قراءات ودراسات

حدود الإبداعي في ترجمة أحمد عبد الكريم لديوان (أسود فاتح) لكريستيان بوبان

عمارة بوجمعة

يتفق المشتغلون في حقل الترجمة أن ترجمة الشعر هي أكثر الترجمات صعوبة وتعقيدا، حتى أن بعضهم يقول باستحالتها، وتأتي هذه الاستحالة من السمة الإيحائية التي تتميز بها لغة الشعر، فقي طاقة اللغة و أساليبها الشعرية سياقات فنية يتعذر ترجمتها من لغة إلى لغة أخرى، فالقصيدة بهذا المعنى محكومة بنسقها الثقافي ومكوناتها الصوتية والإيقاعية ومجالها العاطفي والوجداني، أي إن القصيدة لا تأسس باللغة فقط، وإنما تتأسس أيضا بحمولات هذه اللغة الرمزية والوجدانية، إنها استحالة يعززها في نظر هؤلاء طابع اللغة الإيحائية الذي يزيد التنافر بين اللغات ، وهي في الأساس استحالة ناجمة (عن الطابع غير القابل للتراكب والتطابق لمختلف التقطيعات التي تتكئ عليها الأنظمة اللغوية المتعددة التقطيع الصوتي والمفصلي الذي يعد قاعدة الأنظمة الفونولوجية (الحركات الحروف..) والتقطيع المفهومي الذي يتحكم في الأنظمة المفرداتية (القواميس، دوائر المعارف..) والتقطيع التركيبي الذي هو أساس الأنحاء ( جمع نحو) المتنوعة ). وغير هذه من البنيات والأنساق التي تجعل لغة تتغاير عن لغة أخرى.
غير أن هذه الاختلافات العميقة بين لغات الشعر وأمكنته وسياقاته لم تمنع من أن تكون القصيدة الشعرية حاضرة في جهود الترجمة، فلا أحد في الثقافة العربية يستطيع أن ينكر الدور الذي قامت به ترجمة الشعر ( على قلتها في الثقافة العربية) في رفد حركة الشعر العربي الحديث ومدها بعناصر التطور والتجديد، ولا شك أن الشعراء أو المترجمين الذين اتجهوا إلى ترجمة الشعر لم ينشغلوا كثيرا بالإشكاليات النظرية التي تطرحها الترجمة بقدر انشغالهم بضرورة ترجمة الشعر كعمل يتصل بطبيعة الشعر وحاجياته في البحث عن أفاق جمالية وإنسانية جديدة. إن الشاعر ربما يعي أكثر من غيره أن الترجمة تتصل في العمق بطبيعة الشعر ورغبته في الانفلات من حدود المكان واللغة، أي بالتحليق الذي تشترطه إبداعية الشعر والنزول في أصقاع شعرية مختلفة، ومعنى ذلك أن العلاقة بين المترجم ( الشاعر) والنص الأصلي لا تقف عند حدود الإغراء ، وإنما تتجاوز ذلك إلى الأبعاد التي تفتحها المخيلة الشعرية لتوسيع أفاقها الإبداعية والاتصال بالتجارب التي تعزز الرصيد الفني عند الشاعر وتعمق تجربته الإبداعية.
إن الشعر بهذا المعنى لا يمكن إن يشذ عن قانون الترجمة وضرورتها ذلك أن ( الترجمة من حيث المبدأ نشاط ثقافي أنساني لا غنى عنه، ففي هذا العالم تعددية لغوية وثقافية وعلمية لمتكلمي اللغات الأخرى).إن مكان الشعر قائم أيضا في التفاعل الذي تقيمه الثقافات الإنسانية في مسيرتها المشتركة، بل قد يكون الشعر هو أقدر الفنون تعبيرا وصوغا لجماليات المشترك في التجربة الإنسانية المهددة اليوم بسطوة التقنية وغلب النزوع المحكوم بالأنانية وقوة المصالح.
أحمد عبد الكريم وديوان ( أسود فاتح ) لكريستان بوبان(Cristian Boban).
لم تكن ترجمة ديوان ( أسود فاتح)( NOIRCLAIRE)لكريستيان بونان عند أحمد عبر الكريم تمثل استجابة لانشغال معرفي سابق، كما لم تكن تجربة هذه الترجمة خاضعة لخيارات كثيرة عند المترجم من تلك التي يأتي بها المراس الطويل وخبرة التجربة، فكل شيء حدث عن المترجم في سرعة برق ،كحالة مفاجئة شبيهة بالحالات الإبداعية السرية التي تنبثق من حدوس الشعر أو من النداءات الغامضة التي تستثير الوجدان والذاكرة وتتعلق في دهشة بشغف النص وألقه، يقول أحمد عبد الكريم(لم أكن أعلم بالضبط ما الذي جعلني أقدم على هذه الترجمة بسرعة لم أكن أتصورها ربما خوفا من أن يسبقني غيري إليها ورغبة في أن يشاركني قراء العربية متعة اكتشافه، لم اكتشف شغف الترجمة إلا مع هذا النص أو بالأحرى لم أكن أحس أنني أقوم بفعل الخيانة من خلال الترجمة بقدر ما كنت أحس أني أعيد روح النص إلى أصلها مندهشا من أن شاعرا بهذا الصفاء الفطري والزخم الشعري لم يترجم إلى العربية بما يكفي، فقط لأنه أثر العزلة والابتعاد عن حياة الأضواء والصخب الباريسي وفاء لنصه الأنقى من مياه الأعماق)،.
بهذا المنظور لم تكن تجربة الترجمة عن أحمد عبد الكريم وليدة فقط ذلك التواصل الحميمي الذي بدا له أسرا، ولكن كانت أيضا وضعا إبداعيا جديدا حاول أن يختر من خلاله ملكاته الإبداعية ومهاراته في استيعاب تجربة الآخر استيعابا يحتضن النص الأصلي ويحافظ على نبض تجربته وإيقاعها، لقد كان لتشابه التجربة الشعرية عندأحمد عبد الكريم وكرستيان بوبان تأثيرها القوي في تمكين الترجمة من نقل التجربة الإبداعية بأبعادها الجمالية والفنية، فهما يلتقيان في السياق الوجداني المترع بمشاعر الشجن والفقد،أي في ذلك القرار الإنساني العميق المأخوذ بأسئلة الحياة والموت يقول أحمد عبد الكريم وهو يكتشف عالم بوبان الشعري عبر حصة في القناة الفرنسية الخامسة سنة2015.(صادفت الشذرات الشعرية التي قرأها هوى في روحي وشدني عميقا إلى مناخاتها الروحية الشفافة، اعتقدت في البداية أن حالة الفقد المشابهة التي عشتها على الصعيد الشخصي هي سر هذا الانجذاب، ذلك أني فقدت أختا لي فبل عشرين سنة وهي في ريعان شبابها ثم بعد ذلك فقدت والدي ووالدتي في اقل من ثلاثة سنوات لكن تبين لي فيما بعد أن حالة الفقد التي يعبر عنها بوبان هي نوع خاص من ذلك الحزن الذي يدجن الموت ويؤانسه بل يخرجه من دائرة الرعب والمفجع الذي يحيل على نهاية الحياة.).
كرستيان بوبان (Christian Bobin) وديوان (أسود فاتح).(NOIRCLAIRE)
كريستيان بونان ، شاعر فرنسي من مواليد24/04/1951. ب كورصو فرنسا، درس الفلسفة والتحليل النفسي ثم انقطع للانشغال على الكتابة الأدبية من مؤلفاته: (الرسالة الوردية ) و(السيدة البيضاء) و(رسالة من ذهب) ثم ديوان أسود فاتح الذي صدر سنة2015. عن دار قاليمار(Gallimard. ) المعروفة. وهذا الديوان كما يصفه أحمد عبد الكريم ( هو مرثية طويلة ومتأخرة مليئة بالشجن والغنائية العالية والعميقة تستعيد حالات ومشهديات حميمة ولاذعة لسيرة حبيبة لم تعمر طويلا، كتبها بونان بعد مرور عشرين سنة على وفاة شريكة حياته ( غزلان) عام1996.).
يقدم الشاعر في ديوان (أسود فاتح) بلاغة شعرية تحتفي بالصمت وتحتضن الحياة والموت في معناهما العميق، فعبر لغة طافحة بوهج الشعر وعذوبته يقتفى الشاعر عتمات الذاكرة وينفذ بفكر شعري عمق التجربة الإنسانية متخذا من التشذيرات والتلميحات المضيئة مسالك فنية تغري بفتنة المعنى وحميمية الأشياء ووهجها، الشعر عن بونان يستمد روحه من هشاشة الإنسان والوجود ، ففي هذا العالم الهش تكمن الدلالة العميقة للتجربة الإنسانية،إن الشعر بهذا المعنى يأخذ وجوده من الوجود الكلي الذي يلف مصير الإنسان وينطبع بالتأملات التي تهبها الحياة للإنسان و تسمح له بإضاءة الوجود والخوض في تجاربه وإيقاعاته المختلفة

النص الأصلي ونص الترجمة.
إن ما يميز الشاعر الحديث – في الغالب- أنه لا يعدم التفكير في الترجمة، أي في ذلك السياق الذي يمنح الشعر هجرة وعبورا في اللغات الإنسانية، إن الإقامة في مسافة كونية هي من حلم الشعراء على اختلاف لغاتهم ومشاربهم، وأمام هذه الغاية يدرك الشاعر الحديث أن هذه المسافة تقتضي نصا قابلا للترجمة، وهذه القابلية تستوجب اشتغالا جيدا على الشكل والمضمون الشعري، أي على اللغة والتجربة، ومن هنا تكون تلك الغاية في اقتناص المضمون الإنساني وتطويع اللغة الشعرية حتى تكتسب أسلوبا أكثر ملاءمة لعمل المترجم،أسلوب نثري متحرر من النظم الإيقاعية والوزنية القديمة، فالشاعر يجتهد إذا في أن يضع النص في مستوى التعبير الذي يجعله قادرا على اختراق الحجب القائمة بين الثقافات واللغات ويثابر في أن يجعل النص الشعري أكثر اتصالا بالتجارب الإنسانية ، كما أنه يعمل بتجويد دقيق في تقريب اللغة والصورة والإيقاع والعبارة.
وإذا كانت هذه العاصر القادرة على استضافة الترجمة جلية في ديوان ( أسود فاتح) ،فان حياة النص المترجم مشروطة بطاقة التحويل وفاعليته عند المترجم، من حيث أن هذه العملية بالغة التعقيد وتحتاج إلى ذوق الشاعر ونشاط الحس والفكر والمخيلة. إن النص المترجم يعيش ويحيا بلا شك في المسافة الفاصلة بين المؤلف الأصلي والمترجم، أي في هذه المسافة حيث يمكن للترجمة أن تعيش حياتها الخاصة، ويعني ذلك بعبارة أخرى أن المترجم ( قائم في برزخ للغتين ينظر إليهما منه، يرى ما يتصل وما ينفصل بينهما فلا يرى في البداية إلا العتبات أو البين بين ثم انه بعد ذلك يغوص في إمكانيات كل لغة من اللغتين على الاستعداد للسفر إلى ثقافة أخرى) لذا فإن النص المترجم يعيش نوعا من الشراكة التي لا تعرف حدودها ولا يمكن اكتناه سريتها وغموضها، غير أن ترجمة الشعر تبدو في حالة وجود مترجم ( شاعر) كما لو كانت حالة إبداعية ثانية يتخلق فيها النص الشعري من جديد ويتشكل فيها في قرب، أو في تقاطع عميق مع النص الأصلي، إن في الاستئناس برأي ابن طباطبا في صناعة الشعر) ما يسعفنا على فهم الترجمة كتجربة إبداعية تبدأ من التفكيك وتنتهي إلى التركيب ومن التشتيت إلى الضم، ويعني ذلك أن تجربة الترجمة تتشكل بداية في ملمح مشوب بالتشتت أو هو نثار من الأشكال والملامح اللغوية التي تحتاج ما تنجزه طاقة الفكر والمخيلة والوجدان، حتى إذا أصبحت هده العملية طيعة على التشكيل بدا المترجم يلبس اللغة أبعادها الصوتية والبلاغية والإيقاعية، وهو في ذلك يواجه ما تقتضيه الكتابة الإبداعية عموما من زيادة وتغيير وحذف.ورما يكون هذا المعنى هو الذي قصده بول ريكور من أن المترجم يتوجه من النص إلى الجملة ثم إلى الكلمة)، أي من الكلي إلى الجزئي، وهو انتقال يبرز هذا التحول من المعنى الكلي الغامض والمبهم إلى المعنى أو التحقق الذي تتكشف فيه اللغة المنجزة وتأخذ ولادتها وحضورها.
استطاعت ترجمة أحمد عبد الكريم المأخوذة بروعة الإبداع وشغف الشعر في مشاركة النص الأصلي مناخاته وحساسيته الإبداعية بكثير من التفاعل والتجاوب والصدق،فجاءت بهذا المعنى تجربة غنية في القبض على الشعري واستيعاب إيقاعاته اللغوية وصوره الجمالية في تمثيل العالم والتجربة ، فعلى الرغم من هذا السفر المضني في رحابة النص الشعري ووعورة الترجمة إلا أن المترجم وجد للنص الأصلي لغته وإشعاعاته وأقام له أضلاعه التي تحكم انسجام مكوناته وعناصره، فكان من هذه الناحية أمينا في المحافظة على شكل هذا النص في أبعاده الرؤوية والبصرية،كما أن نجاح هذه الترجمة يستدعي ما يشير إلى قابلية الشعر العربي الحديث على استضافة لغات العالم وتجاربها الجمالية فهو أيضا ( تجربة إنسانية لا تنفك عن مصاحبة الآلام ضمن إيقاع كوني لا يتفاضل فيه الأوروبي عن العربي أو عن اليباني أو الهندي فيما هو يتحسس هذه الآلام وفق خصوصيته وفروقاته الموشومة على جسده الحي)، الشعرية العربية بهذا لمعنى تملك عبقريتها وقوتها وعناصرها الجمالية المتعددة والمختلفة التي ترشحها للمشاركة في الحوار الإنساني الذي يصنع مصير الإنسان وبهائه.

المراجع:
-1- بول ريكور، عن الترجمة، ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف، الجزائر ط1-2008.ص35
-2-عبده عبود، هجرة النصوص، دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي منشورات اتحاد الكتاب العرب1995.ص15.
-3–من مواليد 1965 بمدينة الهامل صدرت له مجاميع شعرية منها كتاب الأعسر وتغريبه النخلة الهامشية ومعراج السنونو وموعظة الجندب. ،احمد عبد الكريم شاعر جزائري
-4- كريستيان بوبان. اسود فاتح ترجمة احمد عبد الكريم منشورات الوطن اليوم سطيف الجزائر2017.ض11
-5-لمرجع السابق ص07.
-6- .احمد عبد الكريم، الديوان ص08.
-7-حمد الصادي، تجربة الترجمة وقولها ضمن كتاب الترجمة وإشكالية المثاقفة تقديم وتحرير وليد الحمارنة، منتدى العلاقات العربية والدولية دار الكتب القطرية ط1-2016.ص50.
-8-يقول ابن طباطبا ( فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة محض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه والقوافي التي توافقه والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت بشاكل المعنى الذي يرومه أثبته واعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا كملت له المعاني وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظاما لها وسلكا جامعا لما تشتت منها..)، ابن طباطبا عيار الشعر تحقيق طه الحاجري ومحمد زغلول سلام المكتبة التجارية القاهرة 1956.ص 5.و6.
-9- بول ريكور عن الترجمة، ترجمة حسين خمري ص61.
-10- محمد بنيس كتابة المحو دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء، المغرب، ط1-1994.ص55.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “حدود الإبداعي في ترجمة أحمد عبد الكريم لديوان (أسود فاتح) لكريستيان بوبان”

  1. شكرًا أستاذنا على هذه الإطلالة.. قدّمت أفكارًا قيّمة تتعلّق بترجمة الشعر، والفعل الترجمي للشعراء، كما وألقيت الضوء -في أثناء حديثك-على تجربتين شعريتين تتقاربان على بعد.. تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق