ثقافة المقال

46 جائزة أدبية: إبداع حقيقي أم تضليل ثقافي؟

كتب: يحيى القيسي

نشرت صحفنا مؤخراً خبراً عن فوز إحدى الكاتبات الأردنيات بالجائزة الأدبية رقم 46، وهي مخصصة هذه المرة لإبداعها في الرواية والقصة القصيرة، وكنت قد تابعت تلك الأخبار التي نشرت بين الحين والآخر خلال السنوات الماضية والتي تتعلق بهذه الجوائز ، وفي الحقيقة لا هدف لي في هذا المقال تمجيد هذه الكاتبة،
ولا الحطّ من تجربتها ، بل الرغبة الصادقة في محاولة الفهم لي ولبقية القراء الذين قرأوا الخبر عما يجري بالضبط، ولا أريد أن يأتي الأمر من الكاتبة نفسها التي تنشر أخبارها عادة ، بل من جهة محايدة نقدية أو إعلامية أو حتى رسمية، فالصحافة الثقافية لدينا يجب أن تتمتع بروح استقصائية، لتقود القراء إلى المنابع الأصيلة، وتدلّ على الزيف إن وجدته هنا أو هناك في المشهد الثقافي المحلي أو العربي أيضاً، ولكننا عموما وللأسف لا نتحمل عادة ثقافة السجال، والنقاش الذي يهدف إلى معرفة الحقائق. فإذا كانت هذه الكاتبة التي هي ربما في بداية الثلاثينيات من عمرها قد نالت كلّ هذه الجوائز العربية والمحلية عن كتابتها، فمعنى هذا أننا أمام أمرين اثنين لا ثالث لهما، الأول أننا حقيقة أمام حالة إبداعية خارقة، يجب الاحتفاء بها والانتباه إليها بقوة وإعطائها حقها، وهنا أستغرب بأنني لم أسمع يوما أن رابطة الكتاب الأردنيين – وهي عضو فيها – قد اهتمت بالأمر، ولم تقم وزارة الثقافة بطباعة أعمالها الكاملة التي فازت بها – وهذا أقل واجباتها – أو رعت حفلاً لتكريمها على حدّ علمي، ولا تداعت الجامعات – وهي مدرسة جامعية أيضا – إلى تدريس كتبها، ولم تتوجه الملتقيات الثقافية والجمعيات المتخصصة إلى تبني هذه التجربة الفذة، ولم تنشر الملاحق الثقافية لدينا ملفات نقدية واحتفائية بتجربتها، وهذا لعمري عين الظلم، ويقود المرء إلى الإحباط في بلده ، فلماذا لم تقم الدول العربية – ومعظم الجوائز عربية ودولية – بهذا الأمر أيضاً أو بعضه ما دامت الأردن بكل ما فيها لم تمنح هذه الكاتبة شيئا ولو يسيراً من حقها بعد أن حصدت عدداً هائلا من الجوائز لم يحصل عليه أديب أردني أو عربي وربما عالمي من قبل؟ كما أن هذا العدد لم يحصل في عالم الرياضة أيضاً، دلوني على بطل عالمي بارز حاز على 46 ميدالية أو جائزة طيلة حياته المديدة..، أما الأمر الثاني فهو أن هذه الجوائز مضللة، أي لا تعكس حقيقة إبداعية ، أو إنها ذات قيمة محدودة، أو لجهات غير معروفة، فالتقليد المتبع في الجوائز الأدبية المعروفة عادة أنها لا تمنح عن أعمال قدمت أو فازت بجوائز من قبل، وهذا يعني أن الكاتبة قدمت إلى المكتبة العربية 46 كتابا أصيلا وقيما استحق كل كتاب جائزة أدبية رفيعة، وهنا مربط الفرس، إذا ما قسمنا عمر الكاتبة على عدد الجوائز وأنقصنا منها السنوات السبع الأولى من التأسيس، فمعنى هذا أنها حصلت على جائزتين تقريبا كل عام ابتداءً من الصف الأول الابتدائي ، على افتراض أن موهبتها قد تفتقت مبكرا، أو أنها قد تفجرت فجأة بعد العشرين فأنتجت كل هذا العدد من الكتب في عشر سنوات، استحق كلّ كتاب بلا استثناء جائزة عنه، وهنا أيضا نواجه مشكلة فلا توجد حالة إبداعية قرأنا عنها أو سمعنا عنها إلى اليوم كتبت بسوية عالية في كل كتبها بحيث استحقت جوائز عن كل إصداراتها، وإذا ما أخذنا النسبة والتناسب الرياضي، وافترضنا بأن ثلث إصدارات أكثر الكتاب عبقرية حصلت على جوائز، وطبقنا هذه المعادلة عل كاتبتنا لوجدنا أنها أصدرت نحو 150 كتابا فاز ثلثها بالجوائز، وهذا أمر مستحيل حسب معلوماتي المتواضعة، وإلا لكنا قرأنا ذلك في كتاب غينيس للأرقام القياسية على الأقل أو سمعنا من يتحدث عنه من الناحية العلمية..، وفي النهاية أعود للتأكيد بأنني وشريحة كبيرة من القراء نريد أن نعرف الحقيقة، وإن كانت كل هذه الجوائز ذات قيمة وتعكس تجربة أدبية متقدمة، أم هي فقاعات إعلامية مضللة للقراء، وفي كلا الحالتين فإن المطلوب من الصحافة الثقافية أن تفتح هذا الملف بشكل استقصائي ونقدي واسع ، وتصدر فتواها في هذا الأمر بحيادية ووضوح، قبل أن نقرأ خبرا جديدا ربما عن فوز هذه الكاتبة أو غيرها بجائزة نوبل للآداب في مقبل الأيام… ونحن نيام..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق