ثقافة السرد

قهقهة الحوريات

عادل نايف البعيني*

وقف بين جموعِ المصلين، تحسّسّ الورقةَ التي مهرها له الشيخُ ذو اللحيةِ السوداء، شدَّ عليها بأنامِلِهِ، لقد أكّد له الشيخُ بأن الورقة ستذهبُ معه إلى الجنّة، سيستعملُها هناك كبطاقةِ دخولٍ، هو دائما يصدَّقُ ما يقولُهُ الشيخُ، ولماذا لا يصدق فدماغُهُ نظيفٌ ونظيفٌ جدًّا. نظر حوله ..التقتْ عيناه بعيونٍ كثيرةٍ تحملقُ فيه، منهم من ألقى عليه السلامَ،ومنهم من ابتسمَ له،  واحدٌ فقط أخافَهُ حين نظرَ إليه شزرًا، همس أحدُهم:” قِفْ بجانبي يا بنيَّ هداك الله” كاد يضعف أمام معاملة بعض الناس له، بخاصةً عندما شدَّه طفل من بنطاله مداعباً وهو يسير قربَ والدِه. شدَّ على الورقة من جديد، أخذ منها قوّةً وعزمًا، بسملَ، ثمَّ دوَّى انفجارٌ ضخمٌ مزَّقه ومزقَ من أَنِسُوا به وأفسحُوا له المكان…

تشظّى أحمدُ قطعًا، وملأتِ الجثثُ الممزقةُ أرجاء المسجدِ، وهناك

في عالمٍ غير عالَمِه، لملمَ أحمدُ أشلاءَهُ قطعةً قطعةً، جمع حوائجه واتجه نحو الحلمِ، فردوسِ حياتِهِ الجديدةِ، طالعَهُ هناك بابان كبيران.. أحدهما تتأجج خلفَه النيرانُ أتوناً عملاقاً ، والثاني يتأرّج عبقًا وسحرًا وإيمانًا.

لم يتغير به شيء، ملابسه،هي…هي .. وجهه  الكالح، عيناه   البلهاوان، شفتاه المرتعشتان، دماغُهُ المغسولُ، مدّ يدُهُ إلى جيبِهِ أخذ الورقة الحلمَ، واتجه إلى باب الجنّةِ التي وعدَهُ بها  الشيخُ  ذو اللحية  السوداء ، خيِّل إليه أن حورياتِهِ السبعين  يلوِّحْنَ له أن  اسرعْ، رآهن يتغامزن، غذَّ السير نحوهن في فرحٍ طفولي، أخذ يفضُّ الورقةَ بحماسٍ مرَّر طرفَ عينه عليها قرأ بذهولٍ مكبوتٍ:

” ومن يقتل مؤمناً متعمِّداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها أبداً”

تساءل باستغراب:”كيف وصلت إليه تلك الورقة، كيف استبدلت ورقة

دخوله الجنة، لقد قرأ بأم عينيه عبارة ( الجنة)، غير معقول “جهنّم”؟”.

وقف أمامَ باب الجنة، لم ينفتح له، طرقه طرقاتٍ متتالياتٍ وصاح بأعلى صوته ” أنا شهيدٌ أنا شهيدٌ هذا ما قاله لي الشيخ ذو اللحية السوداء”

قال في نفسه:” نعم ..نعم ..لقد كان يبسملُ ويحوقلُ، ويبرطمُ بكلامٍ أشبهِ بكلامِ سجعِ الكُهّانِ، كان كلامُه يطيرُ في فضاءِ عقولِنا ..يغيبُ في أفقِ وجودِنا فلا يبقى منه سوى ألفاظٍ بعينِها رسّخها التكرارُ فينا” فَجِّروا، تجمعاتٍ،جامعاتٍ، مدارسَ، مساجدَ، أسواقًا..اُقتلوا أكبرَ عددٍ ممكنٍ من الناس، رجالاً نساءً أطفالاً، لا يَهُم اُقتلوا وادخلوا الجنة، هذا ما قاله لنا”

عاد يصيح ” أنا شهيد..أنا شهيد..الباب لم يفتحْ، قهقهة الحوريات صَكَّت أذنيه. وقبل أن يغادرَ المكانَ متجهاً نحو باب جهنّم، شاهدَ الطفلَ الذي شده من بنطالِهِ، يلُّوح له مبتسماً ووالدُه بقربِهِ، والرجل الذي أفسح له المكانَ للوقوفِ بجانِبِه، وعديدٌ ممن كانوا يصلّون في المسجدِ، حتى ذلك الذي نَظَرَ إليه شزرًا.

*كاتب من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق