ثقافة السرد

صفحات نفس -3-

رواية ننشرها مسلسلة

مامون احمد مصطفى

كيف يستطيع إنسان يهوي نحو الموت ، أن يمتلك نظرة لوم ؟

تعمق الألم به ، وتجذر الموت ، انسحبت قليلا للوراء ، إمعانا بإيلامه ، بتعذيبه ، باستخراج الموت من ذاته لينتصب أمام عينيه ، ليفقد كل أمل بالعودة .

تقدمت قليلا نحوه ، بتؤدة حلزون ممعن في البطء ، دققت في عينيه، تساوت لحظات الموت مع الحياة، انبثق أمل غريب، من بين سراب النجاة ومعين الموت، كل الأشياء وكل التكوينات بدأت بالظهور الفوري، غرائب ممتزجة بخيال الأساطير، طرواده، طرواده كلها بدت واضحة في بؤبؤ عينيه، الصحارى والمحيطات اجتمعت ببريق الرجاء النامي مع كل حركة عدم مرهونة بالقدم .
كنت أمعن مع سبق إصرار وترصد بحشو الأمل في لهيب الموت المتأجج بين جنبات الحياة الذاوية ببطء لتنقل خطوات لا تتقدم ولا تتأخر، لماذا؟ وهل هناك لماذا؟ أليست القماءة نوعا من أنواع الوجود ؟ الشعور بالتفوق لحظة الإحساس بالقوة الكامنة، أليس هذا نوعا من جنون ترفده الحياة برافد الوجود؟ ثم ماذا كان سيفعل لو كان مكاني؟ اعرف بأنكم ستجيبون بأنه كان سينقذ الحياة من الموت، أو على اقل تقدير، انه كان سيحاول ذلك.

كيف لكم أن تجزموا بهذا؟ كيف تضعون أنفسكم كمن يعلم الغيب الذي لن يستعاد، هو سيموت، وسأتركه يموت انتقاما من اعتقادكم بأنه كان سيحاول أن يفصل بين الموت والحياة، أو انه سيحاول ذلك، هل رأيتم كيف تنبت القماءة والنتانة من نفوسكم لتنغرس بنفسي، وكيف أنكم باعتقادكم هذا كنتم مشاركين في نقله من الحياة إلى الموت؟ انتم تستغربون ذلك، لأنكم لم تتعودوا على الاعتراف بما تملكون من نوازع تقود نحو القماءة والنتانة، أما أنا فاني اعترف بذلك، دون أي حاجة لاعترافكم .

في تلك اللحظات المشحونة بألم الموت والاستهجان، كنت اشعر بذاتي تنمو، تكبر، تتخللها مفاتيح السعادة والحبور، كيف لا، وأنا املك بخطوة واحده انتزاعه من الألم والرعب واللوم والاستهجان، وأنا، أنا من بيدي أن يدفعه نحو الشعور بالحياة، نحو الإحساس بالنجاة، أنا، وأنا فقط، من يستطيع أن يجعله على اقل تقدير أن يشعر، بإمكانية العودة للوجود، ولو للحظات .

ولماذا علي أن افعل ذلك؟ لماذا علي أن أوقف حفر أصابعه بالتراب، وأوقف دفع قدميه اللتين انتشر بهما الموت.

حين خرجت الجنازة، كانت بسيطة، بل لم يكن هناك ما يسمى بالجنازة، وإنما أردت أن اكذب عليكم ولو لوهلة قصيرة، فشعور اللذة بالكذب عليكم يتشابه مع شعور اللذة التي انتابتني وأنا أشاهد الحياة وهي تزحف خارج جسده.

ولا اعرف لماذا حين انظر إليكم وأنا اكتب هذه السطور، والمح وجوهكم من بين الكلمات والفواصل، اشعر بنفس اللذة التي داهمتني وأنا ارقب عذاب الموت بعينيه.

نعم، أنا اشعر باللذة لأني استطعت أن اكذب عليكم ببضع كلمات، وأستطيع أن أتخيل وببساطه عمق اللهفة التي ارتسمت على محياكم، وانتشرت بخلايا دماغكم حين أردتم الاسترسال بمعرفة تفاصيل الجنازة، وأستطيع أن أشاهد الانكسار والخيبة اللتين رافقتا ملامحكم وانتم تكتشفون بالسطر التالي الكذبة التي انطلت عليكم لهنيهات.

هل أصبتم بالغضب؟ رائع هذا.
هل شعرتم بالخيبة والانكسار والانحسار؟ هذا اشد روعة وإثارة.

أتعلمون لماذا؟

لان القماءة تحتاج إلى غذاء، إلى روح تبعث في جسدها، والحقد يحتاج إلى وقود متواصل، ليكبر وينمو بالأعماق، تماما كاللبلاب الذي ينتشر ويتوزع على أغصان الغابة وأشجارها، ليصبح هو المكون الوحيد للموت بتغطيته أشعة الشمس عن تلك الأشجار وتلك الأغصان.

ستتهمونني بالجنون، وربما بالغباء، وربما بالهبل، لكنكم ستقتلوني فقط حين تشعرون بالشفقة علي، أو بالتعاطف مع حالتي النفسية.

ها أنا أسلمكم مفتاح وجودي وعدمي، أعرفكم على طريقة خلاصكم مني، وأمنحكم الفرصة الأخيرة لتستطيعوا الانتقال من لحظة الانشداه إلى لحظة الفعل، وهي فرصة قصيرة العمر، لن تدوم طويلا، لذا عليكم التفاعل معها بسرعة البرق والرعد، لان اللحظات القادمة تحمل مضادا قويا ضد داء شفقتكم وتعاطفكم، الفرصة للخلاص مني لا تتكرر، اغتنموها خيرا لكم من الاسترسال بقراءة بقية السطور، ان العظمة تكمن بقدرة السيطرة التامة على نوازع النفس في اللحظة الحاسمة، وهي التي تقود الى تحقيق النتائج التي يعتمد عليها، اما ترك الذات تستلم للسطور، لما في القادم من تفاصيل واحداث، فهذا ضعف قاتل، يسلب منكم القدرة ويحولها الى عاطفة تتحول وتتقلب مع الكلمات والسطور، وبهذا تسلمون انفسكم كما سلم هو روحه، صحيح انني امنحكم مفتاح الخلاص مني، من قماءتي، ولكني ايضا اجعلكم تلهثون خلق القادم، خلق الكلمات والسطور التي ستشكل حدثا لا يمكنكم تركه او الابتعاد عنه، لهذا فانا اشعر بالأمان، بالطمأنينة، لأنني وانا اسلمكم مفتاح وجودي، اعرف تماما كيف استخدم مفتاح خيبتكم وهزيمتكم، وهذا ما يدفعني للشعور بالتفوق عليكم، وعلى كل ما تملكون من قدرات وامكانات.

صفحات نفس (1)

صفحات نفس (2)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق