حوارات المجلة

نظرات نقدية مع الناقد عباس المناصرة

حاوره : محمد شلال الحناحنة

الناقد الإسلامي عباس المناصرة من أبرز نقاد الأدب الإسلامي متابعة وقدرة على دراسة النقد الأدبي من خلال تأصيل شرعي ومنهجي وفني ، وفي ندوات رابطة الأدب الإسلامي العالمية كثيراً ما يتحدث بإيجاز ، ولكن رؤيته مبصرة ناقدة ومتميزة . أخيراً كان لنا مع ناقدنا المناصرة هذا اللقاء الصريح :

ـ هل لك أن تتحدث عن البدايات ، عن محاولاتك النقدية الأولى باختصار ؟

ـ البدايات يا أخي كانت في البيت ، حيث تربيت في بيت يهتم بالعلم والأدب ، وبالذات فن الشعر ، حيث شقيقي الشاعر الكبير عز الدين المناصرة ، وبقية أشقائي كلهم من المهتمين بالتأليف والترجمة في قضايا الأدب والفكر والسياسة ، مما اتاح لي نمواً فنياً وأدبياً في فترة مبكرة من العمر ، ثم كتبت بعض الكتابات النقدية البسيطة في جريدة القدس التي لاتزال تصدر في القدس الشرقية ، وكانت هذه الكتابات قبل عام 1970 م ، وكنت أكتبها باسم مستعار هو : ” نور الدين النعيمي ” ، ثم سافرت إلى جامعة دمشق لإكمال تعليمي بعد الثانوية العامة ، حيث بدأ الاهتمام النقدي بي من قبل أستاذي العلامة : شكري فيصل ـ رحمه الله ـ ومن قبل الأصدقاء في الجامعة ، لكن الذي كان يقلقني هو المنهج النقدي الذي يجب أن أسير عليه ، وكل المذاهب المسيطرة على الساحة هي مذاهب غربية ، وأخيراً قررت أن لا أكتب حرفاً واحداً قبل البحث عن مذهب الإسلام الأدبي ، ثم بدأت القراءة ، وأشغلتني الحياة ، ومللت من كثرة القراءة ، وقررت خوض تجربة الكتابة النقدية ، ومنذ عام 1989م بدأت بنشر دراساتي في عدة صحف ، وقد أثارت تلك الكتابة القراء ، وتفاعلوا معها بإيجابية بالغة ، مما شجعني على متابعة الطريق كما ترى ، مع التذكير أنني كنت ناقداً شفوياً طوال فترة ما قبل النشر .

ـ أنت ناقد إسلامي، ما الدور الذي يلعبه الناقد في تطور الأدب ؟

ـ يقوم الدور الحقيقي للناقد في تطور الأدب على فهم الأدب ودوره ووظيفته وطبيعته ، والظروف التي تؤثر في تقدمه أو تخلفه ، مع ثقافة واسعة تعتمد على الحكمة والخبرة ؛ ليكون المرشد الناصح لأخيه المبدع ، فهو أشبه بمهندس المرور الذي يهدي السائقين إلى طريق السلامة العامة فيضع لهم لافتات التحذير من المزالق ، وكذلك الناقد وظيفته الأساسية تقوم على فهم العمل الفني ، ومزالقه وسبل نجاحه ، ليقوم بهداية الإبداع عند إخوانه الأدباء ، ومجال النقد واسع منه ما يخص تطوير النظرية الأدبية ، ومنه ما يخص الجوانب التطبيقية ، ومنه ما يخص طموحات وهموم الأدب والأدباء ، فهو أشبه بمراقب الجودة ؛ لأنه يمثل حلقة وصل بين الجمهور والأدباء ، يخاطب الجمهور ، ويرقى بذوقه عن طريق الخطاب النقدي ، ويخدم المبدع بخبراته وملاحظاته ، إنه المسوق لبضاعة الجمال الأدبي بين المنتج والمتلقي .

وما دام الأمر يخص قضية الأدب الإسلامي ، فالناقد يقع على عاتقه مهمة إيضاح معالم نظرية الإسلام في الأدب ، ومقاييس الإبداع لهذا الأدب ، والبحث في هموم الأدب الإسلامي ، حتى يستطيع أن يقدم للأدباء المسلمين الطريق الواضحة الجلية للإبداع من جوانبهما الفنية والشرعية ، ليروج هذا الأدب وينتشر .

ـ يظل الأدب تعبيراً صادقاً عن فكر الأمة وثقافتها في ضعفها وقوتها ، هل تتفضل فتجلو لنا هذا المفهوم ؟

ـ الأدب صياغة فنية جمالية فكرية لقيمة حقائق الحياة ، من خلال كشف المواقف الشعورية التي يعايشها الأديب كفرد من أبناء الأمة ، وهو تاريخ لمشاعر الأمم تجاه تجارب وجودها الحضاري ، وله دور عظيم في تكوين الذوق العام للأمم ، بالإضافة إلى دوره الهممي التعبوي حيث يبعث همم الأفراد والشعوب نحو الأهداف ، فيزين لها الخير ، ويحقر الانحراف والشر والتخلف من خلال تقنياته الذكية ، ففي حالات الضعف التي تسيطر على الأمم تغزو الأدب نزعات الأنانية والفردية القاتلة والأهداف التافهة ، أما في حالات قوم الأمم فترى الأدب يبعث الهمم نحو الأعالي ، وتمجد الحق ، ويأخذ بيدها نحو النمو الراقي لذوقها.  وتأكيداً لمضمون سؤالك عد إلى الأدب الفردي في عصور الانحطاط ؛ لترى كيف سيطر أدب الملذات والذوق المنحدر مثل الغزل بالغلمان والحشيشة والخمرة ، وسيطر العقل الصوفي العاجز ؛ ليمجد المرض والضعف والكسل على حساب الإسلام النقي القوي ، فكان شاعرهم يقول :

جرى قلم القضاء بما يكون … فـسـيان الـتـحرك والـسـكون
جـنون منك أن تسعى لرزق … ويرزق في غشاوته الجنين

وقد ينتشر أدب التكسب والنفاق والكذب ، ومن أمثلته الصورة المقرفة التي تصادم العقيدي عند المسلم كقول ابن هانئ :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار … فـاحكم فـأنت الواحد القهار

وقارنها بأدب الأمة في حالات القوة ؛ لترى الفارق الكبير ، خذ على سبيل المثال حسان بن ثابت رضي الله عنه ، وهو يحدو لهمم المسلمين في غزواتهم ، وانتصاراتهم ؛ لتشكل قصائده حرب دعاية للإسلام ، وحرباً نفسية على قريش ومعسكرها ، وانظر معن بن أوس طبيب القلوب الحاقدة كيف يفرغ القلوب من حقدها ومرضها ، وانظر لأبي تمام ، وهو يمجد فعل الجهاد ، وانظر إلى شهاب الدين محمود ، وهو يستنهض العزائم لحرب الصليبيين .

وقد يسبق الوعي إلى عقل الأديب الصادق فيكون أداة وعي للأمة ، رغم الظروف الصعبة التي تعايشها أمته ؛ لأن الأديب الصادق يكون مرآة لآمال الأمة ، وطموحاتها يدفع معنوياتها نحو النهضة ، وخاصة إذا أدرك الأديب دوره الخطير في حياة الأمة ؛ لأن الأدب يشكل الكاسحة التي تكتسح الأشواك من طريق الأمم نحو مصالحها وأهدافها ، ويكون ذلك مؤثراً حين يجعل الأديب من نفسه قدوة صالحة تسبق أبناء الأمة إلى فعل الخير أو الجهاد ، أو الأعمال الصالحة ، من منا لا يذكر الأديب الذي علم الأمة ان تربط الأفعال بالأقوال يوم سبقها إلى فعل الشهادة ، حيث ربط بين القول والفعل يوم قال :

سـأحـمـل روحـــي عــلـى راحــتـي … وألقى بها في مهاوي الردى

أو الشاعر الذي قال مستنهضاً الأمة نحو تحقيق الأهداف :

ومن لا يحب صعود الجبال … يعش أبد الدهر بين الحفر

أو الشاعر الذي واجه أخطاء القيادات في المعارك المصيرية بقوله :

لماذا إذا اهتدت نجمة الحرب … تـعـطي الـجـوائز لـلـهاربين ؟!

وهكذا …

ـ تقف أمام الدعوة للأدب الإسلامي عقبات كثيرة ، كيف يمكن تذليلها ؟

ـ أظن أن حصر وتحديد العقبات هو الخطوة الأولى قبل البحث عن تذليلها ، ويمكن حصر هذه العقبات في خلاصة أولية بما يلي :

1 ـ وجود ركام من المفاهيم الغربية المنحرفة التي تسيطر على الساحة الأدبية العربية ، تستنفر الذوق الأدبي ضد طرح قضية الأدب الإسلامي .

2 ـ الخطاب النقدي الضعيف لدعاة الأدب الإسلامي يقلل من الاستقطاب لصالح هذا الأدب .

3 ـ غياب الفقه الأدبي الذي يؤصل لهذا الأدب من مرجعياته (الشرعية والأدبية) ووجود تيار إسلامي تقليدي من النقاد يمجد نقد الرواد ، ويحارب محاكمة نقدهم ، وبذلك يعطلون النقد الإسلامي الجاد الذي يدرك مسؤولية الاستقلال والتطور النقدي .

4 ـ لقد تأخر الإسلاميون في إدراكهم لقيمة الأدب ، وهذا جعل التيارات والأفكار الأخرى تتقدم في أطروحاتها النقدية والإبداعية ، لأنها عرفت خطر الأدب في فترة مبكرة ، ووصلت إلى عقول الناس من خلال الاستفادة من الفنون الأدبية وجمالها وتقنياتها لصالح أفكارها .

أما عن تذليل هذه العقبات فأرى أن ذلك ممكن من خلال :

1 ـ الصبر على مشاق الدعوة للأديب الإسلامي واستمرارها ، دون يأس أو توقف عن العمل.

2 ـ التجديد هو أحد المهمات المنوطة بأبناء الأمة في كل قرن، ولهذا لابد من إيجاد فقه أدبي مؤصل من القرآن الكريم ، والسنة الشريفة ، وأدب الصحابة ، ورفع مستوى الوعي للخطاب النقدي حتى نصل إلى خطاب مقنع يساعد على الاستقطاب لصالح الأدب الإسلامي .

3 ـ القوي هو الذي يفرض نفسه ، ولذلك لابد من إيجاد جيل من الأدباء الإسلاميين الأقوياء الذين يتحملون مسؤولية تقديم النموذج الأدبي الراقي للأدب الإسلامي من خلال النقد والإبداع ، لأن بعض الناس قد يشده النموذج الأدبي الراقي ، وبعض الناس قد يشده التنظير النقدي الراقي ، ومن هنا لابد من التكامل بين الإبداع والنقد .

4 ـ لابد من محاكمة نقدية صريحة للنقد الذي قدمه رواد الأدب الإسلامي ، للتعرف على حالة الفوضى المنهجية ، وضبط هذا التنظير بمنهجية علمية واضحة ، تعرف للريادة فضلها وعذرها وضعفها ، حتى تخرج من حالة الانبهار والتمجيد التي يمارسها التقليديون ، لنصل إلى مرحلة التقييم والتحديد المنهجي .

ـ يقولون : ” ما زال مفهوم النقد الإسلامي غائماً في كثير من أذهان نقاده ” ما ردك على هذه المقولة ؟

ـ من الشجاعة القول أنها مقولة صحيحة ولا ننكرها ، ولكن هل هذا يدعونا إلى اليأس والتراجع عن الدعوة للأدب الإسلامي ؟ وهذا الاعتراف منا معناه الدعوة إلى مضاعفة الجهد ، وإيضاح مفهوم الأدب الإسلامي ، فما طرح ينقصه التأصيل الشرعي والفني والمنهجي ، ونحن في بداية مشروع تحت التأسيس ، وهو بحاجة إلى عمل جاد لتفصيل دقائقه وإيضاح معالمه .

المشكلة أن بعض الإسلاميين يتهرب من تفصيل المشروع النقدي ؛ لأنهم حصروا أنفسهم في مقولات الرواد ، وهي مقولات ريادية ناقصة وغير مكتملة ، والنقد لا تتضح مفاهيمه إلا بالتفصيل والدراسات والجهود النظرية والتطبيقية .

والدعوة للأدب الإسلامي دعوة طرية العود ، وإن توهم بعض الناس أنها اكتملت ، ولذلك هي بحاجة إلى رجال صابرين على البحث والعمل والتفصيل والاستقلال عن أطروحات الواقع المسيطر أنهم يجددون أدب الأمة ، وأجرهم في ذلك على الله ـ سبحانه وتعالى ـ .

ـ هناك من يطرح أن الحداثة تعني لدى كثير من مروجيها إلغاء ذاكرة الأمة ، وتراثها وثقافتها وأدبها ، ما مدى صحة ذلك في رأيك ؟

ـ هذا الكلام صحيح إلى حد ما ، وحتى لا نقع في التعميم الذي يساوي بين المحسن والمسيء علينا أن ندرك أن الحداثة تتكون من حداثات متعددة بعضها هدفه التجديد في الأدب ؛ ولهذا التيار لا تختلف معه في فكرة التجديد ؛ لأن حياة الأدب لا تتم إلا بالتجدد المستمر .

وهناك تيار حداثي طائفي يلبس ثياب الحداثة والتجديد بهدف التخريب والتدمير وتهيئة الأمة للانخلاع من جذورها ، يريد أن يبدأ من الصفر ، وينقطع عن التراث كما يزعم .

وهو كاذب في دعواه ؛ إذ ينقطع عن تراث الأمة ليلتحم مع التراث الأوربي ، فأين إبداعه الذي يدعيه .

وهذا التيار يريد أن يلغي بالفعل ذاكرة الأمة عن سبق وإصرار ، يدفعه إلى ذلك حقد طائفي خبيث ، فهو لا يستطيع أن يطرح فكره الطائفي بوضوح ، فاختار طريق لبس زي الحداثة ، ليموه ويخرب ويمهد لمحاربة الإسلام ، والذي ينظر إلى الكتب المقدسة للحداثيين يرى سم حقدهم في مقولاتهم فأحدهم يقول : ” الإسلام حداثة ثارت على الجاهلية ، ويعتبر نفسه الحداثة التي تثور على الإسلام ” ، وفضيحة مجلة (حوار) في الستينات من القرن العشرين ، دليل على ذلك وعلى ارتباطاتهم الخارجية المشبوهة مع الاستعمار والصهيونية ..

وهناك تيار حداثي مضبوع معجب مبهور بالثقافة الغربية ، ولكنه لا يقوم على الحقد على الأمة ، فإذا وجد من يسيل دمه أمام مغارة الضبع الأوروبي حتى يفيق ، وعندها يسهل عليه أن يعود إلى أمته ؛ لأنه لا يحقد عليها .

ـ يرى بعض الدارسين أن كتابك ” مقدمة في نظرية الشعر الإسلامي ” يعد نموذجاً متميزاً ومتقدماً في طريق التنظير الذي يؤسس للنقد الإسلامي ، ما أسباب ذلك في رأيك ؟

ـ السبب فيما أظن أن كتابي وضع الإصبع على الجرح ، وأشار إلى حالة المرض بصراحة وصفها بعضهم بأنها جارحة .

قرأت التنظيرات المطروحة للنقد الإسلامي ، فوجدت التخبط الذي يحكم الطموحات لغياب المنهجية النقدية التي تستقيم مع الشرع والأدب ، ووضعت نظرية علمية تصف مسار التنظير الذي يوصل إلى الأهداف ، حيث حددت المرجعيات التي تستخرج منها نظرية الأدب الإسلامي (الشرعية والأدبية) ، وطرحت نماذج تطبيقية عن أدب الصحابة الكرام ؛ لأنهم النموذج الذي يمثل الأدب الإسلامي الحقيقي .

وأنا أول من كشف طبيعة الريادة ، وتجرأ على البوح بذلك ، حيث تبين أن العقلية النقدية الإسلامية المعاصرة ، تكره النقد وتتهرب منه ويلزمها الصدمة حتى تفيق من حالة تقديس الذات بسبب سيطرة حالة التمجيد والانبهار على دعاة الريادة ؛ لأنهم يخلطون بين الإسلام المقدس ومرجعيته ، وبين أنفسهم التي ليس لها حق التقديس ، وإنما لها حق الحب والأخوة والمودة في الله ، ولذلك يجب أن يجري عليها حق النصح والنقد والمحاكمة لما طرح ، وقد تفاعل كثير من الكتاب الإسلاميين مع ما طرحت ، واعتبروا الكتاب محطة مراجعة للنقد الإسلامي ، لوضع الأمور في نصابها الطبيعي .

ووجدت أن كتابي يحارب من قبل الإسلاميين ؛ لأنه لا يستسيغ المحاكمة والنقد ، ويعيش على وهم الاكتمال ، وتمجيد الريادة ، ولكن الكتاب نجح في إيصال الصدمة لكثير من العقول الإسلامية فأخذت تفيق من حالة التمجيد للنقدالريادي ، وبدأت ترى الرواد بعين مبصرة ناقدة تعرف لهم فضلهم ، ولكنها لا تسقط في التقديس لمنجزاتهم .

ـ ما جديدك النقدي الذي تريد أن تطرحه في معركة خدمة الأدب الإسلامي ، بعد مضي عدة سنوات على كتابك السابق ؟

ـ استكمل الآن بحثاً في صميم قضية التأسيس للنقد الإسلامي بعنوان ” مصطلح الأدب الإسلامي في ضوء نظرية العلم والمعرفة ” ، لأن جلاء هذا المصطلح من المهمات الملحة ، بل هي اللبنة الأولى في تفصيل المصطلح النقدي للأدب الإسلامي ، والدخول في دقائق النقد من خلال إيجاد المصطلحات النقدية المستقلة عن المقولات المسيطرة على الساحة النقدية العربية ، أسأل الله التوفيق والقبول والسداد في خدمة أدب الأمة وإعلاء شأنه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق