ثقافة السرد

رافد الموت والحياة

بقلم: جميلة طلباوي

أيّها الموت، بين خرائب هذا الزمن ألوك حموضة الوقت و تستتر كلماتي خلف أوراق توت بساتينك التي تزهر منها الحياة. خلسة منّا يتمدّد سوادك في دهاليز الثورات فيربكنا البياض و يغمرنا النّور. عجيب هو أمرك ،كم نخافك وكم نعشقك، كم نخافك كلّما شعرنا بالأمان و كم نعشقك كلّما طوّقنا الخوف و أثقلنا انكسار الروح. أتأمّلك وعلى عيني عصابة من رماد كلّ الذين أُحرقوا عبر التاريخ و التهمت النيران أجسادهم لينيروا لنا العتمة. أنت أيها الموت تستلمهم بكلّ أمانة و أنت تبتسم في سخرية من حمق أولئك الذين أحرقوهم، وظنّوا بأنّهم تخلّصوا منهم و من حبرهم الذي أثقل الورق بسواد منير، فتغرسهم أيّها الموت في تربة الخلود لتبرعم أرواحهم و يبعث حبرهم و مع طلوع كلّ صبح تشرق كلماتهم التي لا تموت…

ومن حيث لا يعلم جلادوهم تنتزع منهم الأرواح و تنزلهم من سعة قصورهم المشيّدة إلى ظلمات الحفر فترمي بذكراهم في هوّة الفناء و تبقي رماد من أحرقوا نورا في وجدان أجيال من البشر. و كأنّ قدر البشرية أن لا يأتي نور إلا بعد حرق اللحم البشري و تصاعد رائحته في طبقات السماء.

أيها الموت و كأنّني أسمع صوت غاليليو يصرخ :إنّها تدور ، إنّها تدور. و هي تدور رغم أنوفهم و ستظلّ تدور ،وحده غاليليو كان الصادق فأزهرت ذكراه بيننا شجرة خالدة . و هذا صوت الحلاج يحدث صخبا و هو يصرخ:

أقتلوني يا ثقاتي

إنّ في قتلي حياتي

ومماتي في حياتي

و حياتي في مماتي

أيّها الموت حائرة أنا أمام كلّ أولئك الذين قُدّموا طعاما للنّيران الحارقة أو أريقت دماؤهم فقدّمتهم أنت للخلود في هذه الحياة، حائرة أنا من أمر هذا الإنسان.

و أنت أيّها الموت ألا يحيّرك أمر هذا الإنسان؟

خلق الإنسان في أحسن صورة حتى أنّه نسي بأنّه عجينة من صلصال من حمأ مسنون “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”*. عقله الذي أبدع و أنجز القاطرات و المركبات و الطائرات و الصواريخ..يجعله يطمح للخلود ، بل قد يظنّ في لحظة ما بأنّه عصيّ على الموت، حتى أنّني كلّما استعملت اختراعا من الاختراعات التي أنجزها عالم ما فسهّلت لنا الحياة ،أو فتحت كتابا و قرأت فكرا عميقا يجعلني أفهم الحياة أكثر و أصافح من خلال صفحاته أناسا عاشوا في قرون خلت ، فأعيد ترتيب الأشياء بين السطور لأدرك ماهية ما حولي،أتساءل بيني و بين نفسي: هل الذي اخترع هذا الجهاز أو الذي ألّف هذا الكتاب مات كما يموت كلّ النّاس و دفن في حفرة تحت الأرض و أكل منه الدود و هو عاجز عن إيجاد وسيلة للخلاص؟

ويكبر السؤال بداخلي و يتشعّب و تصير له أدرع تحاصرني و أنا أبحث عن سر عالم ما أو مفكر ما، كيف كانت نهايته ،أو كيف باغته الموت؟

هل زاره وهو نائم على السرير و قد تمكّنت منه الأمراض و حوّلته إلى وليمة مفضّلة لدى الموت؟

وكلّما نفخت في ناي السؤال أكثر تتراقص الأفعى الهندية بين سطوري ، لكنّها لا تفزعني ولا أخشى على نفسي منها ، قد لا تكون سببا في موتي لأنّني فهمت أيّها الموت بأنّ الأفعى ليست رمزا للشرّ دائما بل هي رمز الخلود الذي ينشده الإنسان بعدّة طرائق ، فاتفقت البشرية على جعلها رمزا للصحة ، تقف شامخة في كلّ صيدليات العالم و في كلّ ما يتعلّق بصحة الإنسان و الطبّ تأكيدا للأسطورة الإغريقية الضاربة في القدم و المتعلّقة بأسليبوس حفيد إله الطب أبولو و الذي تحدّى العارفين بالأعشاب عندما أخفوا عنه الحكمة، فخرج باحثا عنها إلى أن صادف الثعبان الميّت و رأى كيف عادت إليه الحياة مباشرة بعدما حمل إليه ثعبان آخر عشبة و وضعها في فمه . عرف اسليبوس عشبة الحياة ومكان وجودها فراح يحيي بها الموتى حسب الأسطورة الإغريقية التي لا زالت تحكمنا بطريقة ما رغم ما توصّل إليه العلم من اختراعات و رغم تطوّر الطب.إذن لا زالت الأفعى تحرسنا أقصد لا زالت الصيدليات في العالم تتداول شعار أفعى اسليبوس التي تفضح رغبة الإنسان في الخلود ..الأفعى أيّها الموت لم تكن في اعتقادي سوى شكل للنهايات المتعرّجة التي رسمها الإنسان لإنسان آخر يحمل فكرة و التي تختلف عن تعرّجات و انسيابية الأنهر مثل الرافدين مثلا. و سقت دجلة و الفرات هنا مثلا تضامنا مع آلامهما الكبيرة و معاناتهما الصامتة و تحمّلهما لكلّ تلك الكتب التي أراق التتار حبرها ، وهما يذرفان الدموع مع مياههما العذبة الممزوجة بالدماء. و هما اللذان تجرّعا بمرارة كبرى رماد جسد السهروردي الذي أحرق بعد أن أعدم لأنّه حمل فكرة و كم تؤرّقهما ذكرى صلب الحلاج و غيره ممّن قدّموا لك أيها الموت وليمة….

و كم من الأنهار و الأودية و البحار في عالمنا هذا تشهد على مثل هذه النّهايات لمن يحمل فكرة، لكنّها لا تجف و لا تنتهي، تظلّ طبيعية لا لأنّها تختلف عن الإنسان من حيث التكوين فهو عاقل كما يعتقد البعض و هي غير عاقلة ، بل لأنّها الشاهدة على أنّ رماد ودم هؤلاء لم ينههم ، هاهم لا زالوا أحياء بيننا يحكموننا من حيث لا ندري ، نتعبّد في صومعاتهم و ننهل من جداول فكرهم. هل كانوا يحلمون بذلك و هم يحترقون في الحياة منذ عصور من أجل فكرة دوّنوها و سهروا الليالي لصياغتها في تلك الحقب الزمنية؟

هل كانوا يحلمون بأنّ زبدة أفكارهم التي لم يأكلها الدود هي الآن بين يدي تكنولوجيا عالية في أقراص مضغوطة و في مواقع على الشبكة العنكبوتية ، تسخّر لهم التكنولوجيا الحديثة وسائل البقاء الذي لا يعترف بدود الأرض لأنّه أدرك سرّ البقاء.لكن وجدتني أيّها الموت أحتار مرّة أخرى و أنا أرى أسلوب النّهايات تغيّر قليلا و أصبح حامل الفكرة يموت في الحياة بعيدا عن دود القبر محاطا بأفاعي التهميش و الإقصاء ، ينخر يومياته دود الرؤية الضيّقة إليه و تحويله إلى كائن يجري وراء لقمة العيش و السكن لعلّه يصير كباقي الناس فيسلم من جوع دود القبر و يأمن لحمه من النار الحارقة. و تساءلت أيّها الموت و أنا أقضم أظافر الوقت هل هذه النّهاية العصرية تحمل رافدا للخلود هي الأخرى كالإعدام و الحرق و درّ رماد الأجساد في الأنهار؟

*- سورة التين الآية الثالثة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق