الفجر، لم يكن هناك أعمدة كهرباء في المعسكر، ولا إنارة شوارع، ولا حتى شوارع. كانت مجرد طرقات صخرية ضيِّقة، ترابية متعرجة، معتمة ليلاً، تتقافز بين صخورها فئران هاربة من فحيح أفعى جائعة. كان البعض يحمل أنواراً ضعيفة، تعمل بأنابيب بطاريات جافة، فتضيء ليلاً أمام حاملها فقط. وحتى هذه لم نكن نستخدمها، لأننا لا نملك ثمنها، وأحيانا نصل إلى موقع حصاد القش، بينما ما يزال المكان مُعتماً، فننام بين الصخور لبعض الوقت، حتى نستطيع أن نتبين القش البري الجيد من الضعيف، وعندما ينبلج نور الفجر، نقوم فنحصد القش بالمنجل، ونجمع الأكوام، وننظفها من القشور، ونحزمها، ويحمل كل منا حزمة ثقيلة ، ونعود سيراً على الأقدام من جبل إلى واد، إلى جبل، إلى حيث بيدرنا، في حوالي التاسعة صباحاً، نضع أحمالنا، ثم نبدأ.. يصنع كل منا حوالي ثلاثين مكنسة، تصير الساعة حوالي الثانية بعد الظهر، نتناول طعام الغداء، ثم نضطجع لقيلولة قصيرة، تحت شجر اللوز، الذي كنا قد زرعناه بأيدينا، فكبر وصار ظليلاً، ثم نقوم ونحمل مكانسنا الجاهزة، للبيع في القرى المحيطة، كل يوم نغزو فيه قرية، ويصيح أحدنا بأعلى صوته:” مكانس مكانس! الواحدة بقرش، والإثنتين بقرش ونصف يا مكانس”! ونعود في الليل البهيم، ومع كل منا حوالي عشرين إلى ثلاثين قرش، يأخذها والدنا، ثم ننام مبكرين، لنقوم مبكرين، لنفس العمل السابق.” نام بكِّير، وقم بكِّير، وشوف الصحة، كيف بتصير”! ولكن صحتي كانت خراء ، بلا مؤاخذة! فمنذ بلغت التاسعة من عمري، بدأت العمل بالأشغال الشاقة هذه، فصرت أشعر بغثيان شديد، واضطرار دائم لتقيؤ الطعام الذي أتناوله، مما اضطرني لزيارة عيادة الدكتور حبش . وبعد حوار طويل مع الممرضة الحمراء، ومقاومةٍ عنيدة منها لنفاذي إلى مكتب الدكتور حبش، وإصرار منِّي، استطعت تجاوز جدارها الحاجب، والذي هو فرخ صغير، من جدار الفصل العنصري، الذي أنشأه شارون، ليربي داخله تجمُّعات الشعب الفلسطيني المقطّعة، ويدربهم كيف يصيرون يهوداً جدد، داخل الجيتوالعظيم، بدل الجيتوات التي تركها اليهود في أوروبا، ثم اشتاقوا لها مجدداً كنوع من التراث، فاحبوا أن يُسكنوا الفلسطينيين في أجواء جيتوية جديدة، كي يتفرجوا عليهم! إذ أنهم لا يستطيعون أن يعيشوا دون التمتع بمشاهدة جيتوات قائمة! فحصني الدكتور حبش، وقال لي:” معدتك تعبانة “! ثم أعطاني تحويلاً إلى مستشفى مدينة أنصار 13، وهناك منعوني من النوم على سرير المستشفى الأبيض! ” لماذا؟ ” سألت مخذولاً. ” لأنك حافي” أجابت الممرضة الجميلة! ” وما علاقة القدمين بمعدتي؟” “العلاقة بسيطة يا شاطر “! هذا ما قالته الممرضة فاطمة الرويس،” فكيف ستذهب إلى المرحاض، ثم تعود، وتدوس على السرير الأبيض، وأنت حافي القدمين “؟ سؤآل غريب فعلاً! ولكنني في بيتنا أذهب إلى المرحاض، وأعود فأنام على ال.. صحيح أين أنام هناك، وأين أنام هنا! هذا السرير من مواصفات الجنة والملائكة البيضاء.. وتفاقمت مشكلة كبيرة، فخجل أبي عندما صارت مشكلته في أروقة “الأمم المتحدة ضدنا”، وهذا يقف أمام المنصة، فيفقع خطاباً مجلجلاً يطالب بعودة اللاجئين إلى ديارهم، وذاك يرد عليه بخطاب مُدوٍّ، مندداً بعودة اللاجئين إلى ديارهم، وذاك يخبط حذاءه على طاولة المنصة المتحدة ضدنا. “كل يحمل حذاءه” ! حتى من يخطب هناك في العلالي يحمل حذاءه، فلماذا لا يكون لك حذاء “تخبط” به حينما “تخطب”؟ ولحلّ هذه المشكلة المعقدة، اشترى لي أبي حذاءً إسفنجياً رقيقاً، كنا نسميه(شبشب زنوبة)! فصرت أسرح وأمرح؛ من المرحاض إلى السرير، ومن السرير إلى المرحاض، حرِّية على طول! أعجبت الممرضة فاطمة الرويس بي، وبسعادتي الغامرة في تلك الجنة، كنت وأنا أمشي برفقتها بالشبشب وعيناي في الأرض، أشعر بتلذذي بنعومة الإسفنج تحت قدمي. فرق كبير بين نعومة الإسفنج على بلاط المشفى، وبين الاصطدام حافياً في عتمة ليل المعسكر غير المضاءة طرقاته، خاصة إذا اصطدم ظفرك يا حبيبتي بنتوء صخرة بارزة، أوصفائح صدئة، أوأشواك الصبر، أو أية نفايات طرية كانت تفعصها قدماي. شعرت بمتعة الحياة في المشفى ،حيث لا نكش، ولا حصاد، ولا سراج يذهب ليصلي! على الأقل كانت هنا كهرباء و..! ألم أقل لك يا عذبة! جنة بحق وحقيق!
وعندما جاء أخي عنان لزيارتي هناك، عرّفته على الممرضه الجميلة؛ فاطمة الرويس، التي كانت مكلّفة بمتابعة حالتي، وكان هو دبوراً في قضايا الاتصال! لا أعرف كيف كان يهتدي إلى الجنس الآخر! كان مثل الدجاج البلدي، رزقُهُ بين رجليه! فكان يتّصل دون أن تقول له مذيعة التلفاز، في إعلاناتها: اتّصل اتّصل لتكون مع الرابحين! وهكذا تمتّع أخي عنان بالممرضة فاطمة الرويس، وتمتّعت أنا (بشبشب زنوبة)!
وبعد أجمل عشرة أيام قضيتها في حياتي، أُخرجت من الجنة، فتمت إعادتي إلى مخالب الجحيم ، ولهذا لم تتحسن حالة معدتي.
صار عمري أكثر من عشر سنوات، فصرت أذهب في إجازة الصيف المدرسية، مع عنان إلى القرى المحيطة. يومها قال أبي:
” لماذا لا تذهبون إلى القرى، وتصنعون للناس مكانس من عيدان الذرة الحمراء، فتأخذون أجوراً أفضل؟ أنا أدفعكم لتعلم الصنعة، حتى إذا ما كبرتم، عرفتم أن (الصنعة قلعة) “! فأجاب عنان:” كما ترى يا والدي”. وفي الحقيقة نحن لم نكن في وضع يسمح لنا بالمعارضة، ذلك لأن حزام والدي كان سهل الفك عن وسطه، وسهل الانطلاق، مثل كايش أبو زكي، لضرب المذنب، أو المعارض فينا. وليس الحزام فقط، بل كان يعلِّق لنا على الحائط سير مروحة سيارة. لم نكن نعرف من السيارات إلا سير المروحة! ولكنه كان عندنا مخصصاً للضرب! ولهذا فلا داعي للوقوع في مخالفة رب العائلة! استوعبنا الفكرة، وبالفعل صرنا نذهب لزيارة القرى المحيطة، وكان عنان يصيح بأعلى صوته:”نصنع مكانس ذرة! نصنع مكانس ذرة”! وعندما يتعب، أنادي أنا بدلاً منه، فيستجيب لنداءاتنا أحد الرجال الوطنيين لنصنع لهم مكانسَ، ويسألنا وهو يتعرف على كفاءتنا في العمل:” أنت وطني ولا، ولاّ لاجئ “؟
كان العمل يستمر عدّة ساعات في كل بيت، وربما أياما، وكانوا يطعموننا خلال العمل وجبات الغذاء والعشاء، وإذا نمنا في تلك القرى البعيدة، فقد نلتجيء إلى جامع ننام فيه، ونلف نفسينا بحصير المسجد. وأحياناً كنا نبيت في ساحة بيت .. فما دام الوقت صيفا، والفرشات والأغطية متوفرة.. كانوا كرماء معنا بالنسبة لشظف العيش الذي.. ومن الفجر نقوم لنواصل العمل، ونعود إلى المعسكر مساء الخميس فقط، منتظرين أن يكون يوم الجمعة يوم استراحة. ولكن والدي كان يأخذ منا النقود مساء الخميس، ويعيدنا صباح الجمعة إلى العمل قائلاً:” رأسمال الإنسان جيبه! لم يقولوا كسله، فلماذا الكسل يوم الجمعة؟ نحن لاجئون فلسطينيون يا أولاد، معنى ذلك أننا بلا وطن، وبلا جذور، ولا يحمينا في هذا العالم الذي لا يرحم، سوى القروش التي في جيوبنا. خذوها مني نظرية؛ لا أحد ينفعكم سوى جيوبكم. قال المثل: عمك، خالك، صديقك، حبيبتك؛ جيبك”. وبالفعل كنا نسمع الكلام، ليس لقناعتنا به، بل خوفاً من العقاب، فنعود صباح الجمعة إلى مواقعنا سالمين، طبعا سالمين من الضرب. قلت لعنان: ” لماذا يعاملنا أبي بهذه القسوة، أهكذا يعامل الأب أبناءه؟” فدافعت عنه أمي قائلة:” كان أبوكم في أم الزينات يلاعبكم ويدللكم، ويحملك عل ظهره أو فوق كتفيه، ويدور بك جولةً بين البقر الهولندي والدجاج والأرانب، والفرحة تكاد تنط من عينيك وأنت على ظهره. وكان لا يأتي من ميناء حيفا، إلا وهو يضحك، ومعه علبة من راحة الحلقوم، يلف حبة حلوى منها بخرقة قماش بيضاء نظيفة، ثم يضعها في فمك وأنت طفل رضيع، ويتركك تمتصها على مهل، وكان يملأ البيت بأحاديث شيقة. وكثيراً ما كان يتخفّى ويتسلل من وراء الصبرة إلى حوش البيت، ويسير على رؤوس أصابعه بصمت، بينما أنا أغسل الغسيل ،أو أخبز، فينطُّ خلفي، وكأنه غريب! فأجفل وأخاف! بينما هو يضحك عليّ بملء شدقية قائلاً: “ضحكت عليك يا هبلاء “! فأقول له: “خوفتني يا منذر! شو هالمزح هاظ “! كان يأخذنا معه إلى حيفا، فنزور معه أصدقاءه في حارة الحَلِّيصَة وحارة عباس. وكنا نمشي في شارع الحناطير، ويركبني في حنتور مزركش، فيمشي فينا من شارع الملك فيصل، باتجاه جسر الشل، ويعود بنا حتى البحر، فيفرجني على (البور)، ميناء حيفا الذي وسّعوه من جديد.. كان أبوك يشتغل هو وأخوه أبو الخناجر في الميناء، قبل أن يطردوهما منه، هم وجميع العمال الفلسطينيين. وشغّلت بريطانيا وقتها، مكانهم عمالاً صهيونيين، من المهاجرين الغربيين الجدد !
بعدما قعد منذر بلا عمل، أخذنا مرّة إلى بيت صاحبته سلمى المسيحية، في وادي الصليب، فرحبت بنا، وأخذتني بالحضن، وباستني من هون ومن هون، فشعرت بصدق محبّتها، ثم باسَت منذر من الخدّين كما قبّلتني، ففتحت فمي مثل المسطولة من هول المشهد! وبسرعة قامت سلمى وأحضرت لنا شاياً وتفاحاً وقطعاً كعك إسفنجية كبيرة من الحلوى، لا أعرف اسمها، فأكل أبوكم وشرب الشاي، ورفضت أنا، قلت لها:
“مليش نفس!” فجحظني أبوكم جحظة غيظ، فشربت الشاي، وتركت الباقي. وكانت الملعونة تضحك معي ومعه، وكأن شيئاً لم يكن، وسألتني عن أم الزينات، وعن أمه سعدة، فسألتها:
“وهل تعرفين حماتي سعدة “؟ فتبسمت وهي تجيب:
“سمعت عنها الكثير، وأتمنى أن أراها! ”
وعندما حكى لها منذر حكاية طرده هو وأخوه من (البور)، وتعيين بديلين صهيونيين عنهما، استشاطت غضباً، وقالت:
“والله لألعن..وسأبحث الأمر مع مدير المحاسبة ديفد بنحاس، وستعودان إلى العمل بالقوة”!
وبالفعل رجع أبوكم إلى الشغل هو وأخوه، وعندما طلعنا، شتمني منذر وقال لي:
“يا مَرَة، ألا تري أن زيارتي لها ستعيدنا إلى العمل؟ أنت لا تفكرين إلا بـ.. وأنا أفكر بلقمة الخبز وعيشتكم الزفت”!
لم أجبه بكلمة واحدة، بل مشيت خلفه، وأنا مقتنعة أنه كان يذهب صباحاً مع أخيه إلى العمل، وفي المساء يعود عمك حاملاً كيس إسمنت على ظهره، بينما يغيب أبوكم إلى بعد منتصف الليل، ويعود من عندها وهو يغني عتابا وميجنا! وأخذنا مرّة إلى عكا. صلّينا في جامع الجزّار، ونزلنا شفنا السجون التي تحت الأرض، فقال منذر:
“هذا أحمد الجزار، قاوم غزو نابليون، وجعله يرتد عن أسوار عكا.”
وهناك على البحر، أكلنا سمكاً، من مطعم أبو جورج الأرمني. كان العجوز يشوي السمك الذي يأخذه من صيادين يصطادونه ثم يأتون إلى أبو جورج، وهم يحملون سلال السمك، وصنارات الصيد، وقوارب صيد صغيرة تقف على شط البحر الكبير ، ومن هناك ترى سحر جبال حيفا والهدار وغابات الكرمل العاليه والغيوم البيضاء فوقها، والسماء زرقاء فوق رؤوسنا..مناظر تجنن! قال منذر:
“إنهم يبيعون السمك بسعر رخيص، والمطعم مع الفرن لأبو جورج “. وكان أبو جورج حاطط كوانين نار على رمل البحر، والجمر لونه زهر، والسمك يتلوى فوقة. ويومها أحضر له نصف كاس ماء ووضعه على الطاولة. حاولت أن أمد يدي لأشرب، فمد منذر يده بسرعة ومنعني من الشرب، وطلب لي ماءً من الجرّة، ثم أضاف مرّة ثانية إلى كأسه ماءً، فصار لونه أبيض، قلت له:” ما هذا الأبيض يا منذر “؟ فقال: ” هذا حليب يا هبلا “! قلت له:
” كيف صارت المية على المية حليب “؟ فقال:
” هذه قدرة الله “! فقلت له:
” لا إله إلا الله “!
أزكى من هيك سمكات، ما ذقت في حياتي. كان أبوك مرفِّه نفسه ومرفِّهنا في حياتنا، لكن الهجرة حولته إلى إنسان معقّد! الهجرة شوهت سلوكه، تصوَّر لو وقع حادث مروِّع لشخص، أو احترق وجهه، أو تكسرت بعض عظام جمجمة رأسه، فتغير تكوين رأسه ووجهه، وحتى لو خرج من المشفى معافى، فإنه سيصير بشعاً. الأحداث المدمِّرة ،لا تشوه شكل الإنسان فقط، بل تشوِّه نفسيته أيضاً! هكذا صار أبوكم بعد الهجرة، قلبه محروق بنيران المحتلين، صار مشوهاً !
حاولت أن أغير حديثها المأساوي فسألتها باسماً:
” ألم يغازلك أبي قبل الزواج يا اماه”؟ فقالت:
“ولاّ ماله يا ابني”! تقصد بلى. فتضاحكت وأنا أستدرجها للاعتراف:
“اسردي لنا حكاية حبك معه.” فقالت وهي تدير وجهها خجلة:
” كان مرّة يتبعني وأنا حاملة الجرّة، وطالعة بها من بئر الهرامس، فصفّر لي. سمعت صوت رجل يُصفّر، وفهمت أنه يقصدني، فلم ألتفت إليه. استمريت في المسير وأنا أرتجف من الخوف، حتى لحق بي وقال بحنان:
شو هالحلاوة يا! شو هالعينين الزرق! سبحان الخالق! فلم أنظر إليه. بقيت أواصل سيري دون أي جواب، كنت مغرورة بجمالي وصباي، وعندنا إذا تكلمت البنت مع الشاب، راحت عليها! (ويا بنت قولي لأختك)! تصير فضيحة بجلاجل “! أسرار عشاق، شدتني لمزيد من الأسئلة:
“وعندما تجاهلتيه، ماذا فعل”؟ فقالت وهي مكسوفة ووجهها جهة الأرض:
” بصق باتجاهي وقال:
تفو! هذه حلوة، ومغرورة كمان!” ضحكتُ مرة أخرى وأنا أستفسر:
“أهكذا كان الغزل في أيامكم؟ تفو “! فقالت مبتسمة:
“لم يصل إلى هدفه بالولدنة. يبدو إنه كان يحاول أن يختبرني، ويعرف هل أنا بنت ثقيلة، ولاّ بنت رخيصة، وعندما أثبتُّ له. راح وطلبني من أهلي، وتزوجنا. عملنا عرس هزّ البلد! كانوا ينثرون الحلو والملبّس في السماء، والأولاد والبنات يتسابقون في التقاطه، وهاي خلّفنا أولاد وبنات. لكن أيدي الأعداء لم تمهلنا، وحطمت كل مابنينا! ولذلك اعذروا أبوكم، واسمعوا كلامه “!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق