ثقافة السرد

آثار الزمن

إيناس السلامي*

تتراءى أمامي الآن صورةٌ كرتونيةٌ سجّلها بعضُ العاملين في المجال عن كيفية تحريك الشخصيّات الكرتونية عن طريق تحرير الكثير من الصور بهيئاتٍ مختلفةٍ بسُرعةٍ كبيرةٍ لا يستطيعُ العقلُ استيعابها فتبدو الحركةُ ماثلةً أمامه في صورتها النهائية ، وأتخيّل مشهدًا عابرًا – أو كما يبدو – في حياتي مُشابهٌ لسرّ الحركاتِ هذا ، وأسترجعُ إذ أجلسُ جِلسةَ الذكرى ببعضِ ملحٍ من الحنين صورًا كثيرةً منذ طفولتي ثم تعاقُب السنين بعدها بسُرعةٍ فجّةٍ لا أكادُ ألاحق أنفاسي بينها لتُشكّلني الآن على هذه الهيئةِ التي صرت ..

و يتماثلُ الزّمانُ أمامي رجُلًا خبيثًا يقلبُ في بساطةٍ عدّادات أعمارِنا غيرَ آبهٍ بما قد يخلّفه ذلك فينا من آثارٍ وندوبٍ كما العجوزُ التي كنتُ أخافُها صغيرةً في مشهدٍ كرتونيّ تحاوِلُ سرقةَ أعمار الشباب لتُضيف إلى هِرمها عُمرًا ولجمالها قُبحًا يتناسبُ تمامًا مع جسدها المُجعّد البائس ،،
لأتنهّدَ في النّهاية مُتسائلةً عمّا خلّفهُ فينا الزّمن ، وما غنيمةُ أعمارنا المُنصرمة ؟!
أم أننا حين فقدنا العُمر وعاجلتنا السنون فقدنا لواحقها العابثةَ من أحلامٍ راحت مع ذرّات الرياح ذاتَ ضياعِ شباب ؟!
..
وفي مُقارنةٍ سريعةٍ رُبما تكونُ عابثةً سألتني إحدى صديقاتي : ما الفرقُ بين ما أنتِ عليه الآن وما كُنتِ عليه قبلًا ؟!

..
جاءني أخي ذات مساءٍ لنتسامرَ قائلًا : لقد تغيّرتِ بحقّ ،، أكادُ لا أعرفُك !!

سألتُه بحذرٍ : ماذا تعني ؟!

أجابني ببساطةٍ أنه لا يدري حقًا سرّ التغيير لكنّه يراني بهيئةٍ مُختلفةٍ قليلًا من حيثُ الجوهر
توقّفتُ قليلًا أجمعُ الأقوال المعروضةَ على ساحةِ تعيين بضاعتي المُزجاة الجديدة ،،

ووازيتُ
المرآةَ صباحًا لأدقّق النّظر ،، الفرقُ الجوهري الوحيدُ بيني وبين أنا السابقة هو أنني مُحمّلةٌ بغُبارِ الزّمن ، وندوبِ العُمر ، وقسوةِ ميدان الحياة ..
أخي يسألُني ما الذي تغيّر ؟!
حسنًا أنا أعلمُ أنني بِتّ أقوى في مُواجهةِ الألم ، وفي تقبّل الهزيمةِ … و سأحاول أن أنظر بعد في مسألةِ النهوض من جديد ،،

لكن .. على أيّ حالٍ ، وبعيدًا عن مسألة ما حققتُ وما زادني به يومي هذا عن سابقه ، أنا صقلتُ مرآتي في مَيدان المعركة ، وتعلّمتُ جيّدًا متى يُغادِرُ المُحارِب المُستزف ساحةَ القتال

ولم أحقق شيئًا سِوى أن أحاول تقبّل نفسي المُغبّرةَ هذه على حالها .. وهذا يكفيني
..
شُكرًا للزمن الذي أسرعت بنا حافلاته حتّى ما استوعبت عُقولنا كمّ آثارِه وما جنت يداه فينا لنخرج في النهايةَ – أسفًا – سكونًا لا حركة ، وشبابًا يُعدّون في عِداد أعمارهم كُهولًا ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق