قراءات ودراسات

أسئلة اللغة العربية والتعليم الجامعي

بقلم: د. حسين المناصرة

ثمة أسئلة  تطرحها الثقافة، ويتأملها الوعي تجاه لغتي الأنا والآخر، بشأن اللغة العربية الفصيحة، في إطار العالمية والتعليم. لعل أبرزها السؤال الذي يُطرح دوماً، منذ بداية عصر  النهضة في مطلع القرن العشرين إلى اليوم، وهو: لماذا تُدرّس  الجامعات العربية جلّ العلوم والمعارف العلمية بلغات أجنبية؟ ومن ثمّ: هل تعجز اللغة العربية الفصيحة عن احتواء العلوم والمعارف كلّها، في الوقت الذي لم تعجز عن ذلك لغات أخرى ، ربما تكون هامشية قياساً للغة العربية ذات الباع الطويل في المفردات والأساليب؟ ويردد المتسائلون سؤالاً خطيراً، يكاد  يبرمج الذاكرة الثقافية العربية تجاه واقع اللغة العربية الفصيحة، وهو:  هل الضعف الموجود في اللغة العربية –  في الوقت الراهن – ناتج عن ضعف في اللغة ذاتها أو في أهل اللغة وأوضاعهم الحضارية المرتبكة؟… أي  في الأمة العربية التي لم  تعد تحتفي بلغتها العلمية، فتضعها في الصدارة من خلال عوامل عديدة  واقعية وفاعلة؟! وهنا تكون الإجابة – عادة – جاهزة ونمطية ، تؤكد وجود ضعف في تكوين الأمة العربية المعاصرة ، وتخاذلها عن خدمة برامجها العلمية والمعرفية  من خلال  تفعيل لغتها الأم(اللغة العربية الفصيحة التي تحولت إلى لغة تداولية هي اللغة الوسطى الشائعة اليوم)، على حساب تفشي لغة الآخر في شوارعنا ومنتجاتنا، وبالذات في جامعاتنا التي قد يكون لها مبرراتها   المقنعة في تدريس العلوم المختلفة باللغة الإنجليزية على وجه العموم، في  ظل استلاب اللغة العربية من مقومات ازدهارها ، ومنابع ثرائها المادية والمعنوية!!

وقد يتساهل بعض المتسائلين في توجيه أسئلته؛ لينظروا إلى الإشكالية  من منظور عملي (براجماتي) ؛ فيأتي سؤالهم توفيقياً على نحو: لماذا لا تكون المحاضرات  العلمية الجامعية  باللغة العربية الوسطى ( بين الفصيحة والدارجة)، وفي الوقت نفسه تكون المصطلحات العلمية التي ينتجها الآخر باللغة الأخرى؟ وهذا – في الأقل-  يريح الطالب الجامعي من ظاهرة  التعثر في التواصل مع المحاضرات  عندما تتعمد أن تكون بلغة أخرى؛ لأن الطالب حينئذ قد يضيّع كثيراً من المعارف والأساليب؛ بسبب محدودية فهمه للغة الأخرى،وبخاصة في المستويات الدراسية الأولى  في المراحل الجامعية!!

وأسئلة أخرى…!!

هل تريدون منّا  أن نتحدث بلغة فصيحة كما كان أجدادنا في العصر الجاهلي؟ وقد تطلبون منّا  أن نكتب العلوم بأساليب إنشائية، على طريقة: طه حسين، والرافعي، والمازني، والعقاد،  وغيرهم؟ وكيف ستدرّس العلوم  في جامعاتنا بلسان أستاذ أجنبي لا يتقن اللغة العربية أو مستواه فيها متدنٍ، أينخفض سقفه إلى مستوى الطالب المتدني، أو يرتفع مستوى الطالب إلى سقف الأستاذ؟ وهل يجري الحوار باللغة الفصيحة التي لا يتقنها أصحابها، أو بالدارجة (العامية) التي لم يُعترف بها رسمياً  كلغة علمية وأكاديمية، أو بالعربيزية ( العربية – الإنجليزية)  التي يفضلها أناس كثيرون في المجالات العلمية؟!

أسئلة محيّرة، وما زلنا، لأكثر من  قرن، نعيش في عنق زجاجة اللغة بين تراثها  العريق وتداوليتها المتعددة، وقد ضاعت “الطاسة” – كما يقال في المثل الشعبي- في عنق الزجاجة ، فلا عرّبنا العلوم، ولا أبدعنا على المستوى العميق  في العلوم غير المعربة… وهنا لا بدّ أن تشتعل الأسئلة في سؤال محوري، هو: ما الحل العملي ؟!

الحل العملي  ميسور،  وسهل جداً!!

إن هذه المسألة برمتها تحتاج إلى قرار عربي  سياسي  تنفيذي فوري ، تتبناه جامعة الدول العربية الثقافية ( لا السياسية) ، ينصّ على أن يكون التعليم الجامعي باللغة العربية، وأن يتاح المجال للمصطلحات الأجنبية العلمية والمعرفية كي تبقى كما هي، بصفتها شائعة وعالمية، وأن تكون اللغة الإنجليزية لغة ثانية ، ومحورية في الدراسات العليا. ومن ثمّ تقوم مراكز أبحاث علمية ولغوية متداخلة تنقل العلوم إلى العربية، ويكون التدريس فيها باللغة العربية على مستويي الحوار والكتابة، وتستخدم اللغة الأخرى بصفتها مصطلحات  ومفاهيم محددة ، وعلى الآخرين العاملين في الجامعات العربية، أن يتعلموا اللغة العربية، كما نتعلم لغتهم عندما نعمل في بلادهم.

إذن، تعريب العلوم يحتاج إلى قرار ثقافي وطني قومي واعٍ ؛ بدون أن تفقد هذه العلوم خصوصيتها العالمية في كونها مصطلحات دارجة باللغة التي أنتجتها، سواء أكان من أنتجها عربياً أم أجنبياً!!

تساؤلات كثيرة  تثار كزوبعة في فنجال أحياناً ، وإجابات أكثر تجتهد، وتقترح، وتتوقع…  ولكن المهم  من الناحية الإنجازية: من يقرع الجرس؛ ليضع المسمار الأول في نعش التدريس في جامعاتنا بلغة غير عربية، مع أهمية أن تبقى المصطلحات العلمية والمعرفية  بلغتها الأم؛ بدون أن نهمل أهمية وجود لغة ثانية بجانب اللغة العربية في التعليم عموماً ؟!

*أديب فلسطيني وأستاذ قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الرياض

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق