ثقافة المقال

جياكومو ليوپاردي

حسام رزيق*

جياكومو ليوپاردي ( ١٧٩٨-١٨٣٧م ) فيلسوف، شاعر، كاتب وعالم في فقه اللغات ويعد من أكثرالمفكرين صرامة في القرن التاسع عشر وذلك في سبيل حرية أفكاره وتقنية كتابته. كان أحد أبناء الأسر النبيلة كان أبوه الكونت مونالدو ليوباردي رجلاً مولعاً بالأدب ولكنه كان صاحب فكر رجعي لا يقبل التغيير أو مجرد التفكير في التغيير أو الميل عن المنهج المعد له مسبقاً من قبل رجال السياسة والدين، أما أمه فكانت سيدة صارمة، ذات دم بارد، سلطوية لا يهمها سوى الثروة وبناء السلطة فكان يعيش هو وأخوه كارلو وأخته باولينا في بيئة منضبطة وتحت نظام ديني صارم.

وفي ظل هذا النظام الصارم حُرم من التعليم الرسمي والمحفز على التفكير واقتصر تعليمه على ما احتوته مكتبة أبيه الزاخرة بأنواع المؤلفات، وتلقى تعليمه هذا تحت وصاية اثنين من الكهنة، فقام بقراءة واسعة وعميقة لكثير من الأعمال الكلاسيكية والأعمال الفلسفية فكان بإمكانه قراءة وكتابة اللاتينية واليونانية القديمة والعبرية بطلاقة.

وكان من أسباب انكبابه على هذه العلوم والاستغراق فيها هي حاجته للهروب من البيئة الصارمة في منزل والده ومما زاد من ذلك هو مرضه الذي أصيب به فحرمه من أبسط ملذات الحياة.

بدأ ولعه بالشعر الغنائي ظاهراً وبلغت شهرة كتاباته تبلغ الأفاق وبالرغم من ذلك كان يعاني من الاكتئاب، حتى زاره في منزله بيترو جيورداني وكان هذا اللقاء هو نقطة التحول وبداية الأمل فحاول الهرب في العام ١٨١٨م فقبض عليه والده ووضعه تحت رقابة مستمرة، ثم انتقل عند عمه في روما ولكن لم يستطع أن يتعايش مع ما رآه من نفاق الكنيسة والفساد المبطن بالدين فتنقل بعد ذلك بين ميلانو وبولونيا وفلورنسا وبيزا لا يحمل معه سوى روحه الثائرة ومرضه العضال وموهبته الفذة، مما تسبب له في معايشة الفقر وهو ابن النبلاء.

دعتني قصة حياة هذا المفكر إلى التأمل والتساؤل. تأملت قسوة الإنسان الذي لم تُبنى روحه إلا على التلقين الصارم الذي يُعد الاختلاف جريمة. فها هو أبو جياكومو ليوباردي لم تأخذه رأفة بابنه المريض والذي يؤمن بموهبته ونبوغه وذلك عندما فكر في التحرر من الأفكار القديمة التي بُنيت عليها تقاليد العائلة، فتركه فريسة للفقر والمرض فكانت هذه الأفكار البالية التي رأى أن ابنه يحاول التحرر منها أهم عنده من ابنه، بالرغم أنه رجل من أعلى طبقات المجمع قاريء مهتم بالثقافة والأدب إلا أن قراءاته بُنيت على أفكار مسبقة لا يمكن أن تغيرها ملايين الكلمات أو الكتب، وهذا يدعونا إلى التأمل في طريقة التعليم، في بناء الإنسان، في مفهوم الحرية لديه، في معنى المثقف والثقافة، فليس كل من يقرأ سيصبح مفكراً أو مثقفاً. الكثير يقرأ بنهم ليس ليتغير أو ليحاول أن يعمل التفكير، بل يقرأ للامعان في اثبات أفكاره المعلبة مسبقاً، ليقنع نفسه بالإيمان بها، ليتغلب على ثورة الروح التي تتولد بداخله حتى يخمدها، يقرأ ليتسلح للحرب من أجل هذه الأفكار بغض النظر عن صوابها أو خطأها.

اقرأ في هذه المدونة “فريدا كالو.. أيقونة الحركة النسوية”
عند التأمل في طريقة التعليم التي تلقاها جياكومو ليوپاردي وهي قصر تعليمه على تعليم محدد ومقنن ظاهره التعليم وباطنه لا يتعدى أن يكون مجرد بناء جدران وقضبان السجن الفكري له حتى لا يميل أو يتحرر عن معتقدات وتقاليد العائلة الدينية والسياسية، حتي يصبح عبداً بفكره، حراً بظاهر جسده.

فهنا ظهرت لي أهمية التعليم والتي اهتم عادة بالتأمل في وسائله ومعطياته. فما هو الأنفع لبناء انسان سوي حر فكراً؟ التعليم المعتمد على المعلومات الجاهزة، حفظها وسردها بطلاقة! أم التعليم المعتمد على تعليم طرائق التفكيرالناقد والإبداعي؟

ليس المهم أن يتعلم الطفل كماً هائلاً من المعلومات يحفظها ويسردها، وهذا ما نجد أن الكثير منا يتفاخر به إلى يومنا هذا عبر وسائل التواصل وفي المنشآت التعليمية. ولكن المهم حقاً هو بناء انسان قادر على مواجهة التيارات الفكرية المختلفة، بناء انسان لا تجد أنه أمام مواقف فكرية حساسة، وعميقة هشاً ليس في يده سلاح سوى معول يبحث بواسطته في ركام ما حفظه، في ركام ما لُقّنه، لا يستطيع أن يبني لنفسه خطاً فكرياً ولا رأياً يعبر به عن حقيقة نفسه.

كان لجياكومو ليوپاردي روحاً ثائرة تواقة للمعرفة محاربة للانحلال والتناقض، فضحّى بكل ما لديه من أجل ذلك، متحرراً ساعياً نحو حرية فكره وروحه. فكم نعتقد نسبة من يمتلك هذه الروح من بين كل من يتلقى هذا النوع من التعليم؟ أو بطريقة أخرى كم نعتقد نسبة من ينجو من طريقة التعليم هذه؟ إن استطعنا أن نجاوب على هذا السؤال قد نستشف مستقبل أجيالنا القادمة.

اقرأ في هذه المدونة “أسطورة شكسبير”
في العام ٢٠١٤ تم انتاج فلم إيطالي من اخراج ماريو مارتوني بعنوان ( Leopardi) جسد معاناة هذا المفكر. فلم حائز على تسع عشرة جائزة ورُشح لست عشرة جائزة أخرى، فلمن أراد أن يعرف أكثر عن حياة جياكومو ليوپاردي، أنصحه بمشاهدته.

” أمران منصفان في هذا العالم.. الحب والموت ”

جياكومو ليوپاردي

 

*من مدونة الكاتب: فوضى القلم

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق