ثقافة السرد

درب الآلام

أسعد العزوني

امتطيت صهوة جوادي المدلل “نسيم” قاصداً بلد صديق تعرفت عليه في الغربة، كنت فرحاً لأنني سألتقي بهذا الصديق بعد فراق دام عشر سنوات، خاصة وأنه أخبرني أن عنده أختاً جميلة جداً ورغم عدم بلوغها سن النضج بعد، فإنها تتمتع بذكاء كبير، لا أنكر أن هدف زيارتي لهذا الصديق، كان رؤية أخته التي لابد وأنها أصبحت في سن الزواج والتعرف عليها عن قرب، عل وعسى أن تحل عقدتي لأنني وحتى هذه اللحظة لم أعثر على فتاة أحلامي بعد، لأسباب عديدة منها أنني لا أؤمن بالزواج التقليدي، الذي ينجم عن اختيار الأم لفتاة تصبح زوجة لابنها تحت شعار أن الحب يأتي بعد الزواج، ورغم تجاربي العاطفية لم أجد من تستحق الارتباط بها، وأن استدين لأجلها الآلاف المؤلفة، حتى أتمكن من فتح بيت لها وتتوج ملكة فيه.
كنت ذات يوم قد خضعت لرغبة أمي تحت ضغطها الشديد وبكائها المتواصل وقبلت زيارة إحدى الأسر، بغرض رؤية فتاة صورتها أمي لي على أنها قمر الزمان، أو بدر الدجى ولليلتين متتاليتين أقنعتني بأن تلك الفتاة كاملة الأوصاف أدب وجمال وحسن عشرة.
كان شيء ما بداخلي يضغط باتجاه رفض طلب أمي، ولكني هذه المرة خالفته وأطعتها شفقة عليها لشدة بكائها وكثرة دموعها غير أني كنت مبيتاً أمراً، وهو أنني سأرفض الارتباط بتلك الفتاة، إن لم أشعر بدقات قلبي تتدافع عند رؤيتها.
دخلنا البيت، ورحب بنا أهل الفتاة، التي قدمت لنا القهوة بعد عشر دقائق من وصولنا، وبالرغم من استعدادها المسبق لهذه الزيارة “المقابلة” والتي أجزم أنها استهلكت كميات كبيرة من الماكياج والعطور إضافة إلى فستانها الفاضح المثير، إلا أن دقات قلبي لم تتسارع وبقيت على حالها كقطار الحل السلمي، ولذلك لم تطل زيارتنا لتلك الأسرة التي مارست عرض ابنتها عليّ بهذه الصورة بهدف تزويجها لي.
ووسط ذهول واستغراب والديها، ودهشة الفتاة نفسها غادرت بمفردي، تاركاً أمي تدبر مخرجاً مناسباً لهذا الموقف السمج الذي وضعتها فيه.
وما أن عادت إلى البيت حتى انهمرت عيناها بالدموع وأخذت تندب حظها، لأنها ستموت قبل أن تحمل بين ذراعيها ولداً لي لكني قلت لها حاسماً:
– أمي لم أشعر بأي عاطفة تجاه تلك الفتاة، رغم ما تتمتع به من جمال وما يفوح بها من رائحة عطر حاد.
كانت أمي تعرف بأنني جاد فيما أقول، ولا أقبل المناقشة في موضوع اعترض عليه فاكتفت بالقول:
– لابد أن أم العبد عملت لك عملاً لتجبرك على الزواج من ابنتها “الحولة” حسنة.
لم أجب كعادتي في حالات الحسم، لأن الأخذ والرد يضعفان الموقف وخرجت من البيت تاركاً أمي لدموعها وظنونها.
أما الموقف الثاني الذي دعاني لامتطاء صهوة جوادي فهو أنني ذات يوم التقيت بحسناء لو عرضت نفسها على لجنة تحكيم دولية لتم اختيارها ملكة جمال الكون، حتى لو شاركتها الآلاف من حسناوات أميركا وأوروبا.
قلت في نفسي، ربما شارفت وحدتي على الانتهاء، لكن أملي خاب، لأنها لم تنجح في اي من الامتحانات التي امتحنتها بها.
كان جل اهتمامها بتسريحات الشعر، والموضة والمكياج وأنها اعترفت لي بأنها لم تقرأ حتى الكتب التي كانت مقررة عليها في الجامعة، لأن نجاحها وبامتياز كان مضموناً، إذ تكفي ابتسامة منها للحصول على أعلى العلامات، فافترقنا.
سرت ممتطياً صهوة جوادي حسب الخارطة التي رسمها لي صديقي، والتي ما زلت أتذكر بعض ملامحها، وكنت أشعر بالسعادة لأن شيئاً ما كان يشدني إلى الأمام غير أن بعض التغييرات التي حصلت على المنطقة في الأعوام العشرة الماضية خنقت الأمل عندي، وخلت نفسي قد ضيعت الطريق، وضللت الهدف وهذا ما قد حصل فعلاً، إلا أن الأمر لم يطل، إذ مررت على عجوز يبلغ من العمر تسعين سنة كان جالساً تحت دالة عنب ويسلي نفسه بصنع سلال من الأغصان الطرية.
سلمت عليه، فانفرجت أساريره، لأنه وجد من يحادثه في هذه المنطقة المقفرة، أصر على نزولي من على صهوة جوادي فقبلت وجلست معه وامتعني بحديثه الشيق، عن النساء والحروب، وغدر الزمان وسألني عن سبب مجيئي لهذه المنطقة القفراء فقصصت عليه قصتي فقال:
– آه يا معشر شباب اليوم، إنكم تجرون وراء النساء إلى آخر الدنيا، وهن يتركنكم عند أول لحظة. لم أجبه، احتراماً لخبرته، لكني طلبت منه ان يدلني على طريق تلك القرية، خاصة وأنه ابن تلك المنطقة، فقال: وكل حرف من كلماته، كان بمثابة رسالة واضحة لا غموض فيها:
– يا بني هناك طريقان للقرية، الأول بعد المنعطف الذي سيصادفك بعد سفح الجبل، وهي طويلة بعض الشيء، لكنها مؤنسة حيث الأشجار المثمرة وعيون الماء، أما الثانية وهي تؤدي أيضاً للقرية لكنها موحشة مقفرة تعج بالوحوش الضارية والأفاعي والضباع، ناهيك عن وعورتها وخلوها من عيون الماء والأشجار المثمرة، وهي بالضبط بعد نهاية السفح لكن في الاتجاه المعاكس.
صافحته ونهضت لامتطي جوادي، وشبح العناد وعدم اتباع النصيحة يتملكني.
تحرك “نسيم” ببطء بداية، وبدأ رأسه مثقلاً بشيء ما، وكأنه أحس بما سأفعل.
نهرته قليلاً ولسعته بالسوط لسعة خفيفة، جعلته يقفز إلى الأمام ثم تخيلته وهو يطير ولسان حاله يقول:
– أيها المتآمر عليّ وعلى نفسك، ليس لدي ما أخسره.
وصلت رسالة “نسيم” ولغبائي عز عليّ ما فكر به حصاني، فزاد تصميمي على مخالفة تعليمات الشيخ.
لم تمض خمس دقائق حتى وصلت إلى مفترق الطرق، وتذكرت من جديد تعليمات الشيخ ومنعت “نسيم” من الانحراف ناحية اليمين وأجبرته على السير ناحية اليسار، وشعرت بأنه يرغب بالمقاومة، لكني كبحت جماحه ولسعته لسعة قوية بالسوط، وأحسست أنه تألم كثيراً لكني لم آبه به، ومضيت في طريقي الخاطئ دون حساب للعواقب.
– آه يا حصاني، كم أتعبتك معي، وكم أتعبت غيرك من الذين تعاملوا معي، بسبب العناد الذي جبلت عليه، صهل “نسيم” صهلة تدل على أنه يوافقني الرأي وربما يريد أن يقول لي أكثر من ذلك، وأن يصفني بالحمق، وبعدها جاءت قدماه الأماميتان بحركة عنيفة ثم انطلق مغلوباً على أمره، بعد ان حاول التخفيف من حركته.
لم أحس بالارتياح، لما قام به “نسيم” رغم أن ذلك يقصر الزمن، ولكوني أعرف حصاني جيداً، أيقنت أن ما قام به ليس إلا غيظاً مني، وانه يتهمني أيضاً بالتآمر على نفسي لأني انحرفت يساراً.
كانت الطريق فعلاً وعرة، موحشة ومقفرة الأمر الذي دعا “نسيم” إلى تهدئة سرعته، ومع هذا واصلت لسعه بالسوط، دون جدوى.
خيّم الليل علينا، وبدأت أسمع أصواتاً غريبة، وحاول “نسيم” التوقف عن المسير، لكني أجبرته عليه، وعلى نسوة الانتصار على هذا الطريق الذي لم يخذلني يوماً لكنه الآن يفكر جدياً بذلك.
وما هي إلا مسافة قصيرة، حتى وجدنا انفسنا وسط الغابة وعندها وفدت إلينا المصائب جماعات، وبدأت المعارك تتوالى، فمن ضبع يتمحك بنا، إلى أفعى تحاول الانقضاض علينا، وأشهد أن “نسيم” خاض كل المعارك معي، باقتدار، فقد رفس الضبع رفسة جعلته يلفظ أنفاسه، كما انه سحق رأس أفعى اعترضت سبيلنا.
للوهلة الأولى تخيلت أن الضبع والأفعى هما أول وآخر جحافل الأعداء ولكنهما في حقيقة الأمر كانا إنذارين لي بالعدول عن مواصلة السير في هذا الطريق الموحش، إذ لم تنقض دقائق على سحق رأس الأفعى حتى تعرضت لنا مجموعة من النمور المرقطة التي أظهرت لنا الكثير من التحدي والاستفزاز، ولكن الله سلّم بعد معركة أصبت فيها ببعض الرضوض، بسبب ارتطامي على الأرض لأني لم أتمكن من المحافظة على قيادة الحصان، الذي جنّ جنونه بعد ظهور النمر.
وقعت من على ظهر الحصان مغشياً عليّ ولم أدر أن “نسيم” غاب عني إلا بعد فترة بسيطة أدركت بعدها أنه طارد النمور وأبعدها ثم عاد إلي بعد إصابته بخدوش في فخذه الأيمن.
استيقظت من الغيبوبة بسبب لهيب أنفاسه التي صوبها ناحية وجهي وصهيله القوي، وبعد ذلك وقفت على قدماي، لكني ما زلت أشعر بدوخة، غير أني تغلبت على ذلك وقفزت على ظهر الحصان.
طالت بنا الطريق، وأقسم أننا كنا نخوض معركة واحدة عند كل شجرة نمر عليها، أو صخرة نحاذيها، وكم ضحكت رغم الألم لأن “بومة” خاضت معنا معركة ضارية لم نخلص منها، إلا بعد أن قام “نسيم” بحركة خبيثة حيث انقلب إلى الخلف، وضربها بذيله الطويل، ومن ثم هجم عليها وسحقها تحت قدمه اليمنى.
واصلنا السير رغم عتمة الليل الموحش، والأعداء المتربصون بنا من كل حدب، وكنت كلما ظننت أني خرجت من معركة وتخلصت من الأعداء كنت أدخل في معركة أشد وأقوى من سابقتها.
لا أنكر أن الإرهاق والتعب نالا مني، ومن حصاني، لكني أبداً لم أشعر بالندم لاختياري هذا الطريق الموحش، وأشد معركة خضتها كانت مع حصاني، حيث وقع بين صخرتين واكتشفت أن فخذه الأيمن مصاب بجرح عميق، عندها بكيت كطفل فارقته أمه إلى الأبد، وعلى الفور قمت بخلط حفنة من التراب الأحمر بالماء ووضعتها على الجرح النازف.
بعد ذلك مسحت بيدي على رأس “نسيم” وقبلته بحرارة، وشعرت بأنه ندم على فعلته فصهل صهلة قوية، ونهض فامتطيت صهوته وانطلق ببطء.
لم أرغب بالسير سريعاً، وتركت “نسيم” يسير على هواه، لأني بصراحة، أدركت أنني في ورطة كبيرة، وأنا الذي وضعت نفسي طواعية في اتون النار وأجبرت “نسيم” على الدخول فيه كراهية، مع أنه حاول الانحراف ناحية اليمين حيث الوجهة الصحيحة.
انقضى الليل بكل مصائبه وتخيلت أنه خاتمة الأحزان، فأحسست ببعض الأمان لكن هذا الإحساس لم يطل إذ برزت لنا أفعى خلتها جذع شجرة زيتون من العهد الروماني.
توقف “نسيم” بقدميه الأماميتين وأخذ يزفر ثم يصهل فيما بدأت أنا بالبسملة والحوقلة، وكنت مسيطراً على أعصابي، ومراقباً يقظاً لتصرفات حصاني خشية أن يقوم بحركة مفاجئة، حيال الأفعى المتمترسة خلف قوتها، وما هي إلا لحظات، حتى قفز “نسيم” بعد أن صهل صهيلاً قوياً، وخلته يرتفع في الهواء ثم يحط بأقدامه الأربعة فوق كعكة الأفعى لتأتي حوافره الأربعة معاً على رأسها ثم يصهل من جديد ويلقيها خلفه برجليه لتحط على الأرض جثة هامدة.
كان نهارنا شبيهاً بليلنا، وكانت الغابة تتحفنا بساكنيها بين الفينة والأخرى، وكأني وحصاني ننافسهم على الهواء والماء، أو نزاحمهم في الطريق الوعرة، وقد نفد الزاد الذي كنت أحمله، ولم أعد قادراً على صيد بعض الأرانب وشيها.
انقضى أسبوع ونحن نخرج من معركة لندخل في أخرى، وفي نهاية المطاف ظهرت لنا أضواء بعيدة شعرت بعدها ببعض الراحة لوجود بشر في المنطقة وقلت لنفسي ربما كانت هي قرية صديقي.
وصلنا إلى أطراف القرية الشرقية فسألت أحدهم إن كانت هي القرية المبتغاة فأجابني بأنها هي القرية التي أقصدها وسألتها عن بيت صديقي فأخبرني أن بيته في نهاية الشارع وزادني بأنه البيت الذي تقام به الأفراح.
شيء ما بدأ يقلقني وكأن الخوف من المجهول بدا يكبر بداخلي ولكني لم أنجح بتحديد ما أخذ يخيم على تفكيري وظلت النار تقوم بوظيفتها في أحشائي إلى أن وجدت نفسي وحصاني أمام البيت الذي شهد عرساً لكني لم أعرف من هو صاحبه أو من هي صاحبته مع أن “نسيم” وعلى ما يبدو اشتم رائحة ما ولذلك أخذ يتخبط قهراً.
طلبت من أحد الصبية أن يخبر صديقي بأني موجود خلف الباب وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي أعانق صديقي وبعدها ندخل البيت بعد أن ربط الحصان بجذع شجرة دراق.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق