ثقافة المقال

استراتيجية الاخوان المسلمين في العمل في اوساط المراهقين: كوستي نموذجا

عبد المنعم همت

وصل فكر حسن البنا الى السودان في اربعينيات القرن الماضي عبر الذين اتيحت لهم فرصة الاحتكاك بالجماعة في مصر وتمثل هذه المجموعة, في معظمها , التجار والطلاب. ويبدو أنه كان مقدرا للسودان أن تنتقل اليه اليات جديدة للعمل الحركي تساهم بشكل رئيس في تفكيك البنية السودانية وترسيخ منهج العداء والبغضاء وتأصيل نموذج قابيل لتتحول جموع الشعب الى ضحية المنهج الاستعلائي لفكر البنا وسيد قطب .
اتخذت حركة الاخوان المسلمين اليات متعددة ومتناقضة خلال مسيرتها ولكننا نركز , هنا, على استراتيجية عمل حركة الاخوان المسلمين في أوساط المراهقين متخذين كوستي نموذجا لذلك . ففي اواخر (السبعينات وبداية الثمانينات) تم توطيد العلاقات بين نميري والاخوان كزواج متعة ليقضي كلاهما وطرا وينجبا سفاحا شياطين الانس الذين اتخذوا من الاسلام مخبئا يعبون فيه وجدان الناس ضد الانسان السوداني انطلاقا من فرضية الشك المهووس (جاهلية القرن العشرين ). ويبدو أن خطي التوازي لحسن البنا وسيد قطب قد تقاطعا عند وصولية حسن الترابي .
بدأ تنظيم الإخوان التركيز على شريحة المراهقين في كوستي وذلك عبر مجموعة مدرسين ينتمون للتنظيم . فمرحلة المراهقة هي الفترة التي يشهد فيها الانسان تطورا كميا ونوعيا في النضج وفي هذا العمر تظهر الكثير من المشكلات السلوكية والفكرية والتربوية حيث يبحث المراهق عن هويته وترد بذهنه عدد من الاسئلة عن الحياة والدين والسلوك تحتاج الى اجابات شافية .
في هذه الفترة تدخلت يد تنظيم الإخوان في كوستي لإعادة تشكيل المراهق وصياغته حركيا ليعمل ضمن منظومة الولاء والطاعة التنظيمية التي يمتاز بها التنظيم . اهتم ( المدرسين ) الذين ينتمون للتنظيم بتوطيد العلاقات مع الطلاب واسرهم والتركيز على المتميزين اكاديميا . في المرحلة المتوسطة والتي كان الطلاب فيها تتراوح أعمارهم بين 13 الى 16 حيث تتميز هذه الفئة العمرية بالبحث عن الذات ويحاول أن ينفصل عن الاعتماد المباشر على والديه ويكون مجتمعا جديدا يلبي طموحاته التي بدأت في التشكل . في هذه الفترة كانت عيون الاخوان تتفحص الوجوه وتراقب السلوك ويستقطبون المراهق عبر الاهتمام به وبدروسه بالإضافة الى استغلال كل المنابر ومساحات التواصل في المدرسة ابتداء من الطابور الصباحي والذي يتصدى له الاخوان ويقدمون من خلاله الفقرات الدينية والاناشيد والحكم التي تصب في تعبئة وجدان المراهق . يتحول المدرس الإخواني الى نقطة جذب ويمارس التأثير بالقدوة من خلال التخلق الشكلي بأخلاق الصالحين والمبالغة في اظهار التقوى والانضباط والتفاني في وقت بدأت مهنة التدريس تلفظ أنفاسها الاخيرة ويزهد معظم المدرسين للتصدي للأعباء الاضافية كالجمعيات الادبية وتنظيم المنافسات . في هذه الفترة بدأ الاخوان في النشاط بل والعمل كمتطوعين في حقل التدريس .
وفر الاخوان حاضنات فكرية للمراهقين والتي تسمى ( الاسرة ) وهي احدى اليات التنظيم للحصار النفسي والاجتماعي للأفراد وتوجيههم فكريا . ففي ( الاسرة ) وهو وعاء تنظيمي يجمع عدد من الناس الذين ينتمون الى الاخوان والتي وصفها البنا قائلا : ” يحرص الاسلام على تكوين اسر من أهلهم يوجههم الى المثل العليا , ويقوي روابطهم , ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات الى مستوى الأفعال والعمليات ” . اذن هي اعادة تشكيل للعقل وغرس ذخائر الاخوان الواهمة لتغيير المجتمع من جاهلي الى اخواني .
في كوستي تم تجميع عدد من المراهقين في الوعاء التنظيمي المسمى اسرة و تدريجيا يجد المراهق نفسه محاطا بفكر واشخاص ومنظومة يتأقلم عليها فتصبر هويته . حيث يتم توحيد الافكار والمصطلحات المستخدمة وترسيخها في العقل . ولا يتم في هذه الفترة مناقشة القضايا الفكرية المعقدة للبنا وقطب . بعد أن يتم التأطير بتوفير المستلزمات المدرسية وبعض الكتب الثقافية الدينية يصبح فكر المراهق مكتسبا لفكر الاخوان بالممارسة والمحاكاة . ولتتم الاحاطة الشاملة تم استغلال المساجد لتقديم المحاضرات الدينية وتوسيع قاعدة الاستقطاب . فالذين تم استقطابهم لا تتاح لهم حرية التفكير بل ديمومة التقليد . ولان المراهق يهتم بتوظيف القدرات الجسدية في هذه السن فيمارس الرياضة بأشكالها كافة فلقد تم تكوين فريق كرة قدم ( اسلامي ) سمي بالقادسية ومن مظاهر هذا الفريق ارتداء الزي ( الاسلامي ) الذي يغطي حتى الركبة . وهكذا تم الاحاطة بناصية المراهق وتحويله الى حظيرة الوعي الرافض للتسامح والباحث توسيع قاعدة الخلافات في الامة السودانية التي أخرجت للناس على النقاء والفعل فوضع عليها الإخوان أحذيتهم ذات الغائط النتن.
يتشكل وجدان المراهق بالبيئة المحيطة ولذلك عمل الاخوان على تضييق مساحة الحرية الشخصية للذي وصل اليهم واختيار ( أمير ) للجماعة يمثل المرشد المقيم في عقل المراهق ويتم رصد كل سلوكياته وتوجيهها بسرعة وبذلك يتقبل المراهق وجود رقابة تنظيمية عليه تصحبها طاعة عمياء .
في تلك الفترة استخدم الاخوان اسلوب ( رخيص ) لتحفيز المراهق لحضور اجتماعات ( الاسرة ) والمحاضرات بتوفير الحلوى ( الباسطة ) . هكذا تربى البعض على القهر والهوان والطاعة وتعطيل العقل فاصبح الانتاج الفكري لاحقا يجب أن يمر عبر القيادة أو القائد الاعظم حسن الترابي .
يقول البنا : ” منهج التغيير عندنا يبدأ بالنفس وبالقلب اخباتا ووجلا وبالجوارح خشوعا وعملا وهذا المنهج من الثوابت التي لا نحيد عنها “. هكذا التغيير النظري عند الاخوان يبدأ بالنفس والقلب ! ولكن التغيير العملي بدأ بقتل النفس وتعميق النقاط السوداء في القلوب فلقد مارسوا مخادعة الله وكل أهل السودان . كما نلاحظ أن تربية المراهق تبدأ بتعليمه استحقار المجتمع والتركيز على العيوب وتصوير كل حركات المجتمع السوداني بانها ضلالات وفسق وفجور ولذلك (ربحت) تجارتهم ما زرعته انفسهم . والمؤسف أن الكثير من هؤلاء المراهقين الذين غرر بهم , صاروا ضحايا لفكر استثنائي في تطرفه ومتقاصر في انسانيته وتفوح منه رائحة القلوب والاسماع والابصار المختومة بغضب كل من عرف معنى الخير . وفي المقابل أفلت الكثيرون من هذا الاغلال قبل أن يصفدوا أو بعد ذلك .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “استراتيجية الاخوان المسلمين في العمل في اوساط المراهقين: كوستي نموذجا”

  1. همت تحيات جميلات لك. .
    فكر الإخوان وممارستهم في السودان تحتاج إلى جهد كبير وانت لها. .

  2. كنت اتمنى ان تكتب عن تجربة الإخوان المسلمين في السودان ككل ولبس حصره في كوستي. .ربما كتابتك جاءت مصداقا لواقعك المعاش. .
    لماذا لا تخصص سفرا عظيما يفند الفكر الإسلامي السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق