ثقافة المقال

أسئلة تقلقني في ثقافتنا اليوم

د. ماجدة حمود

لابد أن نعترف اليوم أننا نعيش زمنا جديدا لم يصنعه المثقف! تغيرت الصورة المألوفة التي يدّعيها المفكر النمطي، بأنه الرائد للمجتمع، ثمة قوى جديدة أثبتت ريادتها، هي قوة الشباب المتعلم المنفتح على لغة العصر الحديثة وعلومها! صحيح أن المثقف التقليدي أخلى دوره لهؤلاء الشباب، لكننا لا نستطيع أن نقول: إن تجديد الحياة يقوم على عاتق فئة دون غيرها! وقد أثبت الواقع أن المجتمع يحتاج إلى من يشعل شرارة التغيير ليتبعه أبناء الشعب بأكمله! إذاً السؤال الأول الذي يطرأ على الذهن اليوم هو سؤال التغيير؟ هل هناك ثبات في الفكر والمجتمع؟ أم أن التغيير يحصل أحيانا دون أن نحس به؟ أكدت لنا الأحداث التاريخية التي عشناها هذه الأيام أن الثبات خدعة، وأن دوام الحال من المحال…

إننا حين نتأمل الثقافة اليوم تقفز إلى أذهاننا صورة الشباب الثائر على أنماط حياتية وثقافية وسياسية تدمر الحاضر والمستقبل،  لهذا بات من الطبيعي أن نتساءل: هل هؤلاء الشباب في تونس ومصر و… نبتوا فجأة؟ أم هم حصيلة تراكم معرفي وتطور وعي جديد، انفتح على العالم، وبدأ يقارن بين بلده المتخلف وبلدان أخرى، كان قد سبقها في الانفتاح على الحداثة في الماضي، مثلما سبقها في التخلص من الاستعمار، لكنه تخلّف عنها اليوم (اليابان، كوريا، ماليزيا…) فبدأ يتساءل: لماذا نحن خارج التاريخ؟ لماذا دولة كبيرة كمصر باتت مفعولا به، وانتهى دورها الفاعل في الحياة السياسية والاقتصادية و…الخ؟ لماذا تعاني الملايين من الأمية؟ لماذا الجوع والحرمان نصيب معظم الشعب؟ لماذا لا يكون مرور الزمن عاملا في ردم الهوة الطبقية بين الغنى الفاحش والفقر المفزع؟ أين التطوّر الذي يستفيد من طاقات الشباب، التي تمّ تعطيلها عن العمل؟ أين المدارس والجامعات التي تبني شخصية الإنسان العربي؟

لم يعد الشباب اليوم يسافر ليطّلع على ما يفعله الآخرون ليطوّروا بلدانهم، صار يملك فانوسا سحريا اسمه (الحاسوب) بكبسة زر فيه، يصبح العالم بين يديه، فيرى بلدانا كانت متخلفة مثله، تجاوزنه وانطلقت، لهذا سرعان ما أدرك هؤلاء الشباب أنه ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، ثمة قيم يفتقدها تحقق إنسانيته هي قيم الحرية والكرامة والعدالة، وأدرك أن ضياعها يعني ضياع كينونته ووجوده وفاعليته! أدرك أنه دون هذه القيم لن يطوّر وطنا أو بالأحرى لن يكون إنسانا جديدا، يرفع رأسه عاليا بين الأمم، لهذا لن نستغرب أن يطلق بعضهم على هذه الثورة التي بدأها الشباب بالثورة الأخلاقية!

إننا اليوم أمام سؤال مقلق: هل يسهم المثقف العربي في بناء إنسان واع لمرحلة التغيير؟ أم أنه عالة على هذه المرحلة؟ هل يفيد المثقف أن يغرق نفسه في قضايا شكلية؟ هل الجمال الفني يستطيع أن يؤثر بنا، حين ينفصل عن هموم الإنسان؟ إلى أي مدى نجد المثقف العربي قادرا على مواكبة التغيرات؟ هل يمارس دوره الريادي، الذي يدّعيه، فعلا أم قولا فقط؟ هل يستطيع هذا المثقف أن يتمتع بالتواضع اللازم، كي يتعلم مما هو أصغر منه، لكنه أكثر حيوية وفاعلية؟!

إننا نعيش مرحلة جديدة، بفضل عفاريت النت، أمدّتنا بدماء جديدة، زرعت الشباب في عروق ثقافتنا الهرمة، التي ينخرها الفساد، لهذا أردد إذا لم نغيّر أنفسنا الآن، لن نكون قادرين على المشاركة في التغيير، إننا أمام مفترق طرق، إما أن ننتظر الآخرين ونحن قانعون بدور التابع لهم، أو بالأحرى دور الإمعة! وإما نلتحم بالشعب لنتعلم منه، ونعلّمه، فنكفّ عن تلك النظرة الاستعلائية التي ننظر بها إليه! نعم نحن في هذه المرحلة أحوج ما نكون إلى ممارسة نقد الذات، قبل نقد الآخرين، نحن مسؤولون عن الكثير من التسيب في حياتنا، ولكن هل نجرؤ على ممارسة نقدية لأعمالنا ومراجعة حقيقية لما نكتب أو نفعل؟ هل بدأنا نمتزج بالإنسان العربي أم مازلنا نستعلي عليه؟ هل نصغي لجيل شاب يعاني القهر والبطالة؟ ألا نسرع في كيل الاتهامات في وجهه؟ ألا نتهمه بالميوعة والركض وراء الأغاني الهابطة تارة؟ وتارة أخرى نرميه بالفكر الديني المغلق الذي يفرّخ الإرهاب؟ لقد فاجأنا الشباب بوعيه وانتمائه للوطن، حتى تجاوز كل التوقعات، فقدّم صورة حضارية للتغيير، لأول مرة يشاهد العالم ثورة تنظف الشوارع بعد نجاحها، في حين قدّم الطاغية صورة نقيضة، فهو مازال ينتمي إلى عصر الجمال والبغال، لهذا استعان بالبلطجية كي يقضي على تطلعات الشباب؟ لهذا تأكدنا أنها سلطة سياسية وثقافية عجزت عن الحوار مع الأجيال بأدوات حضارية، ربما لأن الشباب تفوق عليها في وعيه وتطوره وقدرته على التضحية، في حين آثرت السلطة القمعية الثبات على ما عرفته من طرق الإرهاب، وهي حين تطوّر نفسها، تطوّر أدواتها القمعية، لهذا لم تجد من وسيلة تدافع فيها عن نفسها سوى أدوات البلطجة!

لا أمل أمام الثقافة العربية سوى أن تجدد نفسها بممارسة النقد الذاتي، وتطرح على نفسها أسئلة لا تعرف المجاملة، فالصدق مع الذات سيفضي بها إلى صدق مع الآخرين، فتكسب احترامهم وتؤثر بهم، مثلما تتأثر تماما، ولكن من يمارس هذا النقد اليوم؟ من يمارس التواصل مع الأجيال الشابة؟

أعتقد أن الثقافة لن تنقذ نفسها من الجمود والرتابة إلا بتعزيز الحوار مع الأجيال، أعرف أن عوائق كثيرة تقف حائلا أمام هذا الحوار، نعم ثمة قلق وأوهام من تعزيز هذا الحوار! أذكر منذ سنتين وأنا أشجع طلابي في قاعة المحاضرات على الحوار، نهضت طالبة وقالت: نحن نخاف الحوار! لنعترف بأننا بحاجة إلى تعزيز آلية الحوار بمعزل عن عقلية قديمة، تدمّر الفكر وحريته! ولنعترف أننا في زمن جديد، باتت فيه وسائل الاتصالات الحديثة وهي الجاذبة للشباب! تتجاوز كل الممنوعات والمحرمات! علينا أن نعترف بأننا لن نستطيع أن نقهر هذا الجيل بسلطة المنع والرقابة، وأن علينا أن نعزّز لديه فعالية نهملها ونتخيلها مدمرة، هي فعالية النقد، فنثق بعقولهم الثاقبة والمخلصة في اندفاعها نحو التغيير، علينا أن نصغي لعقولهم المتفتحة، التي فاجأتنا بوعيها ونضجها! حتى بات سلاح المعرفة في أيديها أقوى من أي سلاح، لوم يعد لثقافة الخوف مكان في حياتها!

لعل السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه هو: هل يستطيع المثقف اليوم أن يدرب نفسه على تقبل النقد الواعي، الذي يبني إنسانا أفضل؟

إننا إن لم نصغِ لهذه الأجيال، ونحترم رأيها فينا، نحن الكبار، سنعيش قطيعة مع العصر، ولن نستطيع أن نسهم إلى جانب الشباب في إنجاز وعي جديد، يطوّرنا، ويدفعنا إلى الإحساس بروعة الحياة، التي هي في تغيير مستمر شئنا أم أبينا!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق