ثقافة النثر والقصيد

لسنا أبطال روايةٍ بوليسية

محمد رشو*

الندم في الصباح

حياتي ترجمة سيئة للحياة، أقلّد الشعراء الغنائيين
وأضيف وأنا أحك بظفري مكان الباسورد في بطاقة الموبايل:
أمنحكم ما منحتني الحياة
أمنحكم اليأس

الشاشة في صدر المول
كانت تعرض كليبات صاخبة يرقص فيها
شباب فوق جبال كوردستان بملابس فلكلورية، و أخرى
يذرف فيها المغني الدموع من أجل حبيبة مفترضة
واضح من ملامحها أنها عارضة أزياء
و أجنبية

زيزو الصغيرة لم تتعرف علي أسفل السلم الكهربائي
كانت مشغولة بالزبائن تناولهم
بطاقات اشتراك في اليانصيب الذي سيجري في التاسعة

تركت غسان هنا البارحة
ومصادفته سيعني أن الأحد
هو السبت أيضاً
وأنه سيبقى في كافيه الطابق الثاني
منتظراً حركة من النادلة
التي ترتدي الجينز الأسود
وتقيم لاجئة في ضاحية كاسنزان

في الطريق إلى دائرة الإقامة
أتأمل بوستراً عملاقاً لراغب علامة مطلاً على
أربيل مرتدياً بدلة أنيقة
وخلفه أضواء مدينةٍ ما
ينظر نظرة من يملك كل شيء
ويبتسم ابتسامة من يعرف أنه
محبوب

أمعائي تزعجني من عشاء متأخر
بعد منتصف الليل
قبعتي الرياضية غامقة لكثرة ما تعرقت

يبدو أنه لا شيء يؤلم في الصباح
أكثر
من
الندم في الصباح

كدت أصدق إنني عالق في حلم
أصرخ دون أن يخرج صوت مني

أعرف أنني أحلم
لكن لا أقدر على الاستيقاظ
***
الحروب

في بلدة قصروك في كوردستان
يربّي جاري عبد الستار القطط والأفاعي والنسور معاً في بيته،
مقتنعاً بأنه على الإنسان أن يجعل الأعداءَ
أصدقاء، لا أصدقاءهُ أعداء

أبناؤه تعلموا ألا يخافوا
الفتى الكبير.. صاروا يستدعونه لاصطياد الأفاعي من الحقول و المنازل،
الصغير الذي لم يبلغ الثانية بعد يلاعب إحداها،
يمسكها من الذيل و يتركها تلتف حول رقبته و تنسل تحت قميصه،
هي ليست بلاستيكية، بل سوداء طويلة
و أخرى زيتونية تدعى شاهمار، أي
ملكة الأفاعي

بحوزته قطط كثيرة، ونسران أطلق عليهما: “آشتي وراستي” قالت
روزميري إن عينيهما بيض في الظلام، و إحدى و ثلاثون أفعى
يطعمها اللحم و السكر و الماء، يغير لها
التراب مرتين في الشهر،
ومن جلدها الذي تبدله يصنع عقاقير
لمرضى القرحة والكولون
لم يؤذِ أفعى طوال عمره
و”حين يسمع أن سيارة دعست أفعى” يقول
“أحس أن إنساناً قد قُتل”

في الليل، حين تنام حيواناته في
الحديقة الأمامية،
النسور على الشجر
الأفاعي في الصندوق
القطط تحت سيارة الكيا السوداء،
يدخل غرفته
وينظم مدائح للرسول سيغنيها في
المولد السنوي لأتباع عد القادر الجيلاني
يبدأ النقر على الدف
ويتذكر الحروب
الحروب
الحروب التي فرّ منها صغيراً برفقة عائلته
الحروب التي خدم فيها مجنداً في إيران
الحروب في الجبال بجانب البيشمركة ضد حكومة بغداد
الحروب مع الأخوة
الحروب
الطويلة
القذرة
البعيدة
الحروب التي كأنها تحدث الآن
***

أراقب ولا أكمل

لسنا أبطال روايةٍ بوليسية :
سنكتفي بإقامةِ جنازةٍ تليقُ بالميت
لا ضرورةَ لشهودٍ يحلفون
ولا لمخبرٍ سري يكشف عن لغز القتل

لن أندم على أن تتحطم غرفة النوم
وبراد البنكوان و غسالة الأوتوماتيك
بل وأرغب أن تقع عن رف الحمام
ماكينة الحلاقة التي كانت تتعطل
باستمرار

ليتقشر الطلاء الذي دهن سيئاً بالأصل
ولا بأس أن يُدّمر برمته هذا المنزل
الذي ورطني فيه المكتب العقاري ولم أدفع أقساطه بعد

لن أتشاجر مع جارتنا في الطابق السفلي
بسبب أنابيب المجاري
فالعجوز
لم
تعد
موجودة
أبتسم و أنا أجرد ما دمرته الحرب

حياتي تنفق أمامي
كحيوانٍ أليف مريض لا شفاء له

ليس بإمكاني سوى أن أراقبه
و لا أكمل
*****

*شاعر سوري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق